سيرة حافلة بنقاء الضمير والروح

سيرة حافلة بنقاء الضمير والروح

 كاظم غيلان

الآن اغمض الفريد سمعان عينيه في عمان بعيداً عن بغداد التي ولع بمحبتها .. بعيداً عن ساحة الاندلس التي كانت رئته الأخرى حيث صومعته في اتحاد الأدباء ومقر حزبه الشيوعي .

رحل ابو شروق حاملاً عمره المعتق بالحب ..توقف قلبه المتسامح الطيب عن الخفقان ولربما كان مبتسماً لحظتها .

تركيبة الفريد سمعان مغايرة تماماً لمجتمع عاش به دهراً ، فهي خليط عجيب بجمالياته التي تقترب من تناقضاتها أحياناً ، أنها مزيج من أجراس الكنائس وصوت قطار الموت ، تركيبة مدهشة – حقاً - لما فيها من قدرة فائقة في التحمل ، لكم كان صبوراً مكابراً ، يتلقى صدمات من شأنها أن تصرع المرء دفعة واحدة ، كأن يرى شريكة حياته صريعة ضربة تفقدها حياتها !! فيعود يلملم ما تبقى من تراكمات صبر تذوق ثماره مبكراً في سجون العراق فينهض الكبرياء ويشتد عوده صلابة من جديد .

حيوية الفريد سمعان موزعة في كل اتجاهات الحياة بحلوها ومرّها، به من شغف الحياة الكثير كأن ينصحك بالإقلاع عن التدخين وممارسة الرياضة الصباحية وهو في ثمانينيات العمر .

كان طفلاً بهيئة شيخ طاعن بالسن ، وذاكرة تاريخ كامل ، كان ولربما باختصار شديد تاريخاً يمشي على الأرض كما وصفه الصديق الشاعر جليل حيدر ذات جلسة .

ابو شروق كائن احتفالي ، فكلما تقدم به العمر تجده شاعراً ، يصغي لكل نتاج ، بل ولكل ملاحظة وتعقيب أو مداخلة في جلسات الاتحاد .

شعوره بالمسؤولية تجاه من معه لا حدود له ، أتذكر هنا في أيام الاقتتال الطائفي استحدث غرفة في مبنى الاتحاد كنت ضمن من سكنوها في ليالي الموت المؤكد فأطلق عليها ( غرفة المتعبين) !!

لم نكن متعبين بل مرشحين ساخنين للقتل برصاص له صدى أو كاتم صوت لولا منقذنا الفريد سمعان .

أبو شروق الذي يحمل قلب طفل لا حدود لشفافيته والبراءة التي تعتمل على مدار اليوم بروحه الكبيرة ، ما إن تحدّثه عن وضع حزين تعيشه حتى تجده منكسراً تضامناً معك ، وما أن تبتهج حتى يبتهج معك .

قدرة الفريد في التحمل عجيبة جداً ، لقد كان يتحمل أمزجة شريحة تمتاز بنرجسيتها واضطرابات الأهواء التي تغلفها ..يتحمل حتى من يسيء له ويكتفي بالرد على قسوة الآخر بالصمت .. الصمت ولا غير مما يدفع الآخر للندم والاعتذار لاحقاً .

لولا قابلية الفريد سمعان في الاحتواء وإمكانياته الإدارية وخبرته القانونية لما عادت البعض من ممتلكات اتحاد أدباء العراق ولما بني هيكله التنظيمي في ظروف استثنائية حالكة .

كائن رافضاً بقوة للمساومات على اختلاف ألوانها ومضامينها فقد كانت المبادىء التي نهل من مضامينها ما يشبه سريان الدم في العروق. 

عاش الفريد سمعان سنواته الأخيرة مع ابنته ( شروق) في العاصمة الأردنية عمان بعد أن بدأت أزمة النظر في تراجعها، لكن ما من محادثة هاتفية معه خلت من استفساراته عن كل ما يحب وفي مقدمتها أخبار صديقه ورفيقه مظفر النواب .

رحل الآن الفريد سمعان شاعراً ومناضلاً .. خسرناه – حقاً - لكنه الرابح الوحيد بتاريخ نادر ، تاريخ مثقل بالتجارب ، تاريخ من النقاء ابتدأ منذ اعتقاله مع مؤسس الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف ( فهد).

رحل الفريد سمعان بعد أن افجعته خيبة ( التغيير) ، لقد كان حالماً معنا بعراق المدنية والثقافة الحقة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top