تداعيات ( فـي القسوة ) 1 - 3

آراء وأفكار 2020/12/05 07:39:26 م

تداعيات ( فـي القسوة ) 1 - 3

 زهير الجزائري

على تباعد المسافات والأفكار بيننا اتفقنا دون أن نتفق، كنعان مكية وأنا، على أن تكون (القسوة) الموضوع الذي لا نفارقه ولا يفارقنا. منذ كتابه (جمهورية الخوف) في الثمانينيات، مروراً بـ(القسوة والصمت) وكتابه عن (النصب) وروايته (الحبل) حتى كتابه الحالي( في القسوة) كانت القسوة، والعراقية بالتحديد،الموضوع الذي يخترق نتاجاته. 

مثل كنعان مكية شغلتني (القسوة )، وبالتحديد العراقية واخترقت معظم كتاباتي : ستة كتب وأربع روايات وما مقداره خمسة آلاف صفحة وخمسة عقود من حياتي. القسوة لازمتني منذ أن نشرت قصتي (السوط والرجال) عام ١٩٧٤ في مجلة (الطريق) اللبنانية. الفكرة مقابل الألم كانت موضوع هذه القصة و كان السؤال المحوري فيها كيف تقاوم الفكرة، وهي مجردة، الألم وهو حسي يمس الجسد الممدد عارياً على مصطبة التعذيب؟ الفكرة. 

القسوة والألم 

القسوة والألم هما الموضوعان المركزيان في كتاب كنعان الأخير ( في القسوة) .

يغطي الكتاب امتداداً واسعاً من التاريخ يبدأ من العهد الآشوري وينتهي بالحاضر. ويشمل طيفاً واسعاً، من المفردات والمفاهيم( القسوة، وهي عنوان وموضوع الكتاب، الألم، التعذيب، الدين، العلمانية، الذاكرة و التسامح....). مصادر القسوة و شرعيتها إضافة إلى ممارستها على الجسد الإنساني بواسطة الألم. 

يبدأ الكتاب بجولة بين الجداريات الآشورية التي سحرتني أيضاً بدقة وصفها القسوة والألم. كأن الكاتب أراد تأصيل القسوة من خلال النصب الآشورية وامتدادها إلى الحاضر. تجولت مثل كنعان مرّات في هذه الأجنحة الساحرة. بعد ثلاثة آلاف عام من إبداعها ما تزال هذه الجداريات تدهشنا. وهي تنشد ذلك، أن تجلب انتباهنا لإبداع النحات، وبدرجة أكبر للسلطة القوية التي تكمن وراءها. 

مرة أخذت ابنتي لأريها جمال حضارتنا. حين وصلنا اللوحات التي تجسد صيد الأسود التفتت إلي وقد قطبت وجهها باستنكار"ليس هذا جميلاً يا والدي، هذا منتهى القسوة". كنا ننظر لجدارية تظهر حراس الملك يحصرون الأسود داخل شبكة ليطعنها (آشور بانيبال) برمحه وهو واقف بوقار السلطة وبرود دمها. السلطة كما يصفها الفرنسيون وحش بارد الدم. هذه اللوحة تقولها بوضوح منحوتة على حجر صامد عبر الأزمنة.

هذه الجداريات الآشورية التي نراها في المتحف البريطاني منفردة، كانت جزءاً عضوياً من البناء في داخل وخارج القصور الملكية. الملك نصفه الآخر إله، يمر بين هذه الجداريات كلما دخل قصره أو غادره، للحروب أو للحياة، جداريات تجسد انتصاراته في حروبه وفي عمليات الصيد. يشاهد نفسه فيزداد امتلاءً بسلطته، أو يمرّ عابراً تاركاً المشاهدة لمن يزورونه من علية القوم ومن الضيوف. 

أتجول في هذه الأجنحة بخطوات بطيئة، وأرتب ثانية نحو لوحات مرتدة لأرى حاضرنا فيها. خلال تجوالي المستمر رأيت كم يكره النحات الآشوري الفراغ في لوحته. الفراغ فسحة راحة وتأمل، بينما يملأ النحات الآشوري كل زاوية بتفاصيل الحرب وفوضاها. مع ذلك عكس لنا جانباً واحداً من الواقعةً، فالقسوة تتجه نحو عدو، هو العيلاميون، وقد ظهروا في الجدارية وهم قتلى بسهام الآشوريين، يحتضرون نصف ساقطين على الأرض، ممددين تدوسهم عجلات العربة الملكية، أو راكعين وقد رفعوا أيديهم مستسلمين. مع كل ما في اللوحات من قسوة فهي مفخرة لأنها قسوة على الآخر الذي حملناه شرور أنفسنا وقد تجسد فيها الخير والنبل والشجاعة.

بعد ثلاثة آلاف عام استعاد صدام حسين رمزية تلك المعركة فصوّر نفسه على يدي رسام آخر في عربة ملكية الى جانب الملك الآشوري (نرام سن) رافعاً القوس والسهم ليحارب العيلاميين أنفسهم.

