المَسِيحيَّة بالعراق.. عشرون قرناً بلا انقطاع (1-5)

آراء وأفكار 2021/03/01 09:34:24 م

المَسِيحيَّة بالعراق.. عشرون قرناً بلا انقطاع (1-5)

 رشيد الخيُّون

بدايات الوجود

عُرفت روايات وآراء عديدة عن كيفية دخول المسيحية إلى العراق، منها: "أن أول جماعة نصرانية قامت في بلادنا، وفي مملكة حدياب بالذات كانت تتألف مِن اليهود، وسرعان ما انضم إليهم بقية الأقوام والأجناس الوثنية وازداد عددهم"(نباتي، تاريخ عينكاوة، أربيل: مطبعة جامعة صلاح الدين 2000 ص38 عن آدي شير، شهداء الشرق 1 ص181).

بعد أربيل، تحدثت المصادر عن وصول المسيحية إلى مناطق العراق الأُخر: دخلت الموصل بواسطة "ما لا يقل عن ثلاثة مِن الرُّسل الاثني عشر، وهم: بطرس وتوما وبرتلماوس، يصحبهم أربعة مِن التَّلاميذ السَّبعين، وهم: آدي وماري وبنيامين وسمعان"(الدومنيكي، الآثار المسيحية فــي الموصــل. ترجمة نجيــب قاقو، بغــداد: مطبــعة الطيــف، 2000 ص11).

بينما تأخر دخولها جنوبي العراق إلى عهد الملك السَّاساني شابور الأول (ت 272م). انتشرت هناك عن طريق سبايا الرُّومان "الذين أتى بهم مِن المنطقة الرُّومانية في حروبه الكثيرة وغزواته الموفقة. فقد غزا أنطاكية مرتين، وأجلى العديد مِن سكانها إلى البلاد البابلية، وإلى سائر المناطق الفارسية. وكان مِن بين السَّبايا ديمترياس مطران إنطاكية نفسه"(الأب البير أبونا، تاريخ الكنيسة الشرقية، الموصل: المطبعة العصرية 1973ج 1 ص27).

أشارت رواية أخر إلى أن تأسيس كنيسة المدائن يعود إلى القرن الأول والثاني الميلاديين، أي في الأعوام (79 - 116م)(نباتي، تاريخ عينكاوة، ص31). غير أن هناك مَن أشار إلى التَّبشير المبكر بجنوب العراق، متزامنا مع شماله بحدياب. قال الأب اليسوعي: "إن الكتب الطَّقسية النِّسطورية وأعمال المجامع أشارت إلى دعوة آدي بين العرب في بلاد ميشان (ميسان) وسواد العراق وسكان الخيام"(الأب اليسوعي، النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية، بيــروت: مطبعة الآبــاء اليسوعييــن 1912، ص75).

عُباد الحيرة

أصبحت الحيرة، لمنزلتها المسيحية، داراً أبدية لرفاة عدد مِن الجثالقة العظام في تاريخ الكنيسة الشرقية، منذ القرن الخامس الميلادي وحتى بعد دخول العرب المسلمين إلى العراق بفترة طويلة. منهم: داد يشوع ( 456م)، بابوي (484 م)، آقاق (496 م)، حزقيال (581 م)، ايشوعياب ( 595 م)، كوركيس (681 م) وإبراهيم (850 م).

كذلك أصبحت الحيرة ملجأً للجاثليق الذي كان مركزه المدائن غالباً. ففي الأزمات الطَّارئة بين المسيحية والملوك السَّاسانيين يضطر إلى تركها. وبسبب ذلك غادر العاصمة "ايشوعياب الأول الأرزني (582-595م) والاجتماع بالملك النُّعمان بن المنذر، وهو أبو قابوس. وكان المنذر قد تنصر حديثا السنة 593م، وصار يعد نفسه من حماة المذهب النُّسطوري، وأصبحت الحِيرة حاضرة ملكه، من معاقل هذا المذهب. وهناك وافت المنية الجاثليق فتولت شؤون دفنه هند الصغرى أخت النعمان"(أبونا، تاريخ الكنيسة الشَّرقية1 ص136).

