عالم الاجتماع البريطاني ( روبرت دينجوال ) يناقش مخاوفنا من كورونا

عالم الاجتماع البريطاني ( روبرت دينجوال ) يناقش مخاوفنا من كورونا

 ترجمة : عدوية الهلالي

كيف يجب أن نتعامل مع حقيقة الموت ؟ يناقش عالم الاجتماع البريطاني البروفسور روبرت دينجوال من جامعة نوتنغهام ترينت مخاوفنا من المرض وتأثير إجراءات الحجر المنزلي على الحياة الاجتماعية ، 

ولماذا يجب أن تلعب العلوم الطبية الحيوية دوراً أقل أهمية في استجابتنا للجائحة وكيف يجب أن نتعايش مع الفايروس كما فعلنا مع العديد من الفايروسات التي ظهرت عبر التاريخ ، في حوار أجراه معه موقع (Reaction) الالكتروني وجاء فيه :

*هل نسينا كيف نتعايش مع الموت؟

- من سمات المجتمع المعاصر أننا طورنا هذا التصور الذي يمكننا من العيش إلى الأبد فيما إذا كانت التكنولوجيا فقط هي الصحيحة أو إذا كان بإمكاننا إدارة صحتنا بشكل دقيق. وفي هذه العملية ، فقدنا رؤية حقيقة أن أي شيء نقوم به قد يطيل الحياة الى حد كبير ، وغالباً ما نفعل ذلك على حساب نوعية الحياة التي نعيشها في النهاية.

* لكننا صرنا نرى موتاً أقل بين المقربين قبل أن تظهر الجائحة؟

- نحن نرى القليل منه جزئياً لأن وفيات الرضع أصبحت الآن نادرة جداً. كما إن التباعد بين الأجيال يعني أنه لا يتعين علينا التفكير في هذه التجربة. فقد تعيش 60 عاماً قبل أن يموت أحد الوالدين في الثمانينيات أو التسعينيات من العمر.لقد روى الفيلسوف الفرنسي بريات سافارين محادثة مع جدته البالغة من العمر 90 عاماً قالت فيها : "عندما تصل إلى سني ، ستدرك أن الموت ضروري مثل الحياة". فالموت لحظة في الحياة وهو تجربتنا النهائية. ويتحدث الفلاسفة الرواقيون كثيراً عن أهمية قبول الموت ، والتفكير في كيفية الموت بشكل جيد ، بدلاً من النضال ضده بلا جدوى وبتكلفة نفسية كبيرة.

*لماذا تركت الإنفلونزا الإسبانية ، حتى مع معدل الوفيات الهائل بها ، أثراً أقل على التاريخ من الأحداث الأخرى في ذلك الوقت؟

-علينا أن نتذكر أننا في عام 1918 كناعلى أعتاب تغيير اجتماعي كبير. بمعنى -أن يذهب الناس إلى الطبيب ويتوقعون أن يتم علاجهم فعلياً بدلاً من أن يكون هنالك بعض التخفيف من أعراضهم أو بعض الفوائد النفسية فقط. فحتى الحرب العالمية الأولى ، لم تحقق معظم التدخلات الطبية الكثير.ثم كانت الأمور تتطور بسرعة كبيرة في المراكز الرائدة منذ تسعينيات القرن التاسع عشر فصاعداً. وجاءت الحرب العالمية الأولى لتقديم بعض التحسينات المهمة إلى حد ما وجعلها متاحة بشكل عام. لذا اعتمد السكان في عام 1918 على فهم مختلف تماماً للعلاقة بين الطب والمرض عما سيكون عليه الحال في عام 2020.

كان هناك أيضاً قبول للموت - وليس عبادة الموت ، كما كان الأمر لدى الفيكتوريين. وما رأيته كان أكثر نموذجية للاستجابات للأمراض المعدية على مدى مئات السنين الماضية. فعندما تصل الأمراض المعدية لأول مرة إلى السكان ، يكون هناك ذعر كبير. وإذا عدت إلى القرن الرابع عشر وقرأت روايات عن الموت الأسود ، ستجد أن الناس مقتنعون بأنهم جميعاً محكوم عليهم بالفناء.كان الموت الأسود قد رافقته وفيات هائلة ،لكن السكان كانوا أكثر مقاومة. كما أن السلطات كانت لديها طريقة ما لإدارتها فهي ليست تهديدات وجودية للبشرية ويمكننا التعايش معها. أما ماحدث معنا بمواجهة جائحة كورونا فيمكن مقارنته إلى حد ما بما حدث في السنوات الأولى لفيروس نقص المناعة البشرية في الثمانينيات إذ كان نوعاً مشابهاً من الذعر الاجتماعي. وفي تلك السنوات ، اعتقدنا ربما أننا، سنموت جميعاً، ثم أدركنا بعد ذلك أن المرض يمكن التحكم فيه تماماً من خلال إجراءات احترازية بسيطة لا تعطل الحياة العادية.و في غضون بضع سنوات ، حصلنا على علاجات فعالة بشكل معقول. والآن وبعد مرور أربعين عاماً ، ما زلنا لا نملك لقاحاً ولكن لدينا علاج وقائي فعال. وتعلمنا كيف نتعايش معه. وهنا يمكننا أن نتساءل ، كم من الوقت يمكن أن نستغرق لقبول أن هذا ليس شيئاً يمكننا القضاء عليه. فقد يلعب اللقاح دوراً ما في السيطرة.. وقد نضطر إلى قبول حقيقة أن معظمنا سيصاب بهذا مرة أو مرتين ، أو ثلاث أو أربع مرات في حياتنا. وقد يكون الشيء الذي يسرع موتنا هو معاناتنا من أسباب أخرى !!

