في مقابلة معه : الفيلسوف الفرنسي برونو لاتور يحثّ على عدم العودة إلى حياة ما قبل الحجر الصحي

في مقابلة معه : الفيلسوف الفرنسي برونو لاتور يحثّ على عدم العودة إلى حياة ما قبل الحجر الصحي

ترجمة : عدوية الهلالي

بدلاً من الإسراع الى العودة الى " العمل كالمعتاد" قبل الحجر الصحي لإنعاش الاقتصادات التي ضربها وباء فايروس كورونا ، قامت البلدان ببناء وضع طبيعي جديد طالما أن مكافحة تغير المناخ في غاية الأهمية ..

ويدافع الفيلسوف الفرنسي المهتم بالبيئة برونو لاتور عن هذا التوجه داعياً الناس الى مقاومة فكرة العودة الى الأساليب القديمة بينما تخفف الحكومات من تلك القيود ..ويقول لاتور / 72عاماً / إن الوباء أظهر بشكل غير متوقع أنه من الممكن إيقاف النشاط الاقتصادي العالمي على الرغم من قول القادة على مدى عقود أنه لايمكن إيقاف قطار التقدم ، فقد أظهرت عمليات الإغلاق أنه يمكننا في الواقع اتخاذ إجراءات صارمة للغاية في غضون أيام لمواجهة التهديد. وقال لاتور في مقابلة معه بهذا المعنى :"عندما يقول الناس إننا لا نستطيع فعل أي شيء ، فمن الواضح أنهم على خطأ فلابد من إيجاد سبل جديدة " ..ومع ذلك ، فقد أشار إلى أن حجم التغييرات والقرارات التي يجب اتخاذها لوقف تغير المناخ "أكثر تعقيداً وأكثر خطورة من تلك التي تم اتخاذها مع فايروس كورونا "..

لقد كانت فرنسا واحدة من أكثر البلدان تضرراً من كوفيد 19، مع ما يقرب من 26000 حالة وفاة حتى الآن.ومع تباطؤ الإصابات الجديدة ، أعلنت الحكومة مؤخراً أن التخفيف التدريجي للإغلاق لمدة شهرين تقريباً سيبدأ قريباً ما يشير إلى عودة بطيئة إلى العمل كالمعتاد.وتعكس دعوة لاتور مادار في دراسة نشرت مؤخراً وقال فيها مجموعة من كبار الاقتصاديين الأميركيين والبريطانيين إن البرامج الضخمة للاستثمار العام التي تستهدف القضايا الخضراء ستكون الطريقة الأكثر فعالية من حيث التكلفة لإنعاش الاقتصادات وتوجيه ضربة حاسمة ضد تغير المناخ.كما طُلب لاتور من الناس في جميع أنحاء العالم تبني سلوكيات جديدة لوقف انتشار الفايروس - كالتباعد الاجتماعي ، وارتداء الأقنعة – إذ يجب على جميع الأفراد التفكير في "تدابير وقائية" بدلاً من العودة إلى ما قبل فترة ظهور الأزمة. وقال لاتور: "دعونا نحاول معرفة ما إذا كان بإمكاننا أن نتخيل مقدماً ما نريد الاحتفاظ به وماالذي نريد أن نقلع عنه ".كما قال: "ربما ، إذا نجحت ، فسنربطهم بمجموعات من الأشخاص من الذين يمكنهم فعلاً عمل شيء ما" ، مضيفاً ، "هل يمكننا فعل ذلك سياسياً؟ إحدى الطرق هي التوقف عن شراء الأشياء التي لا نريدها. فقوة المستهلك هائلة ".

ولايبالغ لاتور في أهمية مبادراته بل قال إنه يشعر بالقلق من أن حجم الأزمة ، التي تسببت في خروج ملايين الأشخاص الى العمل في جميع أنحاء العالم ، سيؤدي في الواقع إلى تجاهل المخاوف البيئية ..إذ يعيد برونو لاتور التفكير في حياتنا في زمن الوباء كما يدين كل تجاوزات العولمة في كتابه الذي نشر مؤخراً :" أين أنا؟" ..ويرى لاتور أن البشر ليسوا الفاعلين الوحيدين على كوكبنا فلايزال هنالك وجود فاعل لكائنات ضئيلة مثل الفايروسات وهو مايؤكده وباء كوفيد اليوم بمرارة ..وقد اشتهر عالم الاجتماع برونو لاتور بأفكاره المبتكرة في علم البيئة ،وقاد حملة لإعادة توجيه سياساتنا ، كما أعلن في مقابلة مع صحيفة الفيغارو قائلاً "إنها مسألة ممارسة السياسة كالمعتاد ، ولكن على أشياء جديدة مثل حماية التربة ، والتنمية المستدامة والتي لم يتم اعتبارها مهمة ، وتستحق الدفاع عنها ، أما أزمة كوفيد -19 ، فقد جعلتنا ندرك اعتمادنا على هذه العناصر ، وربما تقودنا إلى تجربة نهضة جديدة "...

ويقول لاتور في كتابه الجديد : "لقد دخلنا عصر "الأنثروبوسين". ويعني المصطلح "عصر الإنسان": فقد تم اقتراح تحديد الفترة في تاريخ الأرض التي يكون للأنشطة البشرية من خلالها تأثير كبير وعالمي على النظام البيئي والجيولوجي للأرض ؛ وبحسب الباحثين الذين يناقشونه ، فإن هذا "التسارع الكبير" حدث بشكل أساسي منذ الثورة الصناعية ، منذ حرب 1914 ، منذ 1945 أو منذ السبعينيات.ومهما كان تعريفه وحدوده الزمنية ، فإن هذا "التسريع" في تنميتنا الاقتصادية ليس مستداماً ، حيث يضطر المهاجرون إلى مغادرة بلادهم ولن يكون أحد "آمنًا" بعد الآن. ستتخلى عنا الأرض ولن نتمكن بعد الآن من العيش فيها . سيتعين علينا "البدء"، ولكن إلى أين نذهب؟ ومن هنا جاءت عناوين كتب لاتور: "أين الأرض؟" الذي سبق وباء كورونا و" أين أنا؟" الذي نشر بعده ..وعلى عكس بقية المفكرين ، فإن الفيلسوف مصمم على تقديم الحلول لأنه يعتقد أن الوقت لم يفت بعد. وبما أن الأرض تصبح فاعلة ، فإنه يكفي أن نأخذها على محمل الجد وأن نحترمها حقًا من أجل البقاء. ويكفي أن يكون لدينا استمرارية في الأفكار. ويعتبر كتاب " أين أنا؟" أفضل كتاب صدر عن الوباء وفترة الحظر المنزلي ، وما يجعل لاتور فريداً من نوعه هو أنه يربط بمهارة القضية البيئية بقضية الحجر المنزلي "...فإذا كان الأمر بالنسبة للطب كابوساً ، فإن كوفيد هو "تجربة" غير متوقعة بالنسبة للعلوم الاجتماعية ، وبالنسبة إلى برونو لاتور ، لن يكون من الممكن وضع حد للمسألة البيئية ، حتى لو نجحنا في الخروج من أزمة كوفيد الصحية ..ووفقاً للمؤلف ، فأن سياسة القرن الحادي والعشرين تقتضي أن يفرض نظام "عالمي" حقيقي جديد ذلك أن الهجرات الحالية تنذر بالهجرات المناخية ، كما إن تسارع الرأسمالية العالمية على نحو متزايد سيكون غير مقبول، وشئنا أم أبينا ، سيتعين على جميع أنماط حياتنا أن تتغير. وكوفيد هي مجرد واحدة من أولى علامات التحذير...

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top