في انثربولوجيا ثورة تشرين..صفاء السراي.. كارزما البطل الاجتماعي

آراء وأفكار 2020/12/06 08:16:38 م

في انثربولوجيا ثورة تشرين..صفاء السراي.. كارزما البطل الاجتماعي

 فارس كمال نظمي

يعجّ الفضاء العمومي في العراق منذ 2003 بأيقونات التدين السياسي المتناسلة من بعضها، إذ تقف وراءها سلطة المال والسلاح و"المقدس" العصي على النقد والمساءلة. وهي بذلك اكتسبت "شرعية" أحادية لتعبئة هذا الفضاء انتخابياً وطقوسياً -ضد عدوٍ وهمي يستوجب استيلاده في كل مناسبة-، باستثمار سردياتٍ مصنوعة من نسيج معجزاتٍ وطهاراتٍ، يُتهَمُ من يشكك بها بالإلحاد أو الفسق أو الخروج عن الدين والملة.

وطوال سنوات هذه الحقبة، لم يتمكن المجتمع المدني -في مقابل المجتمع الديني- أن يطوّر أيقونات خاصة به تستطيع الفاعلية والتأثير الكارزماتي في جزءٍ من الفضاء العمومي على الأقل، كما فعل "صفاء السراي"، الشاب الذي هشمتْ جمجمتَه قنبلةٌ دخانية أطلقتها قوات مكافحة الشغب قرب جسر الجمهورية في بغداد مساء يوم 28 تشرين الأول 2019 في ذروة الحراك الشبابي الثوري الباحث عن وطن. 

لفهم ظاهرة صفاء السراي وتفسير تحوله إلى أيقونة عميقة الانتشار والتأثير في الحراك التشريني، فيمكن للتحليل أن ينصب على عاملين متفاعلين جدلياً: عامل يتعلق بالبنية النفسية الأساسية للحراك، وآخر يتعلق بوظيفة الحراك الساعية إلى امتلاك شرعية البقاء والديمومة.

النزعة الفردانية الباحثة عن الخير العام

يتحدد العامل التفسيري الأول بواحدة من أهم الصفات البنائية المفجّرة لذلك الحراك الثوري، إذ استند منذ بدايته إلى إطار سيكولوجي وجودي فرداني لدى الشاب المحتج، اتخذ طابعاً تعبيرياً جمعياً؛ بمعنى إنه حراك جماعي عبّر عن تنامي النزعة الفردية الحقوقية غير المؤدلجة بعقيدة سياسية أو دينية محددة، إذ برز الفرد وسط الجموع للتعبير بحدة واستماتة وتضحية عن رغبته الذاتية باستعادة حقوقه في أن يكون مشاركاً في الثروة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية والهيبة الوطنية، بعد أن جرى تهميشه طويلاً. فهذه النزعة الفردية الإيثارية جاءت مكرسة لخدمة الخير العام أو مصالح المجتمع أو لاسترجاع وطن، لا لمنفعة مطلبية ضيقة أو لانصياعٍ تسليمي لعقيدة تدّعي امتلاك الحقيقة.

وصفاء السراي (المولود في 1993) بتاريخه الاحتجاجي والشعري والشخصي يمثل على نحو دقيق هذا المثال التشريني، أي هذه النزعة الفردية الثورية الشبابية البطولية المستميتة الباحثة عن التغيير لصالح المجتمع، حد الاستخفاف الجمالي بالموت وبأي تضحيات جسيمة، دون الحاجة إلى أي تأطير عقائدي أو حزبي. إنه البطل الاجتماعي البسيط، الخارج تلقائياً من تفاصيل الظلم اليومي المرير، دون تحشيدٍ لاهوتي أو ايديولوجي لتسويق فعله الإيثاري المتجذر في قلب الحياة لا في ما ورائياتها. 

فالسراي الذي عُرف داخل ساحات الاحتجاجات بالمتظاهر المزمن أو الأبدي أو المحترف، ابتداءً من انتفاضة جمعة الغضب 2011 مروراً باحتجاجات 2015 ثم 2018 ، وصولاً إلى تشرين 2019، كان مثالاً ملهِماً لعدد غير محدود من رفاقه، بزهده وعصاميته وبنزعته الشديدة إلى الحرية والحداثة والعفوية والإيثار والشاعرية الوطنية المفرطة، وبمواقفه المتفردة وغير المألوفة في مناهضة السلطة أيا كان مصدرها: السياسة أو الدين أو العشيرة، حدّ أنه سمّى نفسه "إبن ثنوة" بالضد من التقاليد الذكورية واعتزازاً بأمه التي أصيبت بعدة سرطانات وتوفيت في سنة 2017. 

