أين الدبلوماسية الذكية في مسار العلاقات الأميركية –العراقية ؟

آراء وأفكار 2021/04/12 10:03:15 م

أين الدبلوماسية الذكية في مسار العلاقات الأميركية –العراقية ؟

 د. أحمد عبد الرزاق شكارة

وسط أجواء مرحلة يمتزج فيها القلق والأمل وعدم التيقن من النتائج النهائية تجري جولات الحوار الأميركي – العراقي آخرها النسخة الثالثة في ظل مسار يتميز بالصعوبة و التعقيد إذ يبحر العراق وسط أمواج متلاطمة بين ضفتي ادبلوماسية القوة الخشنة Hard Diplomacy والقوة الناعمة Soft Diplomacy

التي أخذت في مرحلة لاحقة -2012 - مفهوما آخر عرفه البروفسور جوزف ناي Joseph Nye بالقوة الذكية Smart Power. مفهوم يجمع مابين القوتين الخشنة والناعمة متجهاً لأنتاج سياسة خارجية/ دبلوماسية فاعلة ومؤثرة تستهدف تنمية العلاقات الاميركية – الدولية ، تطور ولاشك "مثالي" ولكنه حيوي إن أمكن تطبيقه في الجولة الرابعة القادمة بصورة تلبي المصالح المتبادلة الجيوستراتيجية – الاقتصادية – الاجتماعية – الثقافية- العلمية – التقنية "الشاملة " للطرفين العراقي والاميركي ، ما يرفع من موقع الدولتين نسبياً في مؤشر " القوة الناعمة – الذكية" العالمي بعيداً عن "دبلوماسية القوة الخشنة" ويجعل من إتفاقية الإطار الستراتيجي بين البلدين ذات جدوى.

الإضاءات والمقاربات تشير إلى أن جوزف ناي – مبتكر المفهوم بمضمونه الحديث - عرف القوة الناعمة على أنها قدرة التأثير على الآخرين من خلال إعتماد آليات تشاركية بهدف صياغة أجندة متجددة ل"لحوار – التفاوض" معززة بآلية الإقناع وإستدعاء لخاصية قوة الجذب الإيجابية Positive Attraction Power وصولاً للنتائج الجيوستراتيجية – الاقتصادية المتوخاة من قبل الأطراف المفاوضة .

حتى وقت كتابة المقال يبدو أن طبيعة الحوار الاميركي – العراقي تتمحور أكثر حول آساليب دبلوماسية القوة الخشنة (العسكرية – الاقتصادية) أكثر منها دبلوماسية القوة الناعمة Soft Power Diplomacy في التأثير على مجريات الأمور، علما أن استخدام القوة الخشنة وإن حقق بعضاً من النتائج إلايجابية المهمة التي لايمكن نكرانها في إطار المجابهة الشديدة الحازمة لإرهاب داعش وإنهاء إحتلاله للأرض العراقية إلا أن الاقتصار على استخدام القوة الخشنة تحقيقاً لمتطلبات الأمن مسألة بحاجة إلى معادل موضوعي يغطي جوانب أخرى تختص بالقوة الناعمة المتخصصة Specialized Soft Power دبلوماسياً – قانونياً –تقنياً و ثقافياً ، هذا هو بالضبط الوجه الآخر الذي مازال ينتظره شعبنا العراقي من الوجود الاميركي بصورة تحقق تحولات " جيوستراتيجية – اقتصادية- تنموية " يمكن ترجمتها عمليا في إطار برامج عمل هادفة هذا إن توفرت الإرادة السياسية الحازمة لدى طرفي الحوار أو لدى الأطراف المتعددة التي يعنيها نجاح الحوار في الوصول لنتائج تنعكس إيجاباً على استقرار وأمن المنطقة الشرق اوسطية – الخليجية .

