عبد الخالق الركابي: الرواية العراقية تتمثل بمحدودية جمهورها

عبد الخالق الركابي: الرواية العراقية تتمثل بمحدودية جمهورها

يرى أن الخراب يسود حين يستسهل بعض الأدباء عملهم فيسفّون

حاوره: علاء المفرجي

ولد عبد الخالق الركابي في محافظة واسط/ قضاء بدرة عام 1946. ــ بدأ شاعراً ونشر قصائده أواخر الستينيات وأصدر مجموعته الشعرية الوحيدة (موت بين البحر والصحراء) عام 1976.

أكمل دراسته الجامعية عام 1970 وحصل على شهادة بكالوريوس في الفنون التشكيلية. عمل في سلك التدريس تسعة أعوام. عمل مشرفاً لغوياً في مجلة (آفاق عربية) في منتصف الثمانينيات وعمل سكرتيراً لتحرير مجلة (أسفار). وكذلك محرراً في مجلة (الأقلام) حتى عام 2005. أنتخب في عضوية المجلس المركزي في اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين أكثر من مرة. عضو جمعية التشكيليين العراقيين. عضو نقابة الصحفيين العراقيين.

القسم الثاني

فازت روايته (الراووق) بجائزة معرض الشرق الكبير في بغداد عام 1987. فازت روايته (قبل أن يحلق الباشق) بجائزة أفضل كتاب أدبي عام 1990 عن دار الشؤون الثقافية العامة. فازت روايته (سابع أيام الخلق) بجائزة أفضل رواية عراقية عام 1995.كما أُختيرت الرواية نفسها من قبل الاتحاد العام للكتاب العرب في دمشق ضمن أفضل عشرين رواية عربية في القرن العشرين وقد ترجمت إلى اللغة الصينية و الإنكليزية والفرنسية والروسية، وقد أقرت لطلبة الدكتوراه /قسم الآداب للعام 1995 من قبل جامعة بغداد/ كلية الآداب/ قسم الدراسات العليا. في عام 1995 منحه نادي الجمهورية شهادة تقديرية كما أقام النادي نفسه حلقة دراسية حول روايته (سابع أيام الخلق). حولت الكثير من نتاجاته إلى مجالات السينما والتلفاز. المؤلفات: (نافذة بسعة الحلم)/رواية/1977/ (من يفتح باب الطلسم)/رواية/1982 (مكابدات عبد الله العاشق)/رواية/1982 (حائط البنادق)/ قصص قصيرة/ 1983 (الراووق)/ رواية/ 1986. (قبل أن يحلق الباشق)/ رواية/ 1990 (سابع أيام الخلق) رواية 1994 (أطراس الكلام)/ رواية/2002 (سفر السرمدية)/ نشرت عام 2003 في جريدة (الزمان) اللندنية على شكل 27 حلقة ثم صدرت طبعتها الأولى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر/بيروت/2005. (البيزار)/ مسرحية/1999/ فازت بجائزة الدولة للمسرح. (نهارات الليالي الألف)/ مسرحية/ 2001* طبعت رواياته ومجاميعه القصصية بعدة طبعات اُتخذت رواياته مواضيع للعديد من رسائل الماجستير. صدرت عنه الكثير من الكتب :منها (ثلاثية الراووق/ الرؤية والبناء) للدكتور قيس كاظم الجنابي بغداد/2000. كتاب (الركابي عرّاب اللاشعور الماكر) تأليف الدكتور حسين سرمك حسن/ بيروت2009. كتاب (البنية الدلالية في رواية “سابع أيام الخلق”) للأستاذ حسن كريم عاتي 2012. أُختير ضمن خمسة روائيين عالميين من أجل كتابة التاريخ العربي الحديث على شكل رواية في إطار (جائزة قطر العالمية للرواية)، وقد ترجمت روايته (مقامات إسماعيل الذبيح) إلى عدة لغات. كتب عنه كثير من النقاد العراقيين منهم: مهند يوسف - عبدالرحمن طهمازي - علي جواد الطاهر - محسن الموسوي - حاتم الصقر - عيسى حسن الياسري - رعد عبدالقادر.

ويعد عبد الخالق الركابي احد الاسماء المهمة في المشهد السردي العراقي والعربي، وأحد الذين اسهموا في تطور الرواية العراقية من الجيل للروائيين المؤسسين.. حيث تكرس حضوره القصصي وفيما بعد الروائي منذ أواخر ستينيات القرن المنصرم.

