السياب ومحنة الريادة

السياب ومحنة الريادة

د. أحمد الزبيدي

لعل من أكثر المحن التي واجهت السياب ، نقدياً ، هي محنة السبق التي اختلف عليها النقاد ما بينه وبين نازل الملائكة ثم تطوع فريق ثالث ليجعل البياتي شريكاً لهما في السبق الشعري الحديث..

ولو كان للسياب عون سلطوي لكان على النقاد ألّا يقدمون عليه اسماً دراسياً، ولكان ضمن المناهج التي يدرسها طلبة الكليات في قسم اللغة العربية إبّان المرحلة الدكتاتورية، التي لم تنته بعد .. ولكن هل ريادة السياب بحاجة إلى إجازة سلطوية أو قمع دكتاتوري ؟!

وحين شاع مصطلح الريادة المتنازع عليه في انطلاقته الأولى بين ضرّتين : ( الكوليرا ، وهل كان حبًّا ) مال شعار ( رائد الشعر العربي الحديث ) إلى السياب ، ولم يكن الميل إلا بعد حضور المنهج الاستقرائي الذي اكتشف أن الأشكال الشعرية الحديثة مصدرها هو السياب ، والغريب في الأمر إن المفكر مدني صالح قد أعلن ( ريادة السياب الثقافية والجمالية ) بكتابه الرائد ( هذا هو السياب ) فقد كتب عن صورته المطبوعة والخالقة للأساليب الشعرية الحديثة ، التي أصبحت موجِهاً شعرياً لمن كان معه أو بعده ومن ثم فإن كتاب ( هذا هو البياتي ) ما هو إلا كشف عن تقليد البياتي المصنوع للسياب المطبوع! وكيف استغل قدحاته الريادية وحولها إلى شعلات شعرية توهم القارئ أن البياتي هو من أشعل فتيلها .. وعليه ليس مفاجئاً اكتشاف عبد الرحمن بسيسو أن قصيدة ( المسيح بعد الصلب ) هي أول قصيدة قناع في الشعر العربي الحديث ، بل إن الشعر الحديث بدأ ، فعلياً ، على يديه حين حطم السياب بمعوله الشعري الأصنام العمودية المقدسة ، الحاكمة والمتحكمة بالمعايير الجمالية والتحولية فأصبحت العديد من الدراسات النقدية التي تتناول ( الشعر العربي الحديث ) تبدأ من قصيدة الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة كونها من أكبر التحولات الأسلوبية في القصيدة العربية ، بل عبّدت الطريق للتحول الآخر المتمثل بقصيدة النثر فكان من بين عوامل نجاحها واختصار زمن الاعتراف بها هو ( أبو غيلان ) ورفاقه الرائدون وصحابته والتابعون إذ إن مواجهة النثر لم تكن مع المقدس العمودي بل كانت المواجهة بين صديقين متقاربين في صفات عدة .. وإذا صدقنا أنه ليس للشعر إله واحد لذلك نجد شاعراً ( يعدل ) بين الأساليب المتعددة كاتباً ( عمودياً وتفعيلة ونثراً ) .. وبهذه التعددية تشكلت قبيلة من النقاد تعلن أن القصيدة العمودية إحدى الأشكال الشعرية الحديثة ولا يمكن الاستغناء عنها ومن ثم فإن الناقد الدارس للشعر الحديث عليه أن يبدأ من الأب العمودي المقدس .. وهذه إحدى المحن التي واجهت السياب فمن مواجهات داخلية لا تريد أن تمنح السياب فرادة البداية الحديثة، باعثها سلطة العمود والموروث والتقليد، وإلى محن سياسية جعلته يزفرها بمقالات جمعت بعنوان ( كنت شيوعياً ) ناهيكم عن محنه الاجتماعية والصحية والاقتصادية .. ولكن كل تلك المحن وغيرها ما استطاعت أن تبخس حق ريادته للأشكال الشعرية .. وهذا ما أكده الناقد الكبير فاضل ثامر في كتابه ( شعرية الحداثة ) إذ أصر على أن كل الأشكال الحديثة : قصيدة القناع وقصيدة الحوار وقصيدة المشهد وقصيدة المفارقة وقصيدة تعدد الأصوات .. كلها تعود إلى مرجعية السياب .. وعلى ذكر ريادة السياب للأشكال الشعرية الحديثة سأروي لكم حديثاً صدر عن الشاعر الستيني الراحل خالد علي مصطفى : أليس هو من رواد البيان الستيني ؟ ففي إحدى المناقشات الأكاديمية ولأطروحة دكتوراه وحينها كان - رحمه الله - رئيساً للجنة المناقشة والدكتور سمير الخليل مشرفاً عليها فقال الستيني الكبير : كل أشكال الشعر العربي الحديث انبثقت من السياب، بل هو أشعر شعراء الحداثة الشعرية ولم نستطع أن نعلو عليه وهنا التفت إليه الدكتور سمير الخليل فقال له : هل يمكن أن نعتبر كلامك هذا عن السياب رسمياً ؟ قال : بلى ولا أتنازل عنه .. 

كم كنت أعد مقولة ( الشاعر يولد من المعاناة ) مقولة انطباعية ساذجة ولكني كدت أن آمن بها حين وجدت ريادة السياب ولِدت من معاناته ومحنته .. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top