الجرائم الالكترونية والحماية الدستورية للحريات

آراء وأفكار 2020/11/29 08:13:13 م

الجرائم الالكترونية والحماية الدستورية للحريات

 هادي عزيز علي

تفرد الدساتير أبواباً للحقوق والحريات وتحدّد الإطار التشريعي لحمايتها مع الضمانات الملزمة لتمتع المواطنين بها وممارستها والواقعة داخل دائرة الإباحة . ودائرة الإباحة الممنوحة دستورياً تحول دون تجريم أي شخص يقع نشاطه ضمن الدائرة تلك .

وهذا ما دفع المشرع العراقي الى شرعنة ذلك بالنص الآتي : ( لا جريمة إذا وقع الفعل استعمالاً لحق مقرر بموجب القانون .. ) المادة 41 من قانون العقوبات . وهذا يعني محظورعلى السلطة التشريعية سن قوانين تمس تلك الحقوق والحريات أو تقيدها أو تعطلها لاعتبارات تتعلق بالمصلحة الاجتماعية أو سواها من الاعتبارات الأخرى . وسبب الحظر هذا مرده الى أن النصوص الدستورية المنظمة لهذا الموضوع تحتل الصدارة في النظام التشريعي لأي بلد أي علوية النصوص الدستورية ، وعلويتها لا تبيح المس بجوهرها أومحتواها .

ولكن الدستور ذاته منح السلطة التشريعية سلطة إصدار القوانين التي يتطلبها النشاط الاجتماعي والاقتصادي والتربوي وغير ذلك من الأنشطة الأخرى ( المادة 61 /أولاً ) من الدستور . فكان لها ذلك ، ويتم ذلك في حالتين . الحالة الأولى – هي عندما ينص الدستور على ( القوانين المكملة ) ونقصد بها القوانين الميسرة للتعامل مع النص الدستوري والتي اشترطتها العديد من المواد الدستورية التي تضمنت النص : ( وينظم ذلك بقانون ) . أما الحالة الثانية فهي أن يترك للسلطة التشريعية تحديد إطار هذه الحماية من خلال مبادئ عامة يضعها المشرع لوضع الضمانات المطلوبة للحماية وهنا تتدخل السلطة التشريعية لتنظيم الحقوق والحريات . ولكنها تذهب بعيداً في أحيان عدة بحيث تمس جوهر الحقوق والحريات أو تقيدها أو تعطلها ، وكما هو الحال في مشروع قانون الجرائم الالكترونية المعروض على مجلس النواب حالياً . وهنا يقع المحظور المتضمن تجاوز السلطة التشريعية سلطتها المرسومة لها دستورياً ، المتمثل في التطاول على علوية النص الدستوري وتخطي الحدود المرسومة لها والعبث بدائرة الإباحة الممنوحة دستورياً للمواطنين في التعبير عن حرية الرأي .

إن التوازن بين الحقوق والحريات والمصلحة العامة تجيز للسلطة التشريعية تجريم السلوك أو الفعل وضمن سلطتها التقديرية في هذا الجانب بشرط الأخذ بالاعتبار أن تنظيم الحقوق والحريات تعد موضوعاً دستورياً فلا يجوز تخطيها أو تقييدها أو النيل منها ما دام الدستور قد كفل أصلها والتجاوز على هذا الأصل يعد عدواناً على الدستور وهذا ما تضمنه المادة 46 من الدستور التي تنص على : ( لا يكون تقييد ممارسة أي حق من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور أو تحديدها إلا بقانون أو بناء عليه . على أن لا يمس التحديد والتقييد جوهر الحق والحرية ) . وهنا يجب التصدي لكل نص وضع في المشروع يمس النصوص الدستورية المنظمة لحرية التعبير .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top