قرأت في مجلة (الف باء) الرسمية ترجمة نص على لسان الملك الآشوري سنحاريب يقول فيه "نحرتهم كالخراف وقطعت رقابهم مرة واحدة كما يقطع الحبل. وفي حقل القتال كانت أحشاء الجنود ورؤوسهم ممرغة بالتراب حتى أن عجيزات خيلي الواثبة كانت تغطس في مجرى الدم"٠ مع النص يعلق المحرر " نستشف من هذا النص بان عراق الأمس هو عراق الحاضر والمستقبل. ومن يحاول الإساءة إليه سيلقنه درساً لن ينساه". 

لم يكن هذا النصر هيناً على سنحاريب، فقد هزمه العيلاميون في بداية المعركة، ثم انتصر عليهم في المعركة الثانية. في الهزيمة والنصر كلفته الحرب ثمناً غالياً. لم يتعلم سنحاريب ولا صدام من كلكامش الاقتصاد في الدم. فقبل أن يصارع كلكامش أنكيدو أرسل له واحدة من بغايا المعبد نامت معه سبع ليال حتى فقد حيله فهربت منه أغنامه وعجز عن مطاردتها، آنذاك روضته البغي فغطى عورته، وهكذا تعلم الخجل و قَبِلَ أعراف المدينة فانتصر كلكامش دون قطرة دم.

الألم مختلف عن كل العواطف الأخرى كما يراه كنعان مكية "كل المشاعر تحيل دائماً الى الأشياء الخارجية الموجودة في العالم، وهي أشياء منفصلة عن جسد الفاعل، أما الذي يعاني من الألم فليس لديه مفعول به أو مرجع خارجي عندما يتألم. أنت تسمع صوتاً أو تلمس شيئاً أو تحب شخصاً أو تكرهه، لكنك تتألم وحدك. الألم المفرط ينتهي وخاصة خلال التعذيب وبعده باستحالة التعبير عنه. كلما ارتفعت مستويات الألم سيطر الجسد على العقل حتى تغيب قابلية التفكير والمشاعر بشكل كامل بالتزامن مع الموت". الكلمات هنا لكنعان مكية. لكني لمست ذلك خلال بحثي عن شهادات المعذبين في أواسط السبعينيات. الألم منقسم، ألم عضوي يأتي من داخل الإنسان مثل وجع المعدة وصداع الرأس، وألم له مصدر خارجي يأتي من قسوة خارجية متوجهة للمتألِم لإجباره على فعل شيء لا يريده أو معاقبته على فعل لا تريده سلطة أعلى منه هي الوالد أو المعلم أو السلطة. هذا الألم لن ينحصر بين اثنين، المعاقِب والمعاقَب، بل يتسلل خارج الجدران ليمسّ الآخرين.

الشهادات

كانت شقتنا في أواسط السبعينيات معلقة في الطابق الثالث في عمارة (جبرو حمندي) في(شارع المشجر) وسط البتاوين. تمر تحت شرفتنا سيارات الأمن (الفولكسواغن) المسرعة نحو (جمهورية الخوف) التي تضم مراكز التحقيق والتعذيب في (الجسر الأبيض). أنا وزوجتي كنا على لائحة الانتظار. في هذه الشقة استدرجت الخارجين تواً من التعذيب لأعيدهم ثانية الى تلك الأقبية ويتحدثوا عن تجربة الآلام. فضولي غلب عواطفي وأنا أستحثهم و أستزيد التفاصيل. أتوقف حين تخنقهم الكلمات وقد غصّوا بها. أجاريهم بالماء والقهوة. الألم عصي على التعبير كما يقول كنعان في كتابه” يقاوم اللغة" هذا صحيح. كانت (فاطمة المحسن) قد خرجت تواً من التعذيب وزارتنا في هذه الشقة هي وزوجها عبد الحسين ليستردا حياة سوية. تتوقف فاطمة عن الكلام وتتنفس بصعوبة وهي تعود بذاكرة مشوشة الى الكابوس. كانوا قد شدوا يديها بحبل الى عقلة في سقف القبو، ثم رفعوا قدميها و بدأ الجلد. يضربون ويضربون حتى يدمى باطن القدم وينفث ريحا حارة. حين يأخذ الألم قراره يضعون القدمين الداميتين في ماء دافئ فيتسرب اليهما ببطء الخدر الذي يتبع زوال الألم.

أسأل فاطمة: ما أسوأ ما واجهتيه؟

ـ الإذلال!

الإذلال كان أكثر وجعاً من التعذيب. يداها مربوطتان خلف ظهرها فتعجزان عن الأفعال والدفاع، و العينان معصوبتان فيرتد النظر إلى الداخل و تبدأ الهواجس. يقودونها بين الممرات :انزلي رأسك عن السقف! احذري من الحفرة! توقفي! "كنت أمشي على رجلين متورمتين من الضرب وبملابس النوم التي أخذوني بها. يمرروني بين غرف الموظفين فاسمع ضحكاتهم. في واحدة من الغرف شممت عطراً نسائيا وسمعت ضرباً على الآلة الطابعة وخمنت إن الضرب سيتوقف حين تراني. الغريب إنها لم تتوقف، فالمشهد بالنسبة لها روتيني"...

