الأسطورة والواقع وسلطة الألوهة المؤنثة في الشرق

الأسطورة والواقع وسلطة الألوهة المؤنثة في الشرق

ناجح المعموري

إن الإلوهة المؤنثة في الحضارة العراقية والشرقية بوصفها سلطة ذات نظام ثقافي وديني، ظل ثابتاً ومستقراً لفترات طويلة وممتدة منذ لحظة ابتداء الزراعة ،

بحيث كانت وظلت آلهة مهيمنة بوحدات مكونة لنظامها المشار له ، هذه الوحدات هي العقائد / والطقوس / والشعائر / والأساطير . لم يكن هذا النظام ثابتاً بانضباط عال للغاية وإنما حصلت فيه تطورات اجتما – ثقافية وسياسية ودينية ، لأن مثل هذا النظام وغيره لم يكن مغلقاً أمام الشروط الموضوعية الجديدة ، بل كان مستعداً لاستلام ما يفرضه المجال الموضوعي وحتمية التطور التاريخي .

ولذا كان التطور الثقافي والحراك الديني في العراق القديم مستوعباً للجديد . ولحظة التشكل المختلف بداية التدوين والاعتماد على النصوص الشعرية والأسطورية . ولأن الإلوهة المؤنثة ذات سلطة كل معطياتها مكرسة للحياة والخصوبة فيها وما يجاورها من عقائد وطقوس داعمة لخطابها ولابد لي من اختبار أنموذج للإلوهة المؤنثة الذي تعرض للتغير والارتجال وحيازة وحدات ثقافية ودينية ، واعتقد بأن الآلهة إنانا / عشتار أفضل أنموذج في هذا المجال ، ونستطيع من خلاله تقديم كشف عن عناصره الأولى، المؤسسة لنظامها الخاص ، والذي هو بعض من برديم الإلوهة في الديانة العراقية ، وكشفت لنا الأساطير الخاصة بها تنوع سلطاتها ، الاجتماعية / الدينية / السياسية . وخضعت عناصر تكون الآلهة في العراق القديم إلى تأثيرات البنية وخصائصها المائية التي أوجدت زراعة متطورة رافقتها شبكة من الأنهار والجداول والتحصينات الأولية . واعتقد بأن للبيئة ومتغيرات المناخ وخصائصه المعروفة انعكاسات على شخصية الإله / الآلهة أو شخصية الملك أي بمعنى كان للظواهر المجتمعية / الاقتصادية تأثير واضح على ما صاغته البنية الذهنية الأسطورية وتبّدى في عناصر ووظائف الآلهة المذكرة واختلاف عناصر البيئتين الطبيعية والبشرية في العراق القديم وتنوعهما يقدم الأساس الذي قامت عليه واقعة التنوع الحضاري فيه ، وتعدد الديانات والآلهة واختلاف القيم والمعتقدات والتقاليد . فكان سبباً أساسياً للانقسام بين الدول الناشئة في هذا الإقليم وحروبها المستمرة مما جعل ظاهرة عدم الاستقرار الاجتماعي – السياسي من الظواهر التاريخية المميزة ، وفرض على حضارته ودولها الاهتمام بقوتها (1) .

هذا التباين الحاصل بين مناطق العراق القديم ، ووفود أقوام كثيرة غازية ومتبادلة / تجارية منح هذا المكان خصائص ما زالت إلى الآن واضحة على السلوك الشخصي والممارسة الجمعية وما له وجود ملحوظ سيكون حتماً متبدّياً في تكونات الآلهة ومنعكساً في العقائد والطقوس .

وأعتقد بأن التغيرات الحاصلة في الخصائص الإلهية ، تسحب معها أيضاً الثابت وتزحزحه ، لتفسح مجالاً لإضافات أخرى . ((كما تركت البيئة الطبيعية ومظاهرها المناخية الحادة والمتطرفة والمتقلبة ، أثرها على المعتقدات الدينية والسياسية أيضاً ، فحيث يكثر الرعد والبرق والصواعق في فصل الشتاء ، ويصبح الجو جافاً في الصيف يصبح طبيعياً خوف الإنسان من هذه الظواهر ، وربطه بين حدوثها ومشاعر الرضى أو السخط عن الآلهة ، التي أصبحت رموز لظواهر الطبيعية أو نتائجها)) أو الأرض ، السماء ، الرعد ، الماء ، الخصب ، الرخاء ، القوة ، البطولة ((وفي ظل سيادة معتقدات دينية كهذه ، يفقد الحاكم السياسي دوره في السيطرة على الطبيعة أو التحكم فيها وتصبح خصائصه إنسانية غير مقدسة، بينما تتركز القدسية في سلطته المفوضة إليه من الآلهة في إلا في شخصه الطبيعي)).

