بايدن والعراق: المعادلة غير المتوازنة للإشكالات والتوقعات

آراء وأفكار 2021/01/20 10:56:10 م

بايدن والعراق: المعادلة غير المتوازنة للإشكالات والتوقعات

 د. أحمد عبد الرزاق شكارة

السؤال الذي نحن بصدد الإجابة عليه هو : ما هي طبيعة المعادلة الجديدة للإشكالات والتوقعات المتيقن أو حتى غير المتيقن منها في ظل رئاسة جو بايدن التي يفترض أن تعالج بعمق ملف العلاقات الاميركية – العراقية عقب العشرين من شهر كانون الثاني 2021

حيث يتسلم بايدن سدة الرئاسة السادسة والأربعين للولايات المتحدة الاميركية عقب الهزيمة القاسية للرئيس الخامس والأربعين دونالد ترامب ؟ الأخير ومعه الجمهوريون فقدوا السيطرة على الكونغرس الأميركي بغرفتيه النواب والشيوخ في الانتخابات الرئاسية الأميركية في الثالث من تشرين الثاني 2020 .

إنتخابات عدها الكثير من المراقبين للشأن الاميركي من أكثر الانتخابات الرئاسية الاميركية نزاهة في التاريخ السياسي الاميركي رغم مصاعب كورونا اللهم إلا الرئيس الاميركي السابق ترامب والغالبية من حزبه الجمهوري مستنداً على قاعدته الانتخابية اليمينة المتطرّفة التي حققت له أصواتا شعبية تصل إلى 70 مليوناً بينما حقق بايدن كسباً شعبياً أكبر وصل إلى 77 مليوناً. صحيح أن العراق يتمتع بعلاقات تحالفية مع الولايات المتحدة منذ 2003 ولكنها علاقات تشوبها إشكالات ، وأزمات حقيقية تترافق مع آمال محددة تستدعي منا الوقوف على بعض تداعياتها في العهد الجديد لبايدن لمعرفة كيفية تحرك العراق والإدارة الاميركية تجاهها بغية إيجاد حلول ناجعة نسبياً لها. 

الآونة الأخيرة من عهد الرئيس ترامب تميزت بإضطرابات وتخبط حمل مفاجآت شديدة الوطأة في محيط السياسيتين الداخلية والخارجية الاميركية صبت في مسار معقد وخطير يشوبه التوتر وعدم متيقن من النتائج والآثار المتوقعة خاصة وأن أجواء جائحة كورونا لاتزال تؤطرها تداعيات خطيرة على مستويات عدة أبرزها في المجالات الصحية - الإنسانية -البيئية – الاجتماعية –الاقتصادية تترافق مع أزمة داخلية حرجة "أمنياً " نتيجة لإقتحام أعداد غفيرة من مؤيدي ترامب مبنى الكونغرس لإول مرة منذ 1814 (حرقته القوات البريطانية) . برغم ذلك مازالت الأحداث تحمل بعضاً من رياح التفاؤل الممتزج مع حذر سياسي من تداعيات رفض ترامب تقبل الهزيمة وبالتالي القبول فعلياً بعهد جديد لبايدن والحزب الديمقراطي الذي فرض عليه واقعاً سياسياً وأمنياً من الصعب التيقن بنتائجه.

في الجزء الثاني من مسرحية وليم شكسبير تحت عنوان : الملك هنري الرابع وردت عبارة Uneasy lies the head كناية عن صعوبة النوم برغد لملك ينتابه القلق معتلياً تاجه الثقيل المرصع بالجواهر بمعنى مواجهته لتحديات متجددة صعبة في إدارة الحكم بما لايدع مجالاً للشك أن كلاً من النظامين العراقي والاميركي أمامهما مخاطر لابد من مواجهتها بحكمة تخفيفاً لإعبائها الممتزجة بفرصٍ جديدة لإمكانيات التغيير الإيجابي ، الأمر الذي يحتاج من صناع القرار في البلدين التحلي بالمسؤولية وسداد القرار المرجو إتخاذه .