الإذلال مبرمج..الشتائم والكلام البذيء يتلو كل تحقيق فاشل خاصة حين يكون الجسد عارياً أمامهم. هذا الإذلال المستمر يريد أن يحطم في الإنسان إنسانيته، بآية قيمة كامنة فيه. وعندما يحتقر الإنسان نفسه سيحتقر كل ما آمن به. المبادئ لن تعود لها قيمة ما دام الإنسان أهين أمام نفسه.

أغلق الدكتور (محمد صالح سميسم) عيادته ثم أجابني وقد غادر السجن تواً:

-أصعب ما واجهني هو الوحشة.

قالها وقد غصّ بصوته.

"جسدياً لم يعذبوني كما الآخرين. لكنهم فعلوا ما هو أسوأ". لشهر كامل بقي في الغرفة معصوب العينين يعيش على الأصوات في مملكة الصمت والكوابيس..."يمر يوم، يومين، ثلاثة ثم أسمع خشخشة جريدة. كل الجسد يتأهب. هناك إنسان يقلبها! أحس بآذاني حارة. أتنحنح علّه يتحرك، يتحدث؟ لكنه لا يجيب. تزداد وطأة الصمت. أسمع رنين تلفون: تررررن، تررررن، تررررن... يرفع أحد السماعة. أقول إيييه، سيتكلم، لكنه يغلقها. أعرف أن الرجل ما يزال في الغرفة. أدري إنه ينظر إلي وأنا عارٍ. يتعمد الصمت، أم أنه لا يهتم بوجودي... أنت لا تدرك قيمة الأصوات إلا حين تكون معصوب العينين ووحيداً وفي مكان مجهول إليك ، وكل ما فيه معادٍ. أشم رائحة طعام ساخن فانتظر رنين الملعقة. صرت أتوهم أصوات بعيدة، أصوات أناس أعرفهم، ومرة سمعت أصوات أطفال وخيل لي إنهم أطفال الجلادين يلعبون في حديقة قريبة مني...." 

الألم والآخرون 

منذ طفولتي وحتى بعد أن تجاوزت السبعين بقيت مولعاً بأفلام شارلي شابلن، أضحك دون توقف، وأضحك أكثر كلما وقع من السلالم وبقي متمسكاً، بقبعته المضحكة، أو دوخته لكمة ملاكم محترف وعندما تعض قدمه أسنان جلد النمر أو يأكل الحذاء من فرط الجوع. أحيانا أسأل نفسي ما الذي يضحكني! هذا الرجل السيئ الحظ يتألم؟!

ثم أدركت أني لا أضحك من ألمه، بل من حماقاته وجهله بالمواضعات، وهذا يرضيني لأني أعقل منه. الضحك يفصلني عنه ويعطيني بعض الأمان لأن الذي حصل ل(شارلو) لن يحصل لي. أنا أكثر منه حكمة. 

الأمر انقلب كلياً خلال سماعي شهادات المعذبين. لم أكف، وأنا أسمعها، عن التفكير بجسدي المهدد. كيف أحميه من هذا الانتهاك؟ تشكلت في مؤخرة رأسي مجسات حساسة ترى وتسمع وتشم رائحة خطر قريب. أتلفت كثيراً حين أسير في الطرق الخلفية وتتأهب حواسي حين توشك سيارة على التوقف بجانبي، وأرى بعيون خلف رأسي من يتابعني. اعتقدت في بادئ الأمر إنها هواجسي ثم اكتشفت أن هذا الرعب مسّ الجميع حولي. مرة جاءني الشاعر هاشم شفيق وهو يلهث لأن اثنين من رجال الأمن طاردوه فلجأ إلي، ومرة جاءني الشاعر عبد الرحمن الطهمازي مخطوفاً. تطلب الأمر دقائق حتى سيطر على أنفاسه ليقول لي : كيف تأمن على حياتك في هذا البلد؟

لم آمن . فبين كل إغفائتين قصيرتين، وبين كابوسين نطل، أنا وزوجتي، من فتحة الستارة لنرى إن كانت سيارة الفولكسواغن متوقفة بانتظار خروجنا ولم يكن للعمارة باب خلفي آخر. سألت عن الطريقة التي يخطفون بها طرائدهم من الشارع، فاخبرني الذي جرّبها بانهم يطوون الجسد في قاع السيارة بعد أن يعصبون عينيه ويأخذونه لمكان مجهول ثم يحققون معه، وحين يرفض الإفشاء يبدأ التعذيب. (عبد الحسين سيداو ) أخبرني بأن الخوف من التعذيب أسوأ من التعذيب نفسه. إحساسي بجسدي: هل يحتمل؟ توزع على الآخرين الذين أعرفهم. صارت أجسادهم تعذبني. هذا الشيء الذي نقله كنعان مكية عن (آين هانت) حصل لي. إحساس بجسدي وتضامني مع أجساد الآخرين.

أسمع الشهادات و أطرح على نفسي السؤال الذي واجه الشاعر التشيلي (أريل دورفمان) في قصيدته( مفردات اللغة): كيف لي أن أحكي قصتهم إذا لم أكن هناك؟

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top