وحينما اندلعت ثورة تشرين أوصى صفاء رفاقه بأن يطوفوا بجنازته حول نصب الحرية إذا ما قُتل وأن يدفن جنب أمه ثنوة. وهذا ما حصل بالفعل إذ جاء مقتله الدراماتيكي المروع برهاناً مؤكداً وملموساً على التطابق البطولي بين أقواله وأفعاله، وهو أمر أخلاقي منح الشباب إلهاماً عاطفياً شديداً للتماهي برمزانيته. في هذه اللحظة حقق صفاء كارزما الشهيد الذي سيزداد حضوراً وتأثيراً وحياةً بعد غيابه المفجع.

حاجة الحراك لتشييد رمزيته في الفضاء العمومي

أما العامل التفسيري الثاني فقد اتضح منذ لحظة استشهاده، متمثلاً بمساعي الحراك الاحتجاجي إلى امتلاك شرعية البقاء والديمومة. فالفضاء الاحتجاجي كان بحاجة نفسية عارمة إلى سردية مدنية متينة (في ضوء افتقاره لرصيد عقائدي أو حزبي من الصور والرموز والثيمات البطولية) تمنحه إطاراً يوتوبياً متفوقاً للاستقواء على الخصم الذي احتكر بهيمنته الثقافية الفضاءَ العمومي وحولّه إلى إيقونات "مقدسة" تنتج له "شرعية" الحكم وحتى قمع الاحتجاجات. 

فكان صفاء السراي بسيرته ومواقفه وأشعاره وصوره وملامحه ونهايته المفجعة، يمثل مادة حياتية وذهنية محرضة على صناعة رمز وطني مُلهِمٍ يستطيع الوقوف –من بين رمزيات عديدة- بالضد من ترسانة السلطة الغنية جداً بحكايات ومفاهيم وتصورات تمنحها "أحقية" الوجود والاستمرار.

إن قوة هذه السردية/ الأيقونة التي صنعها جزء من الحراك التشريني عن صفاء السراي وحالات أخرى لشهداء آخرين، في مقابل شهداء منسيين، إنما تعزى إلى أسباب عديدة، بعضها يتعلق فنياً بالسياق الزماني والمكاني الذي حدث فيه الاستشهاد، أو بشخصية الشهيد وشبكة علاقاته وتأثيره، أو بدور شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام. إلا أن ما يميز قوة أنموذج صفاء السراي، أنه حقق في مخيال الشباب الثوري عدداً مهماً من القيم والسمات الشديدة الجاذبية، والتي شكّلت باجتماعها أنموذجاً ثقافياً سياسياً كارزماتياً مضاداً وفّر طاقة نفسية شديدة لهم لشرعنة الاحتجاج وأهدافه في التغيير الجذري. 

وما ميّز هذه القيم والسمات -في أنموذج السراي- أنها تفاعلت فيما بينها بطريقة النقائض الجدلية: «جدية صفاء العالية تجاه آلام الوطن في مقابل مرحه وانبساطه مع الناس/ اعتقاده المؤكد باستشهاده في مقابل نزعته السلمية الصافية/ شجاعته في المواجهة حد الافتقار للخوف في مقابل عاطفيته الشديدة في أبسط التفاصيل/ زاهد يعمل في أبسط المهن في مقابل حمله لشهادة جامعية/ واقعيته الناقمة على الفساد والظلم الاجتماعي في مقابل رومانسيته الشفافة حد التصوف».

* * *

إن سردية السراي قدمت مثالاً -من بين أمثلة كثيرة- على النزاع الذي اندلع – وما يزال- بين المحتجين والسلطة (الثورة المضادة) للهيمنة على الفضاء العمومي، في لحظة ثورية فاصلة يتنازع فيها القديم مع الجديد على تحديد المصير القادم للبلاد. 

هذا النزاع بدأ ولن ينتهي قريباً سواء استمرت الاحتجاجات أو انحسرت، إذ أن جزءاً أساسياً من الصراع السياسي الذي اندلع في تشرين بات متجسداً بين أنموذجين أو نمطين ثقافيين، لكل منهما رؤيته في تصور الوجود الاجتماعي وأنساقه السياسية وبناه الدولتية. وكل المؤشرات تؤكد أن ثمة قطيعة نفسية شبه تامة بين الأنموذجين، ما يعني استمرار المواجهة بينهما وتطورها إلى تمظهرات أكثر حدة وحسماً في المراحل القادمة.

تعليقات الزوار

  • حمودي عبد محسن

    المقال يستوحي الواقع المعاش لثورة تشرين فكريا وعلميا كتحليل ميداني- نظري،وهذا ما يضفي شيئا جديدا للحقيقة سيما وكانت الشهادة حاضرة، فالمجد والخلود لشهداء قورة تشرين.

  • سمير طبلة

    تحليل موضوعي وعلمي. سلمتَ د فارس. والى المزيد!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top