بيت المدى يحتفي بمئوية رائد التجريب المسرحي في العراق

بيت المدى يحتفي بمئوية رائد التجريب المسرحي في العراق

 قحطان جاسم جواد

مرت الذكرى المئوية على ولادة الفنان الراحل ابراهيم جلال المولود عام 1921، والراحل شكل علامة مهمة في الفن المسرحي العراقي تأثر بها كثير من المسرحيين وخرجت من تحت عباءته اجيال كثيرة من المبدعين. اتذكر يوما قبل رحيله كان في موقع تصوير الفيلم التلفزيوني "الوداع" تأليف قاسم الجنابي واخراج جمال عبد جاسم وبطولة ابراهيم جلال وهناء محمد. في الفيلم يموت البطل جلال وبعد انتهاء اللقطة ظل جلال لا يتحرك وكأنه قد مات فعلا، وحاول المخرج وفريق العمل ان يجلسوه لكنه ظل بلا حراك ووقتها كان مريضا جدا فالجميع آمن بموته وبدأ صراخ الممثلين وتعالت اصوات الفنانات وعويلهن. وبعد ما يقارب عشر دقائق فتح جلال عينيه وبدت عليه ابتسامة عريضة وقال (ها... تصورتم آني ميت.. وضحك طويلا) فانقلب العويل الى فرحة عارمة وقبلات واحضان مع هذا الفنان الكبير. ولأهمية هذا الفنان ولمناسبة ذكرى مئوية ميلاده اقامت مؤسسة المدى جلسة خاصة عن تاريخه المهيب ببيت المدى في المتنبي بمشاركة نقاد واكاديميين وفنانين.

أعمال بريشت بنكهة عراقية

قدم للجلسة الدكتور سعد عزيز عبد الصاحب فقال:- وقف مؤرخو المسرح ومنظروه بخشوع امام الحصيلة الفنية الثرة والمتنوعة التي قدمها ابراهيم جلال(1921- 2021) مخرجا وممثلا وسينوغرافيا، التي ضمت اشهى الافكار واغرب وجهات النظر صارعها فنانا بشغف وجسدها على خشبات المسرح بفواعل سبقت زمنها، واسست لواقعية تجريدية عراقية خالصة وظفت الموروث المسرحي العالمي لدى (شكسبير وبريشت وسارتر وتشيخوف) لقراءة الوقائع العراقية المعاصرة. من هنا فقط عبقرية جلال فهو كما جواد سليم في التشكيل وغائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي في القصة والرواية، الذين حفروا بعيدا في الميثولوجيا العراقية واساطيرها وفولكلورها الشعبي للوصول الى تجسيد متناقضاتها واضداد وصراعات المجتمع في ضوء انتاج شكل محلي تداولي. ففي طوفان عادل كاظم اظهر طوفان الافكار واكد انتصار الجماعة على انانية الفرد. وفي فوانيس طه سالم ناقش مظاهرالاستغلال. اراد جلال من منظور ستراتيجي ان يتبنى مؤلفا عراقيا لاعتقاده بأن الحركة المسرحية لن تستمر بدون ظهور مؤلف محلي يعرف اسرار وخفايا اللعبة المسرحية ويعكس مشكلات وعلل الواقع. فقدم عادل كاظم في مقامات ابي الورد والطوفان وعقدة حمار والمتنبي. وحاول جلال عدم الالتزام باسلوب اخراجي معين بل كان يجرب في كل عمل شكلا اخراجيا مختلفا فطبق التغريب والواقعية والتجريدية وكسر الايهام لكن من وجهة نظر النص المحلي وليس نصوص المفكرين الاجانب الاصلية التي درسها في الغرب.