و يشكل أحد أهم أقطاب التجديد، ان لم نقل انه المؤسس الفعلي لما يعرف برواية الميتاقص عراقياً، عبر استثمار المخطوط بمصادره التاريخية، وهو ايضا يعد احد الاقطاب المهمة في كتابة الرواية التاريخية.

(المدى) حاورت الركابي في حوار طويل لتلقي الضوء على سيرته الادبية التي جاوزت الخمسين عاما، والوقوف عند تجربته الروائية التي أخر شهادة حصل عليها منها حصوله على جائزة عويس الثقافية.

* ووفق هذا الطرح ..ممن تتألف روايتك سابع ايام الخالق؟

- تتألف رواية (سابع أيام الخلق) من قسمين أساسيين يتفرعان إلى ثلاثة عشر قسماً ثانوياً على امتداد فصول الرواية. يتكون القسم الأول من حكاية إطارية تحمل عنوان (كتاب الكتب) تتوزع إلى سبعة فصول، يتكرر في أولها ذلك العنوان، يعقبه عنوان فرعي باسم حرف من حروف الأبجدية تشكّل بمجموعها في ختام الرواية اسم (الرحمن). ولهذا الاسم موقع خاص لدى المتصوفة؛ إذ إنهم يقولون إنه قبل البدء بخلق الكون كانت الأسماء الالهية موجودة بـ(القوة) فرجت الله سبحانه وتعالى أن يوجدها بـ(الفعل) فرحمها، وعن طريق اسم (الرحمن) أوجد الكون. يتمحور موضوع هذا القسم حول معاناة الروائي في خلق روايته وذلك بالوصول إلى الصيغة الصحيحة والكاملة لمخطوط باسم (الراووق) اعتوره الكثير من التزييف والحذف - بحسب الأهواء والمصالح والمشارب - على مدى قرون. أما القسم الثاني من الرواية فيمثّل المتن الحكائي، وموضوعه مضمون مخطوط (الراووق). ويتألف هذا القسم من ذينك المعراجين الصوفيين الذين سبقت الإشارة إليهما: أولهما عروج الشخصيات الروائية صعوداً نحو المؤلف، وثانيهما تنزّل المؤلف هبوطاً نحو الشخصيات الروائية، ليحقق الطرفان وحدتهما بـ(الفعل) في الرواية بوساطة الحروف والكلمات. وقد تمكّنتُ من تجسيد عمليتي الصعود والنزول بطريقة (الإسناد) التراثية المعروفة: فالصعود يبدأ بأول رواة المخطوط، في حين أن النزول يبدأ بآخر الرواة. وهنا تهمني الإشارة إلى أن أحداث الرواية تجري في مدينة خيالية مفترضة تحمل اسم “الأسلاف” أتتبع تاريخ نشوئها من قرية صغيرة إلى مدينة معاصرة تضج بصخب قاطنيها، محاولاً أن أجعل منها رمزاً لمدن العراق كلها؛ فهناك أكثر من سوق وشارع يشبهان أسواق بغداد وشوارعها، فضلاً عن وجود مواضع أخرى تكاد تنسخ مواضع من بعض المدن العراقية المعروفة مثل الموصل والبصرة وكربلاء وواسط وأهوار العمارة فضلاً عن مدينتي الصغيرة “بدرة”. كما أن “مطلق”، بطل “السيرة الشعبية”، يمر على امتداد حياته بأطوار متعاقبة حاولت بها اختصار تاريخ البشرية: فهو في البداية يقترن بالإنسان الأول وتوزعه بين محوري الخير والشر الذي يحسم بخروجه من جنة “الأمان” إلى جحيم “القلق”، أي أن نعيمه وجحيمه يبقيان حالتين وجدانيتين أكثر من كونهما واقعين ماديين. وكذلك الأمر معه حين يمر بدور قابيل و هابيل؛ فقد جسدت الأمر بانتصار حرفة الزراعة على الرعي. وهكذا تستمر التحولات: الطوفان والقحط و وباء الطاعون، إذ بعده يغدو “مطلق” بشراً سوياً كالآخرين، فيموت تاركاً للرواة من بعده مهمة تأليف سيرته التي تظل تنمو على مدى مئات السنين، يضيف الرواة عليها ويحذفون منها بقدر ما تسعهم مخيلتهم - شأن رواة كتاب ألف ليلة وليلة - لتغدو في آخر الأمر نصاً مفتوحاً لا يعرف التوقف عند حد، وتتعدد نسخه بعدد كتّابه - وإحداها رواية سابع أيام الخلق نفسها - مستثمراً في ذلك فكرة عرفانية على جانب كبير من الأهمية في الفلسفة الإسلامية وهي فكرة “الكمال والنقص” التي تطرق إليها ابن عربي في موسوعته الكبرى الفتوحات المكية غير مرة، فعدّ العلم بالكمال والنقص في الوجود النوع الرابع من علوم المعرفة، قائلاً في ذلك: “اعلم أن كمال الوجود وجود النقص فيه، إذ لو لم يكن لكان كمال الوجود ناقصاً بعدم النقص فيه”، وذلك ما يعقب عليه أحد المفكرين العرب المعاصرين بقوله: “ من كمال الإنسان إذن أن يعلم عجزه وفقره إلى الله...وكمال العالم يتطلب وجود النقص فيه حتى تتحقق حكمة الله في الكون». لقد استثمرت هذه الفكرة في فصول الحكاية الإطارية (كتاب الكتب): فحروف اسم “الرحمن” السبعة تمثل لدى المتصوفة الصفات الثبوتية السبع (السبع المثاني): فالألف من اسم “الرحمن” يرتبط بصفة الحياة - وكذلك الأمر في فصل الرواية الذي يحمل ذلك العنوان: ففي أثنائه تسري الحياة في الشخصيات الروائية - وحرف اللام يقترن بصفة العلم - وفي ذلك الفصل يجري تأكيد علم المؤلف بأحداث روايته - وهكذا الأمر مع بقية الحروف: حرف الراء وصفة القدرة، وحرف الحاء وصفة الإرادة، وحرف الميم وصفة السمع، وحرف الألف المحذوفة وصفة البصر، لتنتهي بحرف النون واقترانه بصفة الكلام؛ إذ إن آخر أسفار “كتاب الكتب” الذي يحمل عنوان “سفر النون” ليس أكثر من صفحة بيضاء، وكأن ذينك المعراجين اللذين تداخلت فصولهما على امتداد صفحات الرواية يتوحدان في تلك الصفحة البيضاء “الناقصة” التي تستدعي التدوين والتسطير.

