ارتحالات الرؤوس في خيالات علي عبد النبي الزيدي

ارتحالات الرؤوس في خيالات علي عبد النبي الزيدي

د.فاتن حسين ناجي

مهما كنتَ طويلاً.. سيأتي اليوم الذي تتمنى فيه أن تكونَ أقصر ما يكون حتى لا تصيبك إحدى الرصاصات الطائشة

ومهما كنت طويلاً ستكون نصفاً مع الزيدي فبين تناقضية خطوط الطول والعرض وتعادلية الموت والحياة يستكمل الزيدي جسد الإنسان في نص ( دراما خياليّة حدثت عام 2030 ) ليجعله منشطراً بين ذات أنثوية وذات ذكورية تتصارع من أجل أن لاتخترق الرصاصة يقين الأشكال ذوات الاتجاهين، فالذات الإنسانية هنا تبنى وفق نموذج افتراضي منشطر يجيب على تساؤلات الإنسانية في الوجود والكينونة والبحث في المعنى السطحي الى المعنى الباطن فمن الرجل ومن الأنثى وهل يرتحل الملك الى جسد امرأة ببطن ينمو بداخلها جنين لأم لها شارب وشيب رجل المئة عام . ولم يكن هذا هو النص الأول للزيدي الذي يقدم فيه تداخل الجسد الأنثوي مع الجسد الذكوري بل سبقه في فلك أسود وكأن هذه الثيمة التي يتبعها الزيدي يرمي من خلالها أن يؤكد على الإنسانية في أنها لاتتجزأ مهما تعددت الصور ولم تكن هذه الثيمة بمعزل عن ثيمة الخيال التي اجتمعت مع الثيمة الاولى ليحصد بها جوائز الهيئة في هذين النصين. فتقديم الرؤى الفكرية المغايرة بوصفها الأرضية الأكثر تماسكاً في زمن المابعديات ، والرصيد التراكمي للزيدي من النتاجات المغايرة السابقة لايمتد معها إلا المختلف ولكن هنا أصبح للخيال العلمي مجال أكثر مغايرة ، يتم الاهتداء إلى مُهيمناتها الإنسانية الواقعية وتوظيفها في طرح جديد يسير وفق خط سير آخر ذي قوة في النهج والثيمة فالصورة التي يتداخل فيها الجسد الأنثوي والجسد الذكوري تمحورت حول مكان يتأرجح أيضاً بين المشفى وبين القصور . بين الحمام وغرفة النوم ثم يعود للسرير على مشفى يحيل المئة عام الى مئتي عام وتحيل الجنرال الى جسد امرأة حامل تهرب منه لتمكث في جسد قزم عاجز . وكأن الزيدي يقول لامجال للرؤوس الكبيرة أن تتسيد مهما اعتلت أجساد الآخرين . صرخة الأجساد تحيلنا الى الشعوب المسلوبة الحقوق وهي تقول :-

جسم الفتاة: أخذوني من غرفةِ نومي رغماً عني، قالوا لي أنتِ في مهمةٍ وطنيةٍ مُشرِّفةٍ، وبعدها وضعوني على سريرٍ في غرفةِ العمليات.. ولم أعرف بعدها ماذا حدث!

وصرخات الرؤوس تخبرنا بأـن ثمة فايروسات كثيرة ننتظرها ولاتدرك أن وجودهم هو الفايروس الأخطر :_

رأس الرجل: وأتذكرُ بأن الأطباء قالوا لي بأنهم لم يعثروا على جسدِ رجلٍ شابٍ يتناسب مع رأسي ودمي وشراييني وعمودي الفقري، وقد أكدوا لي أن الفايروس قضى على ما تبقى من رئتيك ولكنهم أشاروا لي أخيراً بأنهم وجدوا الحل!

تلك الأبعاد المركبة تدور في فضاء كوني آخر ، الرجل زوج المرأة يريد جسد زوجته ونساء الجنرال تقتحم غرفة النوم مطالبة بلياليها والجسد تارة يكون رأس وتارة بطن وساق تلتحف الخوف . ومشروعية تلك الأسس الخيالية هي مشروعية قائمة على الفكر الآني المعاش ، ومحاولة طرح هيمنة الرؤوس بصورة مكثفة نظراً للتداخلات والتشعبات الكائنة بين الأفكار التي تدور في رؤوس تخشى أن تقول إن تلك الرؤوس الأخرى تعتليها ، وهنا اعتمد الزيدي بالأساس على سعة الخيال والإبداع في إظهار ذلك الشكل الغرائبي. وهذا لايقف عند خياله بل يتعداه الى خيال القارئ الذي يرسم تلك الصور الذهنية المركبة وفق مدرك جمالي ودرامي وعلمي فالتحول من اللاهوت المزيف إلى النزعة الإنسانية بصبغتها الأنثوية ، هو تحولٌ في مُلكية الحكم المطلق للأشياء والأماكن الثابتة ، والتحول من الأنا الثابتة إلى سلطة الآخر فالمرأة بضعف جسدها استطاعت أن تصفع ذلك الرأس وأن تقولها بلا خوف

جسم الفتاة: لو كنتَ تملك عقلاً لما زرعتَ الكون بالخوفِ والقلق بدلاً من الورود!

، وهنا جاء التحول من الذات الفاعلة إلى الموقف المباشر في المصارحة بالرفض والزيدي عمد ذلك لخلق قدر كبير من تنوعات المعنى والموقف (هنا بيننا أو هناك بينهم) . إنَ التصور الخيالي للبنية الجسدية المركبة وصفها الزيدي بانها من صنع الإنسان فأنت قادر على أن تكون أنت وقادر على أن يعتليك آخر وقادر على أن تكون في الأسفل ، فضلاً عن أنَه لم يفصل بين الممارسات الاجتماعية السلبية التي تقودهم للاعتلاء ، والممارسات الفردية التي تعطيه تلك الحقوق لبناء أشكالهم ، ومن كل ذلك يؤكد الزيدي أن هنالك من حاول الجمع بين استلاب البـنيـــة الإنسانية ، وارتداد الممارسة الاجتماعية الصائبة الى السلب ، فظهرت البنية التكوينية المهمشة والمرفوضة لتعتلي الواقع وتصرخ أنا خيال . وهذا هو الزيدي يعطيني خيالاً ولكن هو واقع الواقع بحد ذاته .ويختزل لنا كل هذا في هذه الجمل :_

رأس الرجل: أنا أكبرُ رأسٍ في هذي البلاد!

جسم الفتاة: لذلك أشعرُ بثقلِكَ على جسمي.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top