إن تمكين العراقيين Empowering Iraqis من أطلاق نمط للتفكير المنفتح على الآخر معززاً بممارسة مهنية – تقنية متخصصة يمكننا من مواجهة تحديات عصر الظواهر الكونية التي تحتاج للتعاون الدولي من نماذجها : التغيير المناخي Climate Change إلى ما نواجهه حالياً من تأثيرات وإنعكاسات وتداعيات عصر ما بعد جائحة كورونا Post Pandemic Corona era ، تغييرات هيكلية واضحة من النظم ، الممارسات والوظائف والسياسات المهنية – بعيداً عن الأطر التقليدية في التعاملات الدولية . ما يدعو شركاءنا وأصدقاءنا دولاً ، وتنظيمات غير حكومية من تفعيل بناء عراق آمن – مدني مستقل ومزدهر مجتمعياً – اقتصادياً وعلمياً يتمتع بما يستحقه من نوعية عالية في مستوى الحياة ، من هنا أهمية تحديد وإعتماد عدد من الركائز المهمة حول كيفية تطور مراحل ومضامين الحوار الأميركي – العراقي :

أولاً : الإمكانات الرقمية Digital Capabilities بكل تفصيلاتها ،

ثانياً: الدبلوماسية متعددة الأطراف Stakeholder Multilateral Diplomacy للقوى الدولية الفاعلة .

ثالثاً : التمكين الإنساني Humanistic Empowerment وتكافؤ الفرص دون تمييز أو محاصصة من أي نوع كانت.

أن نتعرف على كيفية الانتقال والإبحار السلس والهادئ نسبياً بين ضفتي دبلوماسية القوة الخشنة والقوة الناعمة مسألة يسهل علينا تبينها نظرياً وإلى حد ما عمليا من خلال دور القوة الأميركية في عملتي صناعة السلام Peace Making ومن ثم بنائه Peace Building (إن أمكن). جاك مكونال Jack McConnell وضح مقترباته وتقفسيره للموضوع في إطار تميزه بين عمليتي صناعة السلام تليها عملية بنائه مقراً بإن عملية صناعة السلام تتمحور حول مايعرف ب"الستراتيجية الوطنية" – National Strategy التي تتأثر بدور القوى الفاعلة في النظام الدولي أو الاقليمي أي " التدخلات الخارجية"، بينما تأتي أهمية عملية البناء وتنمية العلاقات المتبادلة بين الولايات المتحدة والعراق – في تقديرنا- من ضرورة توضيح الأدوار الحيوية لكل من له حصص مادية أو معنويةMaterial and Moral Stakes تسهم في تشكل مؤسسات الدولة والمعني به "دور المجتمع المدني" في ما يمكن أن يضيفه لحالة الأمن والاستقرار الداخلي .

يهمني الإشارة لأنباء ترد من واشنطن (إدارة جو بايدن) تؤكد أن الموازنة الاميركية لعام 2022 ستعطي أولوية لما يلي : للصحة ، للسياسة الخارجية – الدبلوماسية وللتنمية الاقتصادية مع اهتمام خاص بالشرائح الضعيفة التي تتعرض للمخاطر المالية – الاقتصادية على حساب الاهتمام الكبير الذي خصصته سابقاً إدارة ترامب في الانفاق الضخم على التسلح. ترتيباً على ذلك ، فإن الدبلوماسية الذكية القائمة على القوة الخشنة والناعمة معاً ستتضح معالمها أكثر من خلال تبني تصورات واضحة لتقييم مدى فاعلية نجاحها الجيوستراتيجي – التنموي في منطقتنا والعراق من ضمنها وفقاً لما يلي من مرتكزات :

أولاً: رسم معادلة دقيقة نسبياً للتكاليف والارباح لما يتخذ من سياسات ، أوامر تنفيذية وتشريعات مهمة في ظل محيط عراقي – شرق أوسطي يتسم بالتوتر والصراع والعنف ونظريات المؤامرة.

ثانياً: التعريف بطبيعة الشراكات Partnershipsمع اللاعبين المحليين – Local Players والمواقع التي من خلالها يتم بناء المشاريع التنموية للطرفين الاميركي والعراقي. ولعل كون النظام العراقي يعتمد الفدرالية مضموناً وشكلاً إدارياً – جغرافياً – سياسياً مايعطي الإقليم الشمالي للكرد أهمية خاصة ، مسألة لابد من أخذها بنظر الاعتبار في أي حوار أو تفاوض معني بالحفاظ على سيادة العراق الوطنية ممتزجة بتلبية مطالب سكان الإقليم التنموية الذين هم جزء لايتجزأ من سكان العراق .

ثالثاً: الاهتمام المستمر بظاهرة التعامل مع اللاعبين "المعتدلين – Moderates - بعيداً عن حالات وسلوك التطرّف Radicalisation .

رابعاً : تقديم مقترحات أو افكار تهدف لتحقيق الأبداع الفكري Innovative Thinking بعيدا عن التفكير التقليدي الجامد الذي لايحسن التكييف مع متغيرات العصر التقني سريع الإيقاع. علماً بإن أي تفكير سليم لمستقبل آمن ومزدهر يجب أن ينطلق بصورة مريحة وهادفة من قاعدة "الاعتراف بالخطأ" كي لايتم الوقوع به أو تكرار تجارب فاشلة.

