الدور المطلوب من الأمم المتحدة لمواجهة التحديات الإنسانية في العراق

آراء وأفكار 2021/03/09 08:52:31 م

الدور المطلوب من الأمم المتحدة لمواجهة التحديات الإنسانية في العراق

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

مع إقتراب موعد الانتخابات البرلمانية “المبكرة” للعام الحالي هذا إذا لم يتم تأجيلها للمرة الثالثة لتنعقد في موعدها المحدد في عام 2022 يبدو من المناسب توضيح طبيعة دور الأمم المتحدة في العراق ليس فقط من حيث الاسهام اللوجستي بالإشراف والمراقبة على نزاهة الانتخابات العامة ،

ولكن من حيث التركيز على أهمية ما تقدمه منظمة الأمم المتحدة من مساعدات حيوية مالية ومعنوية قيمة لإنجاح دور العراق الدستوري – السياسي - السيادي في الإطار الجيوسياسي. مسألة ليست هينة ولايمكن توقع الكثير من النتائج الايجابية منها لأسباب ومبررات داخلية في الغالب ترتبط بضعف العراق حالياً مقارنة بجيرانه من القوى الرئيسة .

الممثلة الدائمة لمكتب الأمم المتحدة في العراق جنين بلاسخارت أكدت حاجة العراق للتمتع بالاستقلال الناجز ، حماية السيادة الوطنية وعدم التدخل في شؤونه الداخلية إنطلاقاً من أهمية تعزيز موقع العراق لجبهته الداخلية ضماناً لمسار ستراتيجي يحفظ للعراق مركزه الجيوسياسي إقليمياً ودولياً من جهة ومن موقفه السياسي – الإداري من مواجهة ومعالجة مختلف أنواع التحديات المتلاحقة الداخلية والخارجية في عصر مابعد الجائحة كورونا.

مزية أخرى لابد من الإشارة إليها تختص بأبعاد العراق من أن يكون ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى والإقليمية المصطرعة على النفوذ في العراق نخص بالذكر منها : النزاع الاميركي – الصيني والاميركي – الإيراني بكل ما يحمله مثل هذا التوجه من تأثيرات ونتائج ستنعكس على طبيعة ومسار السياسة الخارجية والدبلوماسية العراقية لمراحل تاريخية قادمة. من هنا تبدو أهمية واضحة في تمتين وتحصين الدور الداخلي للعراق كي يكون على أهبة الاستعداد لمواجهة أية تدخلات غير مرغوب بها أو ذات تداعيات تحمل مظاهر عنف تؤثر سلباً على استقرار وأمن وأزدهار العراق في المرحلة أو المراحل المستقبلية. ما نتوقعه أن لايكون دور الأمم المتحدة تقليدياً ضمن محيط ممتزج بخلطة الإدانة من جهة أو التأييد والامتداح من جهة أخرى لمواقف الحكومة العراقية او النظام السياسي العراقي الهش أساساً في طبيعته الراهنة والذي يحتاج لمقويات وحصانة مازالت غير متوفرة حالياً . إذ مازالت مثلاً العديد من الملفات تفتح أو قد تغلق لمبررات غير واضحة أو قد يتبين منها عند المعالجة عدم توفر الإرادة السياسية الفاعلة العراقية لحسمها. علماً بإن الجهود الرسمية الحكومية الراهنة تجاه محاربة حالات الإرهاب – العنف والفساد جارية بشكل يستشف منه إعلامياً ودبلوماسياً جدية الحكومة العراقية ولكنها تظل برغم ذلك كله قاصرة نسبياً طالما لاتتوفر بعد ستراتيجية واضحة ، شاملة ومؤثرة تنعكس إيجاباً على معالجة «حقيقية» لإوضاع صعبة جداً في عراق ينوء بمشكلات وأزمات داخلية وخارجية متراكمة تحتاج للإجراءات إستثنائية تخفف من حدتها وتقترح حلولاً ناجعة خاصة وأن عصر مابعد كورونا يحتاج لإجراءات وسياسات استثنائية تتطلب نظاماً أمنياً – صحياً – اقتصادياً – اجتماعياً وثقافياً جدياً مبدعاً وجديداً. نظام لايقل أهمية عن ما هو كائن في دول الجوار والعالم الخارجي.