إذ وبغض النظر عن نتائج عزل ترامب المتوقعة فإن الأرث الذي تركه في العراق عقب الضربة الجوية التي أودت - بداية كانون الثاني 2020 - بحياة قاسم سليماني رئيس فيلق القدس و ابو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق وماتبعها من تطورات ستراتيجية – أمنية متلاحقة جعلت العراق بالضرورة ساحة مفتوحة لصراع المتخاصمين الاميركي والإيراني ما فتح المجال للمليشيات غير المنضبطة رسمياً بإدوار تضعف من سلطة الدولة العراقية في إدارة ومتابعة تطبيق قرار مجلس النواب العراقي في نهاية كانون الثاني 2020 بالإنسحاب الناجز لقوات التحالف الدولية -على رأسها الاميركية- من الأراضي العراقية. علماً بإن حكومة السيد مصطفى الكاظمي قد توصلت لاحقاً إلى أتفاق مع رئاسة ترامب السابقة لجدولة زمنية أمدها 3 سنوات لإنسحاب القوات الاميركية من العراق. آخر الانباء تشير إلى أن عدد القوات العسكرية الاميركية في كل من العراق وافغانستان حُدد ب2500 شخص ، كل ذلك يسير في إتجاه يرنو لتقليص الدور الاميركي في شؤون الشرق الأوسط ومنها بالضبط ما عناه وزير الخارجية الاميركي – المرشح الجديد- أنطوني بلنكن في إدارة جو بايدن Antony Blinken عندما قال "سنقوم بمهماتنا بصورةأقل وليس اكثر في الشرق الاوسط". ولكن الحقيقة الماثلة للعيان تشير إلى أنه ونظراً للمحيط المتوتر والمضطرب في منطقة الشرق الأوسط وللرغبة الاميركية في استمرار لعب دور ستراتيجي حيوي يلبي المصالح الأميركية لن تعزل واشنطن ذاتها عن تنمية دور جيو - ستراتيجي في منطقة مينا MENA ( إقليم الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا ) هذا من جهة ومن جهة ثانية مازالت الحاجة العسكرية – الأمنية العراقية لحليف ستراتيجي يعتمد عليه لقتال فلول داعش قائمة ما يستدعي تعزيزاً للمشورة الأمنية- الاستخبارية وللدعم اللوجستي والجوي الاميركي. سياق أخذ بالاعتبار إقامة تسهيلات أوقواعد عسكرية اميركية مخصصة لمحاربة العمليات الإرهابية لداعش وغيرها من تنظيمات وعصابات إرهابية. . 

علماً بإن أحداث حزيران 2014 التي أسهمت بضياع محافظة الموصل وغيرها من المحافظات الغربية (الانبار وصلاح الدين) في فترة قاسية وقياسية لا تسمح لنا بالتفاؤل المبني على إمكانية تحكم السلطات العراقية بشؤونها الأمنية إلا عقب استكمال بنائها بصورة مهنية عالية الكفاءة . علماً بإنه وفي الآونة الأخيرة قامت الإدارة الاميركية بتسليم بعض مايعرف ب"التسهيلات والقواعد العسكرية" للعراق مع إستمرار الولايات المتحدة بإلابقاء على الأخرى مثل قاعدة عين الاسد في محافظة الانبار وحرير في الإقليم الشمالي لكرد العراق. يضاف إلى ذلك أن الإدارات الاميركية وخاصة منذ 2003 تنظر للعراق على أن له دوراً سيكون محورياً في التخفيف من تشديد العقوبات الاقتصادية – المالية الاميركية على إيران والتي وصلت لمديات عليا إنعكست سلباً على مصلحة العراق الآنية خاصة في مجال استهلاك الطاقة . مايخص تحديداً استيراد العراق لثلث إحتياج شعبه من الطاقة الغازية الإيرانية . المصلحة العراقية الحقيقية تستوجب فعلياً أنهاء حالة تلكؤ الحكومات العراقية المتعاقبة في تنفيذ مشروعات وطنية لمحطات الطاقة الغازية . 