حول الممثل من حالة غريزية إلى حالة ثقافية

وقال الدكتور الناقد عقيل مهدي: دراسة ابراهيم جلال لفن السينما في ايطاليا تكشف السر وراء غنى مخيلته الفنية، ومرونتها واستيعابها لتقنيات عدة في التعامل مع الفراغ والزمن والكتل والقوى.. بحيث جعلت عروض جلال ناضجة في الفن، ومبتعدة عن تلك النصوص التي كانت في معظمها تنقل الى خشبة المسرح لتقرأ وتسرد بشكل تراكمي بلا صور عضوية يتطلبها الاخراج المسرحي. وكان يلتقط من كل بلد درس فيه اشياء ايجابية ويضيف لها نكهة عراقية في اعماله. فهو يقول:- عندما اقرأ مسرحية أسمع نغمها وايقاعها وهذا ما يوحي لي بالصورة المركبة او (التركيبة الانشائية) والمخرج يضيف لخطوط الصورة والوانها اعماقا. وكان الراحل اهم عنصر في لجنة القبول في الكلية مع آخرين وكان انسانيا لدرجة كبيرة مع المتقدمين ويساعد كل من لديه موهبة وحافزا على الابداع. ويطلب من الممثل معه ان يجيد الفروسية والصعود على السلالم والقفزعلى المسرح ببراعة الرياضيين وهذا يتطلب لياقة بدنية،علما انه كان رياضيا وبطل العراق في الملاكمة. كان يصغي للشباب ويعلمهم، كما يتميز بالتمردعلى كل شيء حتى على السلطة. وعلم الكثير ممن اصبحوا روادا للمسرح مثل يوسف العاني وغيره. واستفاد كثيرا من مخرجي السينما الايطالية، ونقل خلاصة افكارهم الى المسرح لذلك تجد في كل اعماله المسرحية عمقا سينمائيا. وكان يحب الصوت الجهوري لدى الممثلين.

أنتمي لمسرح غير مسيس

وعلق الدكتور حسين علي هارف على موقفين معه. الاول حين عمل مساعدا له في الجامعة وقال "حاولت تنفيذ بعض الآراء والتدريبات على طلبة الصف الاول بتوجيه منه واستمررت لساعات في هذا العمل وكان يشجعني كثيرا. والثاني عندما اختارني مساعدا للمخرج في فيلم حمد وحمود الذي ظلم كثيرا بعد عرضه، مع مساعدين آخرين منهم جعفرعلي وغازي مجدي. كان التصوير في الحبانية وكنا نذهب سوية بسيارته ويتحدث عن امور خاصة وعامة. وحين زعل احد الممثلين طرده جلال وطلب ان امثل بدلا منه. وكان دورا رئيسا ونجحت معه في العمل للمرة الثانية. جلال كان معلما في الفن والحياة. واذكر سجلت له 4 اشرطة كصوت اثناء دراستي للماجستير قال فيها لم انتم للسياسة بل انتميت لعالم المسرح غير المسيس".

شديد الالتزام بالمواعيد

وقال الفنان بشار طعمة:- تشرفت بالعمل مع الراحل في ثلاثة اعمال (ديزدمونة والابيض والاسود ومقامات ابي الورد) كنت مصمما للاضاءة فيها وعملنا سوية داخل العراق وخارجه. كان شديدا في الالتزام بالتعليمات مع الكادر وملتزما بالمواعيد. وكان يعتمد على الفنان محمد العسل في ضبط المسرح وادارته. وهو قامة كبيرة لن تتكرر كما الحال عند جعفر السعدي وجعفر علي وجاسم العبودي وغيرهم.

جلال وقاسم محمد أبرز من قدم بريشت

وقال الدكتور حسين التكمه جي:- اعماله شكلت حضورا مهما في الساحة الفنية العراقية والعربية. درسني في معهد الفنون الجميلة وكان كثير المزاح مع طلبته لحبه لهم. وذات مرة دخل للصف بيده قطعة خشبية وتحدث عنها وقال هذه الخشبة كانت شجرة ثم جاء النجار ليفصلها الى كرسي يجلس عليه الطالب في الدراسة ثم جاء احدهم فكسرها ودمرها. واشار الى ان هذه القطعة الخشبية وحكايتها ممكن ان تكون ثيمة درامية. وهذا اول درس لنا في المسرح تعلمناه منه.. كيف نحول الافعال البسيطة الى افعال كبيرة ومهمة اي حكاية ودراما. كان جلال وقاسم محمد ابرز اثنين قدما بريشت بافضل ما يكون في المسرح العراقي وكذلك عوني كرومي. جلال حول في المتنبي الباحة المستطيلة من العرض الى قضية كبرى. من مجرد خيمة وحصران الى مكان صحراوي ذي جذور عراقية. كان جادا في استخدامه لكل اشياء العرض وتحويلها الى شيء مفيد وعنصر فعال.

أحدث طفرة نوعية

وقال الدكتور زهيرالبياتي:- احدث ابراهيم جلال نقلة نوعية في كل الفنون عموما وللمسرح على نحو خاص. وقدم طفرة كبيرة فيه كما فعل فائق حسن وجواد سليم ومصطفى جواد وعبد الجبارعبد الله.احدث تغييرا في بنية المسرح، كما فعل في مسرحيته البيك والسائق التي عرضت في بغداد والقاهرة. وخاطب الدكتور عقيل بان يقدم عملا في تجربته بمسرح السيرة عن ابراهيم جلال وغيره من قامات المسرح والجوانب الابداعية الاخرى..

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top