ما هو متطلب بشكل حيوي واستثنائي ومبدع أن تعمد السلطات العراقية وبمعونة الأمم المتحدة ووكالاتها وتنظيماتها المتعددة أن تنشئ وضعاً جديداً يمكن معه الاستفادة من الفرص الملائمة المتاحة حتى يتم التكييف الايجابي مع متغيرات النظام العالمي الجديدة بضمنها “الاحداث المفاجئة” على رأسها بلورة صيغ قانونية – ستراتيجية –سياسية – أمنية مقبولة ذات مصداقية عالية «للحوكمة الرشيدة والعقلانية” وأخرى مكملة مهمة جداً تختص بتامين حقوق الإنسان وحرياته الأساسية التي تنتظر بدورها أن تسود درجات عالية أو مقبولة بحدودها الدنيا من الأمن والأمان خاصة في مايعتبر مناطق رخوة Soft Zones ومواقع الأحزمة الجغرافية – Geographic Belt sitesالمحيطة بمدن عراقية متعددة خاصة تلك التي ترتبط بحدود “تخوم” مع إيران ، تركيا والدول العربية الجارة الأخرى .من هنا أهمية الالتزام بعهدي الأمم المتحدة المدني – السياسي والاقتصادي – الاجتماعي حيث تعتبر من أبرز الاهتمامات التي نتوقعها من دور حيوي نشط للأمم المتحدة يضفي الأمن والأمان والتقدم والازدهارالاقتصادي – الاجتماعي “الإنساني” تمهيداً لبلورة صيغة للتنمية الإنسانية مستدامة Sustainable Human Development خالية من كل أنواع الفساد التي ومن خلال ما يقترح من تأسيس محكمة عراقية مختصة لمكافحته يتوقع إن صدقت النوايا أن يتوفر مناخ صحي جديد للعراق يمكنه من أن يلعب دوراً جيوستراتيجي فاعل ومؤثر نسبياً واقليمياً “على أقل تقدير”. يتوقع إذن أن يكون دور ممثلة الأمم المتحدة في العراق أكثركفاءة وفاعلية ليس فقط في إنجاز الاتصالات المناسبة مع المرجعية الدينية العريقة ومع مرجعيات عراقية حكومية سياسية – أمنية – اقتصادية ومجتمعية – مدنية وإنما متشددا تجاه كل خرق لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية وفقاً لبنود ميثاق الأمم المتحدة على أن يكون رد الفعل مساوياً للفعل بشكل ينم عن حكمة وتوازن في طبيعة الاستجابة للتحديات .

ما يجعلنا نتفاءل نسبيا أن مسار التحرك من قبل ممثلة الأمم المتحدة مع قوى المجتمع الدولي الرئيسة معززاً بتقارير دورية تشرح دور الأمم المتحدة في تشخيص مكامن الخلل يعد خطوة مهمة جداً لإيجاد حلول ناجعة تعكس إيجاباً على مديات مستقبلية متدرجة زمنياً على حالة العراق أو دوره الجيوسياسي المنتظر في ظل نظام دولي هو الآخر بحاجة لتعديلات وإصلاح حقيقي يمنح الدول النامية فرصاً متكافئة مع الدول المتقدمة او الصاعدة في مسارات التنمية الانسانية المستدامة . ولكن المشكلة التي تجابه التحرك الدبلوماسي – السياسي لممثلة الأمم المتحدة أنه في حالات متعددة لايتوضح للرأي العام العراقي طبيعة دور الامم المتحدة في العراق والمنطقة وإمكاناتها الحقيقية الأمر الذي يطلب مزيداً من الشفافية والمصداقية والكفاءة التخصصية في إتخاذ إجراءات رادعة ضد بعض المحاولات السياسية لاحزاب وتكتلات لازال بعضها يعتمد على رؤية متخلفة ووسائل عنف وإكراه إرغامي خارجة عن مسار الاختصاص القانوني للدولة.

