العمود الثامن: الدولة الحزينة

علي حسين 2020/12/08 08:56:37 م

العمود الثامن: الدولة الحزينة

 علي حسين

لا تزال القوى السياسية العراقية مصرة على أن الحل في إطلاق الرصاص على المتظاهرين، وأن تضاف امرأة جديدة إلى مئات الأمهات اللواتي ثكلن بأبنائهن منذ أن اندلعت انتفاضة تشرين،

من البصرة ومرورًا بالناصرية وبغداد والنجف والسليمانية، الشعار واحد لا مكان لمن يعترض أو يحتج من أجل لقمة عيشه. ليس ثمة سوى بيان خجول يؤكد فيه أصحابه أنهم سيقتصون من قتلة المتظاهرين، تلح أحزابنا "المناضلة" على أنها حامية الإصلاح، ولهذا لا يجوز للشباب أن يهتفوا ضد الفساد، الرصاص الذي انطلق في ساحة التحرير وفي الحبوبي والنجف وكربلاء والسليمانية يؤكد أن لا مكان للاختلاف، وأن ديمقراطية الصوت الواحد هي التي يراد لها أن تسود وتنتعش.

لا نزال نتحدث عن المؤامرة التي غررت بشباب الاحتجاجات، ونكاد ننشغل كل يوم بمغامرات التحليل السياسي ونتقافز على الفضائيات ببرامج فقدت صلاحيتها ، من أوصلنا إلى مشهد قتل شباب الاحتجاجات ، انها خطابات أحزابنا التي تؤكد كل يوم أن لاشيء أمضى وأنفع من طعنة نجلاء في أجساد من تعلوا أصواتهم للمطالبة بحياة كريمة؟

قبل عامين من هذا التاريخ فاجأت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل الألمان والعالم بخطاب استقالتها المفاجئة معلنة نهاية حياتها السياسيّة، ولم تقدم ميركل استقالتها لأن الألمان خرجوا في الشوارع يحتجون على سياستها، ولم تسخر من شعبها مثل عادل عبد المهدي بعد أن قتلت أكثر من 700 متظاهر، ولم يسجل عليها شبهة فساد واحدة، لكنها استقالت لأن حزبها خسر في انتخابات محلية ، مما دفعها ميركل إلى إعلان تخليها عن رئاسة الحزب، وانها لن تترشح لولاية جديدة.. تخيلوا المستشارة التي دخلت التاريخ من أوسع أبوابه وعاشت معها ألمانيا أهنأ مراحلها، قررت الاعتزال، ليس لأنها سلمت مدنًا بأكملها إلى عصابات إرهابية، ولا أفقرت ألمانيا ولا "نهبت" مئات المليارات، فقط خسرحزبها الانتخابات في إحدى المدن، في الوقت الذي خسرت فيه معظم أحزابنا الانتخابات قبل أن تبدأ.

المحامية البسيطة التي سخرت منها الصحافة الأوروبية عام 2010 وتساءلت كيف لبلاد بسمارك وغوته أن تضع مصيرها بيــد امرأة بسيطة المظهر، استطاعت خلال سنوات حكمها أن تدهش العالم وجعلت من ألمانيا القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا، وسوف يكتب الألمان بعد عقود عن هذه المرأة التي ضحت بمستقبلها السياسي من أجل أن تقف مع المهجّرين من المسلمين وتحتضنهم لتحصل على اللقب الأهم في حياتها "أُم المهجّرين".

السيدة ميركل التي لا تزال تحتفظ بالمركز الأول للمرأة الأقوى في العالم منذ عشر سنوات ، نرجوها قبل أن تترك كرسي السلطة أن تذكرمسؤولينا بكلمة اسمها الاعتزال، وبمفردة اختفت من قاموس العراق اسمها الاعتراف بالخطأ ، عسى أن يعرفوا أنّهم وضعوا العراق في أول سلم الدول الحزينة .

تعليقات الزوار

  • فهمي معروف

    احر تحياتي لكم الأستاذ العزيز ملاحظة بسيطة بان السيدة ميركل تحمل شهادة دكتوراه في الكيمياء الفيزيائية وليست المحامات. متمنيا لكم داوام الصحة والتوفيق والعيش بسلام.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top