- عُرف عنك اهتمامك في تقنياتك الروائية بتقنية الـ”ميتافكشن” أو ما يُعرف بما وراء الرواية، آمل أن تحدثنا عن هذا الأمر.

- تنتمي رواية “سابع أيام الخلق” إلى هذه التقنية التي تسمى أحياناً بالرواية النرجسية، وهي تقنية روائية تسعى إلى كسر الإيهام بالواقع والحرص على “تأمّل” الروائي لروايته أثناء سعيه إلى إنجازها، إنها طريقة في الكتابة قد تبدو على غرار ما سعى إليه المسرحي “برشت” الذي حاول كسر القوانين “الأرسطية” والعمل على ازاحة الحدود بين خشبة المسرح والجمهور. والحقيقة أن هذه الظاهرة قديمة قدم عمل “ثربانتس” “دون كيخوته” ولاسيما في الجزء الثاني منه حين يعمد المؤلف إلى مناقشة عمله في الجزء الأول، وقد تناول الناقد الكبير د.مهند يونس هذه التقنية في رواياتي فخصّها بأربع دراسات بالغة الأهمية تشكّل موضوع كتاب كامل لو قيّض له تجميعها، والدكتور مهند يونس، كما هو معروف، قضى عشرة أعوام كباحث في “السوربون” في باريس حصل على أثرها على دكتوراه الدولة بدراسته المعمقة لرواية بروست (البحث عن الزمن المفقود)، وقد تناول روايتي بشكل متفرد حتى أنه خص إحدى دراساته بـ(ما الذي جرى في كواليس سابع أيام الخلق) وبذلك فاجأ المتلقي بدراسة جانب من الرواية كان غائباً عنه شأن أية مسرحية تعرض على المسرح أمام انظار المشاهدين الذين يجهلون عادة ما يجري في الكواليس.

- لماذا لم تأخذ الروايات التأريخية في العراق مكانها؟

فانا لا ارى هناك سبباً سوى أن الرواية العراقية، بدأت بالظهور بشكل كبير في منتصف الستينيات لتزدهر بعد ذلك، وهي الفترة التي كانت الرواية التأريخية قد انحسرت عالمياً وعربياً، لذلك أرى إن أحد أسباب ضعف الاهتمام بالرواية التاريخية اليوم قد يكون غياب مفهوم دقيق لمصطلح الرواية التاريخية وجوهره وتكوينه، ما تعليقك؟ وأنت الذي اهتممت بهذا النوع من الرواية؟ .. في ظني أن زمن “الرواية التاريخية” انتهى، ولا بد لمن يودّ كتابة رواية تاريخية تُقرأ وتشكل لها جمهورها أن يسحب الزمن التاريخي إلى الزمن الحاضر، أي يكتب روايته “التاريخية” تلك وعينه على الحاضر؛ وذلك ما حاولته في عدد من رواياتي.