وأعتقد بأن وجود الجزيريين في العراق بالكثافة السكانية المعروفة الوافدة على شكل موجات بشرية هائلة ، والزاحفة إلى جنوبي العراق ، حيث الحضارة السومرية الجديدة مع ديانتها المتنامية / والمتحركة قد وفرت فرصاً واسعة للجزيريين واندغموا مع أصحاب الحضارة ، ولم يشعروا بعقدة النقص ، بل تعاملوا مع الديانة السائدة باعتبارها ديانتهم . لكن دورهم الثقافي / والديني لم يتضح إلا في عصر سرجون الأكدي . وقد استحضر الجزيريون كل ثقافة / ودين سومر وأجروا عليهما تغييرات بسيطة جداً والمطلع على الديانتين يعرف حجم ذلك . ولكن لابد لنا من الإشارة والتأكيد على الدور السومري في مختلف المجالات ولعل أهم ما قدمته البنية الذهنية السومرية كما قال د. يوسف حوراني هو التصنيفات الموضوعية . وهذه التصنيفات تعدّت الظواهر المادية ، فشمل نهجها الصفات المجردة كاختصاصات قوى الطبيعة والمهن الإنسانية والفنية ومراتب السلطة وشعائر الحضارة .

ووسط هذه الحاضنة تشكل العديد من الآلهة في سومر وصار لكل واحد منهم نظامه الثقافي / والديني وكانت الآلهة إنانا / عشتار إحدى الإلوهات وهي عضو في مجلس الآلهة الذي يمثل السلطة العليا وتثير هذه الآلهة كثيراً من الأسئلة حول تكونها وتشكلاتها واستعدادها للتغيير وحيازة وظائف جديدة لتصبح بها مهيمنة وذات سلطة دينية قوية جداً ، وهذا ما سنشير له بشكل سريع ومركز .

((كل الديانات بدأت عشتارية وكل سر من أسرار الطبيعة وحكمة من حكمها وخبيئة من خبايا النفس الإنسانية وعلاقة من علائق القوى الخفية قد أبانتها عشتار في كل جزء أو جزء إشارة لبني البشر عن طريق كاهناتها اللاتي كن منذ البداية صلة بين عالم البشر وعالم الآلهة ، بذلك لعبت المرأة دور المعلم الأول في تاريخ الحضارة فالمرأة أكثر حساً بالخفي والماورائي من الرجل وأكثر منه تديناً وإيماناً بالقوى الإلهية))(3) .

كانت لها سلطات عديدة ، مثل الجنس والرغبة وصفتها العذرية مبكرة في ديانات الشرق وهي أولى الإلوهيات التي تستعيد عذريتها بعد كل اتصال جنسي . هذا بالإضافة إلى قسوتها وعنفها الواضح ، هذه الثنائية المتضادة مع بعضها ميزت الآلهة إنانا / عشتار وكان لها تأثير واضح جداً على الإلوهيات المؤنثة الأخرى في الديانات الشرقية وأكثرها تماثلاً مع إنانا / عشتار هي عناة الكنعانية .

ثنائية إنانا / عشتار ، الجنس والعنف يمثلان بعضاً مهماً من سلطتها الدينية وغطرستها. وشخصيتها في ملحمة جلجامش كاشفة عن هذه الثنائية ، فهي التي أرسلت ((شمخت)) إلى الصحراء لتلتقي مع أنكيدو / الإنسان الصحراوي المتوحش وتعيد إنتاج شخصيته من جديد وكان لجسدها وظيفة مركزية في ذلك ، حيث وظف على وفق آلية ابتكرتها البنية الذهنية العراقية ، إنانا / عشتار هي التي خلقت أنكيدو من جديد وجعلته إنساناً عارفاً بالحياة وواعياً للحضارة ، وهي أيضاً التي طلبت من الإله آنو إنزال الثور السماوي ليدمر الصديقين وأوروك لأنهما حقراها وأسمعاها كلاماً قاسياً ولاذعاً ، وهي أيضاً استدعت نساء وفتيات أوروك واستقبلن الصديقين العائدين مزهوين بانتصارهما من غابة الأرز وهن يرددن كلاماً مؤكداً على بطولة الملك جلجامش وتميزه بين الأبطال الذين كان بينهم أكثر جمالاً . هذه الأفعال معطيات لتكوناتها الدينية المقدسة ، ولعل أكثر عناصرها قوة وسلطة هو الجسد الشهوي الذي يستحضر الإشباع في كل لحظة ويجوع بعدها مباشرة ، هذه السلطة الخارقة جعلت منها ذات وظائف متنوعة لكنها ثنائية كما أشرنا إلى ذلك .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top