ضمن هذا السياق وغيره جاءت أهمية فتح الحوار الستراتيجي العراقي – الاميركي والذي بدوره فتح الباب منذ صيف 2020 لتفاوض أميركي – عراقي يتناول تجديد التفاهم الستراتيجي – الامني لعلاقات البلدين الامنية والذي تتناول في جزء مهم منه مسألة أستمرار المساعدة العسكرية الاميركية للعراق من خلال تفعيل دور عراقي "مستقل نسبيا" يضع الجميع على مسافة واحدة بعيداً عن ساحة الصراع الأميركي- الإيراني . من منظور مكمل مقابل إن لم تُغير ايران من نهجها وسعيها لتغيير قوانين اللعبة الستراتيجية خاصة ما يرتبط منه بتقليص مديات طموحها الستراتيجي في العراق وفي دول أخرى خاصة سوريا واليمن من المتوقع أن تستمر الأوضاع على حالها Status-Quo دون تغيير حقيقي بل وإحتمال تصاعد حاد للعقوبات الاميركية والأوروبية الشاملة المفروضة على النظام الإيراني في حالة عدم تقديم الأخير حلولاً ناجعة مرنة لمعالجة الملف النووي المرتبط بملف الطموحات الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط - الخليج العربي . المسألة بكل المقاييس تظل مرتبطة بضرورة إحتواء المد الإيراني في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي حيث تتمتع الولايات المتحدة مع حلفائها في منطقتي الشرق الاوسط والخليج العربي بنفوذ لافت إستراتيجيا – سياسيا- أقتصاديا - ماليا . . إن الالتفات لهذا الاشكال القائم ومحاولة التصدي له تعتمد أساساً على إمكانية تقديم جو بايدن شكلاً ومضموناً جديداً للعلاقة مع بغداد لاتختص فقط بتوفير القوة الخشنة (العسكرية – الأمنية) للعراق ، إنما بكيفية إنفاذ جوانب مهمة أخرى للقوى الناعمة في ظل إتفاقية الاطار الستراتيجي منها ما يدخل في فرض رقابة صحية صارمة لمنع أنتشار جائحة كورونا مع إهتمام بتنمية حيوية لقطاعات الاقتصاد – الاجتماع ، المال ، التعليم والتنمية الإنسانية وغيرها. يمكننا الإشارة إذن لجهود مستمرة للتعاون الأميركي – العراقي ما سيعزز الثقة المتبادلة مستقبلا بين إدارة بايدن والعراق تأكيدا لرغبة الرئيس الأميركي الجديد في بناء نهج إصلاحي – تنموي شامل . ضمن هذا السياق يعنيني أن أؤكد أن بايدن ليس شخصية غريبة عن العراق حيث حطت قدماه العراق أكثر من 20 مرة خلال تسنمه رئاسة لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي وخلال تسلمه إدارة الملف العراقي في ظل إدارة باراك أوباما. من سجل أقواله السابقة يمكن القول إن بايدن عد (الإدارة الرشيدة- Good- Governance ) في العراق ليس بالأمر الهين بل ويعد في نظره أمر مستهلكاً للوقت ويستنفذ الطاقة بل يعد مستحيلاً. أقواله جاءت في سياق مرحلة سابقة أيد فيها غزو الولايات المتحدة للعراق في ظل الإدارة الجمهورية لجورج بوش الابن في 2003 وما بعدها أيضاً في ظل إدارة باراك أوباما التي وفي خلال عمله نائباً للرئيس الاميركي قدم اعتذاره عن إخفاقه في تحديد مدى دقة المعلومات الاستخبارية التي تشير لامتلاك العراق لإسلحة الدمار الشامل WMD- Weapons of Mass Destruction . برغم ذلك ، تشير التقارير "علها تصدق" إلى أن بايدن مازال مؤمناً بإمكانية تفعيل الدور العراقي الايجابي من خلال الحكم الرشيد ليس لمصلحة العراق فقط أساساً – في تقديرنا- وإنما للمصلحة الجيوستراتيجية – الاقتصادية الاميركية في منطقة الشرق الأوسط وفي القلب منها العراق ومنطقة الشرق الأوسط - الخليج العربي.

الأمر الذي يستوجب إستقراراً وأمنا في العراق من خلال دور قيادي مرضي هدفه حل كافة الإشكالات داخل العراق وفي المحيطين الاقليمي والدولي. إن أمن العراق يتطلب حصول حكومة السيد الكاظمي على تأييد شعبي وسياسي – مدني واسع من مختلف الشرائح المجتمعية بعيداً عن الولاءات الثانوية للدين ، للطائفة وللعرق أو للمناطق الجهوية. دور يؤكد أهمية مسار الاندماج الوطني من خلال معادلة تُعلي من شأن المصلحة الوطنية أولاً.إضافة للاهتمام بالشعب العراقي كله بضمن ذلك تحديداً الأقليات الدينية والعرقية التي لابد أن تجد لها تمثيلاً حقيقياً وطنياً يضمن وجودها وتنمية اوضاعها الاقتصادية – الاجتماعية – الانسانية. إنطلاقاً من ذلك ، يفترض أن تحل أيضاً الاشكالات المحلية – الوطنية – الاقليمية في ظل مناخ للحوار المجدي الذي سيوفر للمواطنين جميعاً حقوقهم وحرياتهم الإساسية دون تمييز وفقاً لنظام المحاصصة المقيت أو وفقاً لسياسة محاور تقسم شعوب المنطقة إلى تحالفات متناحرة أو متصادمة ما يفسح المجال للتدخلات الخارجية التي تثلم السيادات الوطنية بل وقد تجعل من السيادة العراقية مسمى "غير ذا شأن". من منظور مكمل حيوي لابد للعلاقات الاميركية – العراقية أن تبنى على أسس تحترم وتلبي المصالح المتبادلة للطرفين مع مراجعة للمواقف السابقة بصورة دقيقة لتجنب تكرار الإخفاقات 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top