الزواج الإلهي المقدس

الزواج الإلهي المقدس

ناجح المعموري

الإلهة أنانا / عشتار هي المسؤولة الأولى عن وظائف الجنس واللذائذ والمتع مع كل ما له علاقة بالجسد من أجل مساعدته على إداء وظيفته في الاتصال الجنسي ومنها الخمر / الرقص / الكيمياء /

وبرعت هذه الإلهة في الحضارة السومرية والأكدية في أداء ما تميزت به من خصائص معروفة ، وانتقلت عناصرها في هذا المجال الى حضارات الشرق بلاد كنعان / آسيا الصغرى/ بلاد الإغريق .... الخ .

ولم تكن الإلهة أنانا / عشتار ثابتة العناصر ، بل خضعت للتطورات التي شهدتها الحضارة العراقية القديمة وحصراً بعد التطور السياسي وتوحيد دويلات المدن بممالك أكبر وصار للجيش ضرورة لاسكات الاضطرابات والدفاع عن الممالك لمما اقتضى وجود الإلهة تجمع بين الجنس واللذائذ الذي يحتاجه الجنود وبين الخوف منها ، ولم يكن في الثقافة والدين غير الإلهة أنانا / عشتار ابنة الإله نانا / القمر في المرحلة السومرية وابنة الإلهة سين / القمر في الاكدية ، لذا تنوعت وظائفها وتكرست كلياً في المرحلة الاكدية التي قادها سرجون الأكدي وتوسعاته الامبروطورية الشاملة ، من هنا كانت هذه الإلهة ثنائية العناصر ، الجنس والقوة والشجاعة والقسوة ، حيث ظهرت في بعض الاختام واقفة على أسدها حاملة بيدها القوس والرمح ( للاطلاع اكثر : ناجح المعموري / أساطير الآلهة في وادي الرافدين / دار المدى / دمشق / 2006//

كانت وظيفة أنانا / عشتار تبدّيا لاهتمامها بالخصوبة في تمظهرات الطبيعة وكان الإله دوموزي / تموز ، عاملا مهماً في سريان القوة المساعدة على بعث الحياة وادامتها ، من خلال إدارة الطبيعة وقطعانها ومراقبة الزرع والتكاثر بين الأغنام والحيوانات ، ولا نستطيع الجزم بأن وظائف دوموزي / تموز ذات علاقة مباشرة بالخصوبة ، بل هي غير مباشرة . من هنا كان للرأي الذي قال به العالم د. نائل حنون صائباً ودقيقاً حول دوموزي / تموز ، الإله الذي نزل للعالم الأسفل ولم يغادره مثلما أشارت دراسة العالم فلكشتاين . أي بمعنى لم تكن له وظيفة مباشرة مع تجدد الحياة وانبعاثها المستمر .

قال د. فاضل عبد الواحد : كان منطقياً أن يقيم السومريون والبابليون سنوياً احتفال رأس السنة " زا ــ كمو ــ ك " وتجري في هذا الاحتفال إعادة لوقائع قصة التكوين كما جاءت في أسطورة التكوين . وبالمثل ومن أجل ضمان مسببات الخصب والتكاثر في الطبيعة ..... وكان ضرورياً إقامة احتفالات طقسية كما أحدثتها الإلهة في البدء . ولما كانت أساطير الخصب قد جسدت مسبباته في الإلهة أنانا / عشتار وبالإله دوموزي / تموز ، فقد كان منطقياً أن تعاد وقائع ذلك الزواج الإلهي كل عام / د. فاضل عبد الواحد / عشتار ومأساة تموز / دار الشؤون / بغداد / 1986/ص 135//

الزواج المقدس ، هو زواج الملك من كاهنة عليا وهو استمرار للتقاليد الطقسية التي جرت قبلاً بين دوموزي وأنانا / عشتار بداية احتفالات سنوية خاصة .

وتم اكتشاف أهم الآثار والمحفوظات الذهبية النادرة في المقبرة الملكية في أور والتي يرجع تاريخها الى 2600 ق . م وهي بقايا لتلك الاحتفالات الخاصة بالجنس المقدس في عصر مبكر من تاريخ الحضارة السومرية وكشف المنقب وولي على مجموعة ثمينة من الأواني والأكواب والخناجر والخوذ والحلي والقيثارات وأدوات أخرى متنوعة مصنوعة من الذهب والفضة والأحجار الثمينة . وهذه المكتشفات كافية للإشارة لما وصلت اليه سلالة أور الثلاثة التي انهارت في زمن امرــ سين ابن الملك شولكي على يد العلاميين .