خامساً: بناء علاقات متبادلة قائمة على احترام قيم حقوق وكرامة الإنسان والتي تعطي مساحة واسعة كافية للاحترام والتسامح الإنساني في أعمق دلالاته.

التصورات السالفة الذكر تؤكد مدى حيوية وأولوية انتماء إقليم دول – الشرق الأوسط وشمالي افريقيا "مينا"- MENA إلى عالم القوتين الناعمة و الذكية خاصة وإن المعلومات الصادرة عن مؤشرالمؤتمر العالمي للقوة الناعمة The Global Soft Power Index تبين أن بعض هذه الدول حققت نتائج رفعت قليلاً من مكانتها المتدنية أصلاً ، مقاربات نحتاج للتركيز والبناء عليها كثيراً خاصة ونحن نبحث حاضر ومستقبل العراق والمنطقة ، أكثر دولة نالت رصيداً مناسباً يعد الأعلى في الإقليم في مجال القوة الناعمة هي دولة الإمارات العربية المتحدة التي سجلت في رصيدها 48.4 نقطة من أصل 100 ما يقربها من الموقع ال17 عالمياً حيث تنقسم النتائج إلى مايلي من مؤشرات فرعية : في الحوكمة نالت المرتبة ال18 عالمياً وفي التعليم والعلوم حصلت على الموقع ال19 بينما في حقل الاهتمام بالشعب والقيم التي يحملها وصلت إلى مرتبة ال24 ، ما يعني أن دولة الامارات العربية المتحدة نجحت في ميدان الحوكمة Governance حيث انجزت طفرات ايجابية نوعية تحمل تصورات نقلت صورة محيط آمن او مستقر سياسياً – اقتصادياً داخلياً تتمتع به . ذات الشيء يمكن أن يقال عن دول الجوار للامارات - السعودية وقطر.

هذا وفي ظل متابعة ما تحقق من النتائج الإيجابية يتضح مثلاً مدى استجابة الإمارات السريعة نسبياً لإحتواء جائحة كورونا ما مكنها من الحصول على الموقع ال15 عالمياً (تجسد في تطوير لقاح وطني فاعل مضاد لكورونا وفي توفير الامارات مساعدات طبية للحلقات الأضعف من الدول في المجتمع الدولي)، ليس هذا فحسب الإمارات وهي تقترب من ميلادها ال50 أثبت رقياً في مجال النمو الاقتصادي المستدام Sustainable Developmentبصورة تلاقي الاعجاب العالمي ما جعلها تحتل المرتبة ال13 عالمياً للنمو المتوقع مستقبلاً . أما الهدية الثمينة للامارات فقد تمثلت بالنجاح المذهل في وصول رحلتها الفضائية للكوكب الاحمر "المريخ" ما جعلها تدخل مضمار السباق الفضائي إلى جانب الصين والولايات المتحدة. السؤال أين العراق من دبلوماسية القوة الناعمة أو الذكية التي اعتمدتها دولة عربية مثل "الامارات" محققة إنجازات مادية ومعنوية حقيقية أو غيرها من دول العالم (اليابان ، المانيا ، نيوزلندة ، فرنسا، الصين، إستراليا ، المملكة المتحدة، سنغافورة وايسلندة). من منظور مكمل يمكن ملاحظة الانخفاض الملحوظ في موقع الولايات المتحدة في مؤشر أو مقياس القوة الناعمة العالمي للعام 2021 بحدود 6 مواقع إلى رصيد يقارب 55.9 من مجمل العدد الكلي ال100. ولعل هناك أسباب مختلفة لهذا التراجع في ظل إدارة ترامب السابقة التي لم تهتم كثيراً بمخاطر جائحة كورونا على الحياة الصحية والاقتصادية – التنموية كما هو حال الإدارة الجديدة لجو بايدن، برغم ذلك تبقى الولايات المتحدة تتمتع بتفوق واضح على الكثير من دول العالم ومنها العراق في ميدان إمتلاك واستخدام القوى الناعمة والذكية إلى جانب الخشنة أيضاً ما يوفر لها نوعاً من الهيمنة الجيوسياسية – الأمنية – العلمية - التقنية - الاقتصادية عالمياً.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top