الكريمات... تطل على دجلة لتحاكي ما تبقى من تراث بغداد

الكريمات... تطل على دجلة لتحاكي ما تبقى من تراث بغداد

ماس القيسي

تقع محلة الكريمات في الجانب الغربي من بغداد، وحدودها، كما ورد في اطلس بغداد 1952،هي: من الشمال نهر دجلة ومن الشرق كرادة مريم ومن الغرب الشواكة وعلاوي الحلة ومحلة الدوريين، والترقيم الحديث لها هو (محلة 218)، يجاورها جسر الاحرار الذي كان يسمى (مود) سابقا، نسبة الى الجنرال البريطاني ستانلي مود، وعند النظر اليها تلفت الانتباه لجمال النهر والزوارق وحركة الأرض هناك، اذ تضفي عليها بهجة، على الرغم من ان بعض بيوتها القديمة اصبحت عاجزة عن مقاومة الطبيعة ويظهر عليها الخراب، أما البيوت المشيدة حديثا فكأنها تسلب الكريمات صورتها البغدادية القديمة الزاهية.
وانت تواصل سيرك في (الدرابين) الضيقة لهذا الحي القديم سترى، كما تسمى باللهجة العراقية، (الشنانشيل) التي تزين شرفات المنازل وكأنها متدلية من سقوفها تظلل الازقة من سطوع الشمس نهارا وتضفي مشهدا ساحرا علي لياليها، وقد تشم رائحة السمك من على بعد امتار وهو يقاوم الصيادين المهرة الذين احترفوا هذه المهنة ابا عن جد، وفي حديث مع العم ابو بلال المشهور بكونه الاكبر والاقدم بينهم، وهو يقوم بتنظيف شبكة الصيد من الاوراق والاوساخ العالقة بها من مياه دجلة، يقول: " منذ شبابي وانا اعمل في الصيد بالتزامن مع عملي في مقر الاذاعة والتلفزيون في بغداد في الفترة التي سبقت سقوط نظام الحكم السابق عام 2003، حال انتهاء وقت الدوام اعود لمنزلي واسرع باتجاه النهر لامسك شباك الصيد واستمتع باحاديث النهر وصيد السمكات".
وبعد الانتهاء من الحديث الشيق مع العم ابو بلال اخذنا سجاد وهو صياد شاب ماهر في جولة نهرية على أحد قوارب دجلة وتبادلنا أطراف الحديث سويا فقال: "من طفولتي وانا اتعلم الصيد على يد العم ابو بلال وانا اعشق هذه المهنة وكل يوم انتظر الزوار لأخذهم بجولة في القارب مقابل بعض المال لاسترزق واسد تكاليف الوقود"، مؤكدا انه حتى في اوقات الحظر بسبب تفشي كورونا لم يمتنع الناس عن التوافد الى شاطئ دجلة والاستمتاع بأجوائه، أراد سجاد ان يقلنا الى موقع أثري يطل على دجلة خلف جسر الاحرار، اسماه بيت الخليفة الرشيد! لكنه تردد أخيرا وأبدى تخوفا من الشرطة النهرية!.
وبعد الخروج من دجلة عدنا للسير في ازقة الكريمات حتى وصلنا نهايتها أسفل جسر الاحرار فوجدنا رجلا كبيرا في السن يجلس بمفرده على مقعد خشبي من مقاعد المقاهي البغدادية الشهيرة، رفض الحديث في بادئ الامر وبعد الاقناع قال: "لن اقول عن هذه المنطقة سوى انها مأوى الناس الطيبين والبسطاء"، وكأنه يود اخبارنا ان حركة الحداثة السريعة لم تطل قلوبهم بعد! وفي طريق العودة صادفنا امرأة تتأمل النهر مع طفلها، خجلت عند اقترابنا وعبرت عن حبها للكريمات قائلة: "تركت هذه المنطقة سنوات ولم أستطع الاستمرار في العيش حتى عدت لها".

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top