علماً بإنه وكلما تمكن العراق من أن يبتعد عن صراع المحاور والاستقطابات الاقليمية والدولية سيستطيع أن يؤمن صورة مرحب بها تتوافق مع قواعد القانون الدولي العام والقانون الانساني الذي لابد من تفعيله ، الأخير يعنى بشكل أساس بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية وهذا بالضبط ما يجب أن يكون مركز أو محور إهتمام بعثة الأمم المتحدة في العراق المعروفة باسم يونامي UNAMI United Nations Assistance Mission for Iraqالتي يجب أن تنفذ مهامها الأممية من خلال التعاون والتنسيق مع شركاء الأمم المتحدة ومع كل أصحاب المصالح المعنيون بالشأن الإنساني . من الأمثلة التي سجلت نماذج مهمة – وإن تكن محدودة نسبياً - لهذا التعاون تلك التي بين الولايات المتحدة وبرنامج المساعدات الخارجية الذي تشرف عليه الأمم المتحدة حيث رحب مكتب الأمم المتحدة في العراق بتقديم الولايات المتحدة الاميركية ضمن برنامج مساعدتها لدول العالم ومن ضمنه العراق ماقيمته 9.7 مليون دولار اميركي مخصص لتقديم المساعدات المناسبة لدعم العملية الانتخابية حيث من المقرر إستخدام مستشارين متخصصين يسدون النصح للمشرفين على العملية الانتخابية القادمة ضمن سياق ديمقراطي ذي مصداقية يعتمد على الشفافية والمحاسبة عن الخروق الانتخابية .

من هنا وبالنيابة عن يونامي UNAMIتم فعلياً التوقيع على إتفاق ثنائي بين صندوق الأمم المتحدة للتنمية UNDPوالوكالة الأميركية للمساعدات التنموية الدولية USAID)). إذن من الضروري أن يتم الاهتمام الشديد والمتجدد من قبل السلطات العراقية والأممية معاً بحقوق المرآة والطفل وكبار السن من الفئات الهشة المحرومة “الفقيرة” والمعرضة للمخاطر خاصة في عصر مابعد كورونا.

يضاف لذلك لابد من تفعيل إجراءات المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة من أجل توفير مساعدات إنسانية – تنموية تنقذ شرائح ضعيفة للمجتمع العراقي من المخاطر المتوقعة المهددة للبقاء. الأمر يزداد أهمية وخطورة مع استمرار تصاعد أزمة جائحة كورونا التي غيبت العديد من طبقات وفئات ونخب شعبنا التي نعول عليها في بناء عراق جديد بعيد عن كل ما يعرقل او يحبط الجهود الخيرة للتنمية الإنسانية المستدامة. أما شريحة الشباب فما زالت تنتظر من المجتمع الدولي وبخاصة الأمم المتحدة أن تقدم مزيداً من الاهتمام وأساليب غير تقليدية للمعالجة تعتمد على استخدام التقنيات الرقمية والسايبرية الحديثة التي تتوافق مع الجهود المتواضعة نسبياً حتى الآن في إحتواء البطالة خاصة تلك التي تخص “خريجي الجامعات والمعاهد العلمية والفنية”. العراق بحاجة لأنعاش نهضة وثورة – تقنية توفر للعراقيين حياة كريمة سعيدة ضمن إطار ستراتيجية شاملة للتنمية الإنسانية المستدامة. من هنا ، ينتظر أن يكون دور الأمم المتحدة في الانتخابات القادمة أكثر فاعلية من حيث الرقابة والإشراف المباشر بصورة ننتظر معها أن تحقق خطوة على طريق المصداقية والنزاهة تترجم في بناء مؤسسات عراقية ذات تقاليد وقيم ديمقراطية تليق بدولة المواطنة و ترنو لإعتماد «مدنية الدولة مع تطبيق للقانون والعدالة الاجتماعية” على الجميع دون تمييز وبعيداً عن كل أشكال المحاصصة المقيتة وعن العنف وانتشار مليشيات تحمل سلاحاً يقع خارج إطار الدولة واختصاصها السيادي هذا إذا أردنا أن تكون للعراق سيادة وطنية حقة يعتز كل عراقي بها .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top