بحث جواد علي (ت 1987) في ظاهرة "عُباد الحيرة"، فتوصل إلى: "أن هذا الاسم لم يكن يعني قبيلة أو بطنا، وإنما يعني جماعة مِن قبائل شتى، جمعت بينها وحدة الدِّين ووحدة الموطن. لذلك لم يطلق إلا على النَّصارى العرب مِن أهل الحيرة. أما غيرهم مِن نصارى العرب فلم يشملهم اسم العبادين. ويمكن أن نقول استناداً إلى روايات الإخباريين في تحديد مدلول الكلمة واقتصارها على نصارى الحيرة من دون غيرهم من نصارى العرب: إن هذه الكلمة أطلقت في الأصل على مَن تنصر من أهل الحيرة، ليميزهم عن غيرهم من سكان المدينة من الوثنيين"(جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، بغداد: مكتبة النهضة. بيــروت: دار الملايـين 1978ج 3 ص171).

لأبي فرج الأصفهاني (ت 356 هـ) رواية في سبب تنصر النُّعمان بن المنذر، مفادها أنه أخذ بنصيحة أحد العباديين، وهو الشَّاعر عَدي بن زيد العبادي (ت 587م)، عندما كان يرافقه في إحدى رحلاته، وقد مرَّ الموكب بشجرة ومقبرة فأنشده ما حمله على التنصر(أبو فرج الأصفهاني، كتاب الأغاني، تحقيق: إحسان عباس وآخرين، بيروت: دار صادر 2998 ج 2 ص 86).

ولعلَّ عَدِياً كان أول المحذرين مِن توظيف الدِّين في السِّياسة، وإن لم يكن يقصدها وعبر حينها عن نزعته الصُّوفية المسيحية في البيت التالي، الذي استشهد به ابن خلدون (ت 808 هـ) في مقدمته فصل: "في انقلاب الخلافة إلى المُلك"(ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق: علي عبدالواحد وافي. القاهرة: نهضة مصر 2004ج 2 ص588). أي وظفه لغرض سياسي، مِن دون أن يرجعه لصاحبه، ولا محقق الكتاب استخرجه مثلما استخرج بقية الأشعار في التَّحقيق. قال عَدِي بن زيد: "نُرَقعُ دُنيانا بتمزيقِ دِيننا/ فلا دِينُنا يَبقى ولا ما نُرقِّعُ"(اليسوعي، شعراء النَّصرانية قبل الإسلام، بيروـت: دار المشرق 1967 ص470). ولعَدي بن زيد هذا ما يربط بين المسيحية وعبدة العرب قبل الإسلام، والاعتراف بالإله الواحد عندما قال: "سَعى الأعداء لا يألون شرَّا/ عليك وربَّ مكةَ والصَّليبِ"(المصدر نفسه، ص451).

مِن المفارقة بمكان أن أختَيْ المنذر الثَّالث (512 - 554م) هند الصُّغرى ومريم كانتا مسيحيتين مع والدتهما، و"تعاون جميعهن في تأسيس دير شهير"(أبونا، تاريخ الكنيسة الشرقية 2 ص29). بينما ظل الملك "لا يتردد في أن يقدم للآلهة ضحايا بشرية. ففي إحدى صولاته ضد الرُّوم استولى على 400 راهبة في منطقة حمص السُّورية، وقدمهن قرابين دون رحمة"(المصدر نفسه).

إذا صح أن البيت الآتي: "نحن بما عندنا وأنــــــت بمــــا/ عندك راضٍ والرَّأي مختلفُ"، هو لأحد ملوك الحيرة التنوخيين، عمرو بن امرئ القيس من ملوك الدولة اللخمية بالعراق (380م)، فذلك سبق يُحسب للحيرة في التَّسامح، نقول هذا ونذكر اختلافات الروايات في نسبة هذا البيت العظيم.

من الحيرة امتدت الصِّلات بين قريش والعراقيين، فانعكس ذلك في ما بعد على ما بين الإسلام والمسيحية، عبر الصِّلات التِّجارية، ولعلَّ بيت عَدي بن زيد العبادي السَّالف الذِّكر علامة على تلك الصِّلات. فكان بالحيرة "سراة نصارى اشتركوا مع سراة قريش في الأعمال التِّجارية، مثل كعب بن عدي التنوخي، وهو من سراة نصارى الحيرة، وكان أبوه أسقفا على المدينة، وكان يتعاطى التجارة وله شركة في التجارة في الجاهلية مع عمر بن الخطاب في تجارة البز، وكان عقيدا لهم"(علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 6 ص596).

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top