باليت المدى: الصبي الذي سحرته الكتب

ستار كاووش 2021/01/17 06:58:26 م

باليت المدى: الصبي الذي سحرته الكتب

 ستار كاووش

كان أبي مولعاً بقراءة روايات (اللص الظريف) آرسين لوبين للكاتب موريس لبلان، كنت صغيراً وقتها، لكني مازلت أتذكر تلك الكتب ذات الأغلفة الغامضة،

وفهمتُ فيما بعد سر تلك النظرة الثاقبة عند أبي وانتباهاته لبعض التفاصيل التي تبدو غير مهمة عند الآخرين، ومثلما يقول المثل (الولد سر أبيه) لذا أحببت الكتب أيضاً، وما زلتُ أتذكر أول رواية قرأتها، وهي قصة مدينتين للكاتب تشارلز ديكينز، إشتريتها من مكتبة وسط بغداد بعد أن جمعت مصروفي الذي أحصل عليه من أمي عند ذهابي الى المدرسة. إحساس غريب شعرت به حينها جعلني أتفوق على ترددي وأقدِم على شراء أول كتاب، وما جعلني فخوراً بذلك الكنز الصغير أن الطبعة كانت خاصة بالفتيان وبغلاف سميك، ومازاد من أهميته أكثر هي تلك الرسوم الداخلية التي توزعت بين الفصول، والتي سحرتني وقتها وجعلتني أتابع قراءة الكتاب بشوق وشغف، ولا يزال مشهد برميل النبيذ الذي انقلب من العربة في بداية الرواية، حاضراً في ذهني كأول مشهد أو مقطع روائي أتعرف عليه في حياتي. كيف تحطّم ذلك البراميل على الطريق وكيف هرع الناس من كل مكان راكضين صوب رائحة النبيذ ولونه الملتمع على الرصيف، محاولين ارتشاف ما يمكنهم الحصول عليه من ذلك الشراب المعتق. ورغم أن تلك العربة بعيدة الآن وفي مكان غامض من الذاكرة، لكن وصف سقوط البرميل ورائحة النبيذ وهو يندلق تعود لذاكرتي دائماً، لأحب النبيذ فيما بعد وأدمن القراءة. 

كنت ألعب في صباي مع مجموعة من الأولاد بمحاذاة روضة الأطفال الوحيدة في منطقتنا، كان سياج الروضة العالي يشكل ممراً ضيقاً مع البناية المحاذية له، لذا كان يعيد لنا صدى صياحنا وتصفيقنا الذي نكرره بمتعة متناهية بإنتظار رجوع الصوت إلينا. وذات مرة، بينما كنت منهمكاً في اللعب مع أصدقائي، إكتشفت أن البناية المجاورة ما هي إلا مكتبة العباس بن الأحنف (العامة)، ولأنها كانت قريبة من بيتنا لذا صرت أتردد عليها كثيراً، وأقرأ القصص والكتب الصغيرة، وفي كل مرة أصل الى مدخل المكتبة أشعر بنوع من الهيبة والانبهار، فأدخل وجلاً وأنا أرى الأولاد الأكبر مني سناً منهمكين بقراءة الكتب. ورغم السنوات الطويلة التي تبعدني الآن عن تلك المكتبة، لكن ذلك الشعور مازال ينتابني حين يتعلق الأمر بالكتب، فقبل بضعة أيام جاءتني جارتي "يانكا" لتعيد لي مجلة أتيليه التي استعارتها مني بعد أن قرأت عمودي الذي أكتبه فيها، لكنها إضافة الى ذلك كانت تحمل صندوقاً صغيراً فيه اثنا عشر كتاباً من سلسلة للروايات الهولندية القصيرة كهدية لي، وأمام جارتي الرائعة، عدتُ ذلك الصبي الذي كان يدخل المكتبة وجلاً ومنبهراً، شاكراً هديتها العظيمة. 

هذا مايفعله سحر الكتب، وهذا ما تحمله بين دفّاتها. فمنذ الألواح الحجرية في بلاد الرافدين وورق البردي في مصر، حتى آخر إصدارات دور النشر الحديثة مروراً بمكتبة آشور بانيبال، ثم كتب بغداد التي رماها المغول في نهر دجلة، والكتب التي أحرقها النازيون، وحتى الكتب التي منعتها الكثير من البلدان من الدخول الى أراضيها، والكتب التي أحدثت هزات في تاريخ البشرية وتجاوزت طبعاتها كل الكتب على مر التاريخ، وأقصد الكتب المقدسة كالأنجيل والقرآن، مرَّ الكتاب بمراحل وفترات وأشكال متعددة، ومنذ اختراع الطباعة الحديثة وقبله اختراع الصينيين للورق، صار الكتاب أهم جزء أو حاجة أو طلب في حياة الإنسان، وحين تطور الأمر أكثر مع تطور صناعة الورق والأحبار وآلات الطباعة، صار الكتاب هو أساس الحياة وتطور البشرية، وأضحى القدم التي تسير بالانسان الى أمام. فياله من ساحر هذا الكتاب الذي تراه كل يوم أمامك و تقلبه وتتصفحه تارة، وتحمله قرب صدرك تارة أخرى، تراه في مكتبات المدن البعيدة وعلى طاولات المقاهي، في الحدائق وعلى الرفوف، حتى صار عنوان ثقافة بلد ما، هو عدد الكتب التي تطبع في هذا البلد، ومن خلال الكتاب انتقلت ملايين الترجمات وهي تحمل للناس بين دفاتها كل المعارف، وبسبب كل ذلك قالوا إن (خير جليس في الزمان كتابُ) وأنا أقول إن خير جليس في كل الأزمنة وكل الأمكنة وعلى كافة الصعد، هو كتاب جيد يضيف لك شيئاً جديداً.

رسمتُ الكتاب كثيراً وأدخلته في لوحات مختلفة وهو في حضن هذه الحسناء أو بين أصابع تلك السيدة أو مع ذلك الشاب. وبعد كل قراءة لكتاب ما، كنت أعود إليه في أوقات متباعدة لقراءة جزء هنا أو هناك، أو حتى أضعه أحياناً على الطاولة كموضوع للرسم.

وهناك الكثير من الكتب أصبحت علامة مهمة في حياتي وشكّلت ذكرى جيدة أو نادرة أو حتى مضحكة أو غريبة، لكن أكثرها غرابة هو ذلك الكتاب الذي اشتريته قبل سنوات طويلة من عمان، يوم سفري الى مدينة كييف، وكان عنوانه (كيف تتعلم اللغة الروسية في خمسة أيام)، وفي محاولتي لشرح ما أريده لصاحبة الفندق، فتحت الكتاب ونقلتُ منه جملة روسية معناها (أريد غرفة) على ورقة صغيرة وأعطيتها الورقة بكل ثقة، لكن يبدو أني أخطأت وكتبتُ الجملة التي تحتها وكانت ذات معنى مختلفاً، مما أثار ضحك الجميع وتعليقاتهم التي لم أفهم منها شيئاً. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top