تقام طقوس الزواج المقدس في زمن الملك شولكي في بداية يوم السنة الجديدة ، وكان شولكي يقوم في ذلك " يوم القمر الجديد ويوم رأس السنة " بتأدية الطقوس والمراسيم وبمرور الوقت تداخلت طقوس الزواج الإلهي المقدس . 

لقد وصل إلينا نحو ثلاثين ترتيلة ملكية دينية حفظت لهذا الملك وقد خوطب فيه بوصفه إلهاً وادعى شولكي بقرابته للإله شمش ( اوتو ) وشيد للملك معبد في مدينة نفر . ومن مميزات شولكي المعروفة اتقانه فن الكتابة والأدب ولعل هذا يسوغ الاستنتاج بأن الكثير من تلك المدائح والتراتيل التي وضعت لتقديسه كانت من نظمه ، وتمتاز هذه التراتيل بأنها ذات أسلوب أدبي رفيع ، وإن شهرته لم تقتصر على الفتوحات وتنظيم إدارة الدولة وتقديسه / حكمت بشير الاسود / أدب الغزل ومشاهد الإثارة في الحضارة العراقية القديمة / المدى / دمشق / 2008/ص 235//

وسجلت المصادر التاريخية تنوع المهارات والإمكانات المميزة للملك شولكي ، وهو أكثر ملوك سلالة أور الثالثة ذكاء وخبرة وتمتع بقدرات فنية ميزته عن غيره ومنها ، إنه أول موسيقار في المملكة ، حيث يحسن العزف على ما لا يقل عن ثماني آلات موسيقية ، ومن بينها قيثارة وصفت بانها ذات ثلاثين وتراً وآلة موسيقى سميت باسم أحد ملوك كيش وهو ( أور ــ زبابا ) ( طه باقر / مقدمة في تاريخ الحضارات / 1986/ ص 387ــ ص389)

ومعروف بأن شولكي عيّن ابنته كاهنة عليا للإله القمر ( نانا ) وهو بذلك استمر على السياق القديم الذي اخذ به الامبراطور سرجون الاكدي. 

كثير ما ابتدأت نصوص الجنس المقدس بالإشارة للملك / الراعي الامين ، أو جمال الملك كما في نصوص الجنس الإلهي الخاصة بالملك ( شو ــ سين 2037 ــ2027/ وهو الملك الرابع من سلالة أور الثالثة) 

ويكشف لنا هذا النص الانفتاح الكلي أمام هذا الطقس وما يثيره في النفس ، والنصوص دائماً ما تكون مروية بلسان الآلهة أنانا / عشتار متضمنة وصفاً شعرياً دقيقاً ومثيراً . 

سأفتح النهود 

وعندما ستضغط يداه الساحرتين على قطبي 

بعد أن يضع يده على فرجي 

بعد أن يضمني اليه في الفراش 

عندما يجامعني على المنام 

حينئذ سأظهر أنا بدوري حبي للسيد

عندما سأعانق سيدي وأرسم له قدراً طيباً

سأثبت له 

" حكمت بشير الاسود / سبق ذكره / ص237//

بعد أن تذوقت انانا / عشتار حب شولكي باركته بالنصر في المعركة وهتفت له كملك جدير بكل الامتيازات . ولكن ما تريده سومر هو الخصوبة في الحقول والبساتين والحدائق . وهذا الانجاز يتم بواسطة أنانا محبوبة شولكي . أنانا وشولكي ... اغنية سومرية للخصوبة تتحدث عن هذا الانجاز على شكل حوار بين الآلهة أنانا ( واخوها ) شولكي كمثال أو تجسيد لدموزي ، بينما الكلام من أنانا وهي تشتكي من غياب مجموعة من الخضراوات . شولكي يجيب ويطلب أن يصاحبها آلة حقوله الكبيرة والصغيرة والتي يبدو إنها تساعد لكي تثمر بطريقة أو أخرى والذي سوف تجلب اليه حبوبه كمكافأة ، وتتضمن بقية القصيدة توسل شولكي الى الإلهة لكي يرافقها الى البستان / حكمت بشير الاسود / سبق ذكره ص238//

تختتم طقوس الجنس المقدس بوليمة واحتفال فخم يقيمها الملك في القصر على شرف زوجته الكاهنة العليا المقدسة وتعد منصة خاصة لهذا الاحتفال يشترك الملك وزوجته بالجلوس عليها . واشار د. فاضل عبد الواحد الىىان احد النصوص السومرية المطولة مكتوبة الى الالهة انانا / عشتار والملك ادن ــ دكان ( بديل الاله دموزي ) يقدم لنا معلومات مهمة عن فعالية اليوم الخامس ، حيث يجري استعراض تتمثل فيه كل مظاهر الفرح والاحتفال والرخاء الذي تعيشه الملكة . وبعد ذلك ، تمر حشود المحتفلين اما المنصة هاتفة ومصفقة على اصوات الموسيقى . وبعد ذلك يقدم الطعام والشراب بسخاء .

