(سيرة ذاتية للجحيم).. تأملات في تجربة التشكيلي وليد القيسي

(سيرة ذاتية للجحيم).. تأملات في تجربة التشكيلي وليد القيسي

حيدر عودة

لا أدري لماذا خطرت لي شذرة خاصة بالجحيم، للفيلسوف الألماني "نيتشه"، من كتابه "ما وراء الخير والشر" يقول فيها: "عندما تحدِّق في الجحيم طويلاً فإن الجحيم سيحدُّق فيكَ أيضاً".

وإذا ما كان للفنان أن يرى في ذلك "الجحيم" صورة عميقة للحياة؛ فإن ما يسمى بالجمال لن يكون سوى –نَظَّارة- تحجب نظره عن رؤية صورة الواقع الحقيقية. ويمكن أن يكون المنجز الفني لفنان ما، هو أيضاً سيرته الذاتية، التي يدّونها في أعماله –بصدق وحرية- بما يشعر به وما يعيشه من تجارب حياتية وبما يملك من خبرات فنية، ومن هواجس ذاتية وتصورات، فهي أيضا سيرة ذاتية وجماعية في آن، وإذا ما صَدَقت الوقائع في العمل الفني فإن ذلك "الجحيم" يحدُّق فينا حقاً.

 

 

يبدو لمن يتأمل في أعمال الفنان "وليد القيسي"، وتجاربه المتنوعة، سيلاحظ أنه يقف بين منطقة النحت الفخاري وبين الأعمال التركيبية التي يكون الرسم أساسياً فيها. وقد تبدو تلك الأعمال قريبة من هواجس الإنسان المعاصر ومشاكله الجوهرية، ما يتعلق منها بأسئلة الوجود، وبمواجهة مصير الإنسان، وسعيه لخلاص غير قريب، أو لربما هو أقرب إلى المحال. فمشاهد "الجحيم" اليومي وخراب العالم -ماديا وروحيا- يمكن أن نجد لها صدى واضحاً، بل الكثير من صوره في أعماله، التي يؤكدها من خلال اللون والإنشاء/الشكل، ومن خلال تركيبه لمواد مختلفة، يطعم بعضها البعض، بين الفخار والنحت ومواد أخرى من البيئة، تكون فيها الألوان قريبة من رؤى الجحيم وتمثلاته صوره اليومية، كأن تلك الأشكال المحروقة أو غير المعرَّفة تخرج لنا من جحيم الحياة ذاتها، وليس من جحيم "دانتي" أو أي تصور مماثل في الكتب الأدبية ولا في تصورات الأديان وتصويراتها. فأعماله تنطوي على تدوين لأحداث جسيمة أو تصوير لمشاهد حروب وصراعات فضيعة، حتى في أعماله التركيبية يخيم عليها هاجس الجحيم - في معناه الروحي- الذي لا يمكن التخلص من كوابيسه إلا من خلال الفن، شرط أن يكون الفنان فيه صادقا وحرا، وهذا واحد من تحديات الفنان العربي، بل والفن العربي المعاصر، إلى حد كبير. فالفنان -في صورة من تمثلاته- يعبر عن ذاته أولاً، ويشارك في نقل الحقائق وتدوينها فنياً ثانياً، ولا يمكنهما الانفصال عن بعضهما مطلقاً.

وفي سعي واضح لقيم التجريب وحداثة الفن، يدرك "وليد القيسي" أن التفكير في العمل الفني يمكنه أن يكون مغامرة وجودية، واكتشافا لعوالم الذات، ووقوفا مما يحدث في العالم الخارجي، وإن المغايرة تبدأ في أدواته الفنية أولا، من خلال تطويع خامات جديدة أو استعارة مواد أخرى من البيئة، بما ينسجم ورؤاه الجديدة. فهو يرى في "الطين" مادة حية، ناطقة أكثر منها صامتة، محدقة في عيون المتلقي، مثيرة مشاعره وتفكيره. وقد يعمد أيضا لإطفاء كل بريق يمكن أن يغويه؛ فهو لا يرى-مثلاً- في أعمال السيراميك، تحفاً تزين الصالات والبيوت أو القصور فقط، إلا في إثارتها لأسئلة الوجود، سواء من خلال اختلاف طريقة عرضها أو في أفكارها وقدرتها على تغيير ذائقة المتلقي نحو تفكير أعمق في العمل الفني. حتى أنه في بعض التجارب يذهب بعيدا في مغامرته الفنية، كأنه يشير لجحيم غير مرئي، إلا إذا ما أدركنا تحديق "الجحيم" فينا بعمق، لكي ندرك ما يطبعه في أرواحنا من آلام ويحرث في أرضنا الحقائق وينير ظلمات رؤانا وسط دخان حرائق الحياة. ففي منحوتاته الفخارية يبدو العالم مظلماً، شاحباً، والجمال في أفول يتوارى خلف أقنعة غير حقيقية. بل أنها لتبدو أعمالا مركبة من دون قصد، مثل لقى نتعثَّر بها في الطرقات أو مخلفات لحدث ما، لكنها مثل قصيدة عصية على التفسير، أو رثاءً غير مجدٍ، بينما الجمال يُغَّيبُ في أقبية جحيم الأيام، مفخوراً في أفران المصائر، ونيرانه المرتفعة فوق صفاء الأحلام ونشيد الغايات نحو خلاص مفقود. 

وفي أعماله التركيبة؛ رغم أنها تبدو مثل كتب الفنان أو دفاتره الشخصية، يقترب فيها من روح الشعر ومخاوفه المجهولة وهواجسه الوجودية، أكثر من قربه من النوع الذي يقدم وصفات للعيش السعيد، أو لتخفيف آلام الإنسان بكلمات تفاؤل ساذجة. بل هو يفعل العكس لتنشيط ذاكرة الأسئلة، وإثارة مشاعر القلق المجدي، والحذر من اليقين وأوهامه أو طمأنينته المخادعة. هكذا يبدو الشعر لديه، وفي معناه العميق، روحاً غير مستقرة، باحثة عن عِلل النفس الخفية. وثمة شاعرية سوداوية تنطلي عليه تلك الرسومات، وتقاطعات أشكالها العفوية أو المقصودة، كأنها خرائط لمسارات غامضة، تسعى لإبقاء الرغبة في الوصول إلى نهاية المعنى متوقدة في عقل المتلقي، ودفعه للوصل بين الخطوط والأشكال بلا ملل، كأن صانعها يرمي بنرد الحياة- كل يوم- كمغامرة أخيرة له، لكي يدون لنا سيرة شخصية للجحيم.

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top