تجارب سينمائية خالدة: فيلم (فيتا وفرجينيا) وجهة نظر خيالية للوقائع

تجارب سينمائية خالدة: فيلم (فيتا وفرجينيا) وجهة نظر خيالية للوقائع

علي الياسري

يفترض صُنّاع فيلم (فيتا وفرجينيا) أن مُشاهِده على دراية كبيرة بتقنيات السرد لوولف وقدرتها على توليد الكلمات كتيار وعي يتدفق بتداعٍ روحي تنهمر منه الأفكار التي تمنح الذات حريتها وتعبر عن هواجسها وقلقها،

ولديه الاطلاع على شكل اللغة المنفتحة والجريئة لكتابات فيتا ساكفيل ويست التي تمارس فعل البرية والطبيعة في التشكل وفق الحاجات الشعورية والحسية، كما إنه يفترض معرفته بالكثير من تفاصيلهما الحياتية والشخصية ، من هذا الباب تنفتح صورة سينمائية مليئة بالازدهار البصري الشعري الذي يحاكي قصائد فيتا ويضيف الكثير من المؤثرات المستلهمة من شغفها بالنباتات كمصممة حدائق ، يستقي من كثافة الجملة الشعرية وغناها البلاغي طبيعة حوارها مع فرجينيا التي ترحل برسائلهما المتبادلة الى فضاءات كانت تختبئ في روحها فتترك عارضة التوازن التي أقامها زوجها ليونارد وتحتفل بمشاعر متدفقة بدت كتجربة تضفي الكثير من التوهج لكتاباتها، لا غرابة في ذلك ففترة العقد من الزمن الذي استمرت فيها علاقتهما كانت أغنى مراحل الأنتاج الأدبي لكليهما، مع الأداءات الرفيعة لطاقم التمثيل خصوصاً اليزابث ديبيكي وجيما ارتيرتون تُظهر المخرجة تشاينا باتن إدارة إخراجية جيدة تعززها بتلك اللمحات الذكية في منح التعبير البصري كل المساحة لإدامة السرد الذي تم استلهامه من مسرحية ناجحة بنفس العنوان للكاتبة ايلين اتكنز مع إضافة مؤسسة لمنحى السيناريو باستخدام الرسائل الشخصية بين الكاتبتين كقاعدة يتحرك بموجبها ومنها وإليها.

الكثير من الانتقادات التي وجهت للفيلم تتوافر إجاباتها بالحوارات الفاتنة والمكتوبة بلغة أدبية عالية ورد غالبها في نقاشات غذّت معظم وقت الفيلم. وفيها نرى السيرة الذاتية كوجهة نظر خيالية للوقائع وذلك ما يتكرر أكثر من مرة بالفيلم، وهو يوضح تأثير فيتا الكبير على فرجينيا (ربما لذلك يتقدم اسم فيتا بالعنوان) بفعل جرأتها في كسر التقليد وفي تناقضاتها التي ستكون عامل جذب لدى وولف تُغنيها أدبياً رغم إنها بذات الوقت تمثل كلمة النهاية التي لا مفر منها.

يلعب الفيلم على المشاعر بطريقة كثيفة ويستعجل بطرح الثراء التعبيري للحوارات وربما يمكن القول إنه أحد سلبيات العمل حين يترك مشاهده يلهث خلف الإمساك بالشخصيات وأحاسيسها. الاقتضاب في طرح الوقائع الحياتية يبدو أحياناً مبالغاً فيه ويضع علامات استفهام حول الحاجة لاغناء للشخصيات كي تعمل بشكل جيد على الشاشة، فبدت بعض الشخوص مهمشة وضعيفة البناء ولا تعكس أهميتها التاريخية كعنصر فاعل في حياة فرجينيا أو فيتا.

ينجح الفيلم في التعريف بإلهامات الروايات العظيمة التي قدمتها فرجينيا وولف خصوصاً رواية أورلاندو التي يُسهب الفيلم في تبيان العناصر الشعورية والحال العاطفي والوضع النفسي المؤدية لظهورها وكيف جسدت طبيعة فيتا ورؤية وولف لها كمُلهمة.

من النادر أن تتوافق موسيقى تصويرية معاصرة بفيلم مع إيقاع الحياة وطبيعة العيش لزمن ماضٍ ، لكن المؤلفة إيزابيل والر بريدج تنجح بشكل لافت ومميز في التعبير عن الحكاية وشخصياتها وطبيعتهم النفسية. كما أن تصميم الإنتاج والأزياء بدى على مستوى الحقبة الزمنية التي يمثلها بل كان هناك اهتمام حتى بطبيعة اللهجة التي تتحدث بها الشخصيات.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top