*كيف نصلح الضرر الذي أحدثته إجراءاتنا الوقائية على الحياة الاجتماعية؟

- كان جزءاً من المشكلة هو هذا التردد في إدراك أنه عندما يكون لديك مرض جديد ، وهو جديد في الطب ، فكل ما يمكنك فعله هو محاولة إبطاء انتقال العدوى بما يكفي للسماح للعلوم الطبية الحيوية باللحاق بالركب. لقد رأينا ذلك في وقت مبكر مع فايروس نقص المناعة البشرية. فقد كان نوعاً جديداً من الفيروسات وكان من الواضح تماماً أن أي نوع من اللقاحات قد يستغرق سنوات. وكان الشيء الوحيد الذي يمكننا فعله هو إقناع الناس باتخاذ المزيد من الاحتياطات في علاقاتهم الجنسية.كما قمنا أيضاً بتشديد معدات الوقاية الشخصية في عدد قليل من البيئات. وأصبح طب الأسنان مهتماً بمخاطر العدوى ، على سبيل المثال. إذ بدأ أطباء الأسنان بارتداء القفازات والأقنعة. وحدثت كل هذه الأشياء في فترة قصيرة مع تحديد واضح جداً لماهية المخاطرة وما قد يكون الإجراء.

وخلال تفشي فايروس إيبولا في غربي إفريقيا في عام 2013 ، لم يكن هناك اهتمام كافٍ بالسلوك الاجتماعي . وكان هناك أشخاص من منظمات مثل منظمة أطباء بلا حدود ، خاضعين لسيطرة طبية شديدة ، وكانوا يقودون سياراتهم إلى القرى النائية في سيارات لاند كروزر بيضاء ، ويلتقطون الجثث ويضعونها في أكياس الجثث وينقلونها ، متساءلين عن سبب قيام القرويين بإلقاء الحجارة عليهم وإخفاء الجثث. واستغرق الأمر بعض الوقت حتى يدرك الأشخاص الذين يديرون الرقابة الصحية أنه يتعين عليهم التحدث إلى علماء الأنثروبولوجيا ممن يمكنهم إلقاء الضوء على أهمية الجثة في تقاليد الناس في تلك القرى. وبمجرد أن تم فهم ذلك بشكل أفضل ، كانت هناك طرق لمواءمة الاستجابة مع ذلك وتحسينه. وهو ماجعل الوباء تحت السيطرة بشكل كبير.

لقد فشلنا في تعلم هذه الدروس مع كوفيد 19. إذ تقع القيادة على عاتق مجموعة معينة من علماء الطب والطب الحيوي.و كثير منهم أناس لامعون. ولكن لديهم طريقة خاصة لفهم العالم. ولديهم تصور ضيق نوعاً ما عن أنواع المعرفة ذات الصلة بتطوير تلك الأنواع من التدخلات ..

كوفيد 19هوعدوى. ويجب القيام بشيء ما يقوده عالم الطب الحيوي ..كورونا هو مرض علينا أن نتعلم كيف نتعايش معه على مستوى ما. وحتى لو جاء اللقاح ، فسيكون جزءاً من مجموعة من التدخلات وسنحتاج إلى إجراء مناقشة حول التدابير التي يجب أن نحافظ عليها جنباً إلى جنب مع اللقاح. فمن الأفضل بكثير إعطاء الناس معلومات حول المخاطر الإضافية التي يتحملونها ودعوتهم إلى اتخاذ قراراتهم بأنفسهم. ويعود الأمر إلى هذا الموقف الأرستقراطي إلى حد ما ، الذي تبنته عناصر من عالم الطب الحيوي ، وهو أننا يجب أن نكون قادرين على إدارة الحياة اليومية لأشخاص آخرين لتحقيق رؤية صحية قد قرروها ولكن قد لا يشاركها الآخرون بالضرورة.

في هذا السياق ، ليس من المستغرب أن يصبح الناس أكثر تمرداً ، وأكثر تذمراً لما يمكن أن أصفه على أنه امتثال دون التزام. فقد يضع الناس قناع الوجه للذهاب إلى المحلات التجارية دون أي اعتقاد به ولكن ببساطة لتجنب المتاعب والصراع. وفي مايخصني ، لاأرى هذا كطريقة جيدة للناس للاستمرار في عيش حياتهم...

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top