حول كتفي عروسه المحبوبة كان يضع ذراعه

حول كتفي أنانا المقدسة كان يضع ذراعه فكانت مثل ضوء النهار وهي تعتلي العرش على دكة العرش العظيمة والملك ، كانه الشمس ، وهو يأخذ مكانه الى جانبها ( وكانت كل مظاهر) البذخ والفرح والرخاء تستعرض أمامها والطعام الشهي يوضع أمامها

وقيثارة تنعش الروح 

ايها المغنون دعونا نغني أغنية تبهج القلب / فاضل عبد الواحد / ص 157//

وصلتنا قصائد حب مذهلة لاثنين من ملوك سلالة أور الثالثة هما ( شولكي / الملك الثاني وشو ــ سين / الملك الرابع . وتعكس هذه القصائد أسطورة وأناشيد الزواج المقدس بين أنانا ودموزي عندما قام الملك لاتخاذ الكاهنات العلويات نظيرات لأنانا في احتفالات أعياد رأس السنة السومرية / خزعل الماجدي / الدين السومري / دار الشروق / عمان / 1998/ص145// وتتميز قصائد الحب بالدور المركزي للمحبين والذي يشير الى أن الملوك كانوا من أعظم المحبين في بلاد الرافدين ، ولم يقتصر الأمر على الملوك السومريين ، بل وجدت نصوص تعود الى ملوك بابل مثل الملك ادن دا كان 1974 ــ1954 ق . م ملك مدينة ايسين والملك ريم ــ سين 1822 ــ 1763 ق . م ملك لارسا ، وأخيراً الملك سامو ايلونا 1749 ــ1712 ق . م ملك بابل / بشير لاسود / ص234//

والإلهة أنانا / عشتار عبر الكاهنة العليا هي التي رددت النص أمام الملك شولكي ، فهو حبيب وملك موقر ، ولابد أن يكون كذلك لأنه ملك مملكة أور والمقدس فيها ، الذي حاز على دعم الإلهة له وخصوصاً انو / وانليل وكان وظل قويا وشجاعاً ، محبوباً لدى الجميع ، واستطاع هذا الملك العظيم ان يقيم اتصاله غير المباشر مع الإلهة أنانا / عشتار عبر الكاهنة العليا المقدسة ويتمتعان معاً بنشوة الرغبة وطوفان اللذة فوق الفراش الملكي الخاص بالمضاجعة .

والحوارية مبتدّية في النص ، حوارية بين الكاهنة العليا وبين الملك شولكي حيث قالت له : حزمه ليست لي / حبوبه ليست في المخازن / الانبعاث تحقق تواً ولم يظهر الخصب فوق الأرض . وعليهما الانتظار لمدة معينة حتى تظهر حزم الخصب وحتى تتكرس الحبوب في المخازن . ويتناوب معها الحوار منادياً اياها اختي وهذه صفة للإلهة انانا / عشتار في كل نصوص الزواج الإلهي المقدس وكلمة " اختي " اختصار لمشاعر الحب والعاطفة . وما قاله شولكي واضح وفيه استعارة عالية ، وهو فرج الإلهة وهو أيضاً الفرج الإلهي المسقي مبكراً بماء الملك المبكر وسيتضح هذا المعنى في القسم الثاني من النص :

اختي ، سوف اذهب معك الى شجرة تفاحي 

لعل ... شجرة التفاح تكون في يدي 

اختي ... سوف اذهب معك الى شجرة الرماني 

سوف ازرع هناك عسل حلو ؟ يغطي ؟

اختي ... سوف اذهب معك الى بستاني 

مثل زرع البستان 

خس .....

الزرع الذي أريد أن أزرع / سبق ذكره ص230//

نص مركزه المجاز وسيادة اللغة الرمزية . وفي أحيان يكرس الشعر السومري الوضوح الجميل وفي حين أخر هيمنة الاستعارة . وشجرة التفاح هي الكاهنة العليا / وفرجها كذلك الرمان إنها رمزيات دالة بوضوح على مفردات الجسد الأنوثي الجنسية والمعروفة بإثارتها .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top