- هل انت مع تصنيف النقاد لروايتك، ثلاثية أو ما شابه.. أم ترى انك غير معني بذلك، بمعنى انك لا تكتب وفق هذا المفهوم؟

- لست مع هذا التصنيف؛ فاتخاذ مكان معين موضعاً لعدد من الروايات، فضلاً عن تكرار ظهور شخوص محددين في تلك الروايات لا يعني أنها ثلاثية أو رباعية؛ فهذا أمر معروف في تاريخ الرواية، وأشهر مثال على ذلك يتمثّل بعدد من روايات فوكنر. فيما يخص رواياتي أؤكد أنها مستقلة عن بعضها برغم كون مسرح الأحداث – مدينة الأسلاف – هو نفسه، وكذلك تكرار ظهور بعض الشخوص.

- خلال العقدين الاخيرين برزت العديد من الجوائز العربية المعنية في الرواية.. إلى أي حد تسهم هذه الجوائز في تكريس ثقافة روائية أو تعلن عن مقاصدها النبيلة؟

- سبق لي أن تحدثت، منذ أعوام، عن هذا الأمر فذكرت ما معناه أن مشكلة الرواية، ولا سيما الرواية العراقية، تتمثل بمحدودية جمهورها وقلّة الإقبال عليها. وتتعمق هذه المشكلة أكثر حينما ندرك أن الرواية – على النقيض من القصة القصيرة والشعر – نص طويل لا بد لمؤلفه من إصداره بين دفتي كتاب، في حين في وسع كاتب القصة القصيرة والقصيدة نشر ما يكتب في الصحف أو على صفحته الشخصية في الفيس بوك.

الرواية العراقية فن يتيم، ما من جهة ثقافية مؤثرة ترعاه، كما أن جمهورها في انحسار دائم بإزاء شيوع وسائل الاتصال الجديدة، وقد يأتي يوم تخلو فيه الساحة من روائيين جادين! من هنا تظهر حاجة الروائي الملحّة إلى الانتشار عن طريق الإسهام في الجوائز العربية المعروفة؛ فبرغم ترفّع عدد من الروائيين (الراسخين) عن الإقدام على هذه الخطوة، ولكنني أكاد أجزم أنهم سيكونون في طليعة المشاركين فيها لو ضمنوا الفوز! بيد أن المشكلة التي تجابهنا هنا تتمثّل بأن هذه الجوائز لا تخلو عادة من توجّهات معيّنة – غير معلنة طبعاً - تخدم الأغراض التي أقيمت تلك الجوائز من أجلها وفي مقدمتها تجنّب فضح الدور الامبريالي القذر في اضطهاد معظم شعوب العالم الثالث؛ فتكون المحصّلة انسياق عدد من الروائيين الشباب لتلك التوجّهات وذلك بكتابة روايات (مخصيّة) يتحدد طموحها بنيل إحدى تلك الجوائز؛ وبذلك تعود مشكلة الرواية لتتخذ لها مظهراً آخر لا سبيل لنا إلى تجاهله..

في ظني يبقى الأمر الذي يعوّل عليه للخروج من هذه الاشكالات يتمثّل بنهوض حركة نقد روائية جادة تتكفل بتسليط الضوء على الروايات التي تراها جديرة بذلك وصولاً إلى إبداع روايات عراقية لها جمهورها الذي يحرص على متابعتها، فضلاً عن أن تلك الروايات ستحتلّ موقعها المشرّف الذي تستحقه في تاريخ الرواية العربية.

- ظاهرة شيوع الرواية في السنوات الأخيرة التي يرى بعض النقاد: انها استولت على عرش الشعر، أو أنه زمن الرواية؟ ما الذي تقوله أنت؟

- ما من فن إبداعي “حقيقي” يسعى إلى أن يطغى على فن آخر ليحلّ بالمحصّلة في مكانه قدر سعي الفنون كلها إلى الرقيّ بنماذجها المتقدمة نحو الأفضل. الخراب يسود حين يستسهل عدد من الأدباء عملهم فيسفّون في كتابة الروايات التي تتوالد عندهم توالد الأرنب فنراهم يحاولون – واهمين طبعاً – أن يبزّوا نجيب محفوظ نفسه في عدد رواياتهم من دون أن تقع على رواية واحدة بين تلك “الحصيلة” جديرة بالقراءة. شخصياً يكفيني أن أقع على “نموذج” روائي على هذه الشاكلة لأكفّ عن متابعة “أوهامه” الروائية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top