بول أوستر ..أميركا بين التعصب وحصار كورونا

بول أوستر ..أميركا بين التعصب وحصار كورونا

ترجمة: منعم الفيتوري

منذ ان تولي ترامب رئاسة امريكا بدت البلاد في نظر الكاتب الروائي الشهير بول أوستر أكثر ضعفاً وانقساماً مما كانت عليه في ١٥٠ عام الماضي، أي منذ نهاية الحرب الأهلية.

بعد ذلك يعدّد أوستر مثالب وعيوب الحزب الجمهوري، بقوله أولاً أنّ الحزب الجمهوري أصبح بعيداً جدّاً عن الدّيمقراطية، إضافةً لإيمانهم بمنطق القوّة، ومن أهم دعاماتهم الفكريّة أنهم لا يريدون دولة حقيقيّة، لقد فكّكوا النّسيج الاجتماعي بأكمله في نواحي أميركا وبطرقٍ غير معهودة. مثلاً يقول أوستر لدينا وكالة لحماية البيئة، فلا تهتم بحماية البيئة، لدينا وزير للتعليم، لكنه لا يؤمن بالمدارس العامّة. هذا كل ما في الأمر. ثم ينتقد من كانوا يدعمونهم وهم يعانون من قراراتهم المجحفة بحقّهم معلّلاً ذلك بأسبابٍ بعيدة جدا عن السياسة ومبالغة التعقيد. ويطلق على هذا الشيء أوستر: يمكن أن نسمي ذلك بداية الحرب الثقافية الأميركية!

بعد انتشار الوباء كانت إدارة ترامب قد تعاملت بسوء مع الوباء، وهذا ما أغضب أوستر بقوله: لم أكن أشعر بالغضب في حياتي إلا بعد رؤيتي لإدارة سيئة تتولى زمام السلطة تتعامل مع الوباء بهذه الطريقة. سموه خدعة، ووصفوه بأنه فايروس صيني! هؤلاء لا قدرة لهم على تحمّل مسؤوليةً وطنيّة!

قبل سنوات كان بول أوستر يحذر من مغبّة دخول ترامب للبيت الأبيض، مشدّداً على توخي الحذر وأخذ الأمر بجدية. فما السبب الذي دعاه لقول ذلك؟ يجيب أوستر أن ذلك يرجع إلى النظام الانتخابي المعمول به في أميركا والمعروف ب: المجمع الانتخابي. وهي طريقة تمكّن المترشح الذي لا يحصد أغلبيّة الأصوات أن يفوز بالرئاسة. حيث شعر أوستر أن ترامب يتلقى دعماً بعيداً عن بيانات الرأي العام واستطلاعات مراكز البحث والصحافة، ما أثار رعب وخوف أوستر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في حزيران الماضي، حيث تتشابه أميركا وبريطانيا في عدة أمور منها: العداء المتنامي ضد المهاحرين، العنصرية، القومية، أنهم أغلبية بيضاء، خوفهم من الآخر، وفيهم من يستاء ويغضب ممن يتجاهله في الثقافة العامة. لكن هذا التقارب موجود بنسبة كبيرة جدّا بأميركا.

لماذا يحبّ الناس ترامب؟ يجيب اوستر : أغلبيّة الناس يحبّون ترامب؛ لأنه يشعرهم بالرضا عن أنفسهم، بينما الديمقراطيون يشعرونهم بالحنق والضيق تجاه أنفسهم، وهي طريقة فظّة حين ننظر إليها، لكنها مفهومة كما يرى أوستر. ويشببه أوستر بالديكتاتور النازي هتلر الذي أتاح للألمان الشعور بالأمان والرضا عن أنفسهم، هذا ما ينتقده أوستر ويصفه بالعداء المقيت لمجتمع متنوّع ومتغيّر! حيث يخشى على أميركا أن تزول حضارتها المعنونة في عيون أوستر: بلاد الكل من جميع الجنسيات والأعراق والديانات والألوان ومختلف الثقافات. يضيف أوستر: هذا الشيء نحتفي به في أميركا، لكن هناك من لا يحتفي بهذا التّنوع.

كتب أوستر روايته الأخيرة والمعنونة برمز رقمي ١٢٣٤ وهي تصور شخصاً بأربع ذوات، لكن المهم في داخلها صوّرت حركة المطالبة بالحقوق المدنية في الستينيات والسبعينيات، كيف نظر أوستر لمشكلة العنصرية الحالية والمتنامية في بلاده بالتوازي مع روايته هذه؟ يجيب أوستر أن ذلك أعاد له إيمانه بأن أميركا ربما تكون قد بدأت في إعادة النظر في نفسها جيّدا، كانت الاحتجاجات الأطول والأكثر كثافة في تاريخ هذا البلد، الأهم من ذلك، بدأ العديد من الأشخاص البيض يتساءلون، لأول مرة في حياتهم ، كيف سيكون الأمر عندما يكبر جيل من ذوي البشرة السوداء في هذا البلد؟ يبقى أن نرى ما إذا كان هذا الحال سيصبح مستداماً وسيكون جزءاً من تحوّل وطني دائم. مع ذلك يبدي أوستر إعجابه بالاحتجاجات الأخيرة إثر مقتل الشرطي الأسود فلويد، ويصفها بأن كانت قمّة في الروعة، ولا يمكن تجاهلها. يتابع أوستر قوله: إنها واحدة من أقوى الأشياء التي رأيتها في حياتي كلها.

مشاكل أميركا والعالم، وحنين العودة:

لقد تغيرت الأمور إلى الأبد. العالم بشكل عام، وأميركا بشكل خاص، في أزمة. لدينا مشكلة كبيرة حقيقية يجب علينا جميعاً مواجهتها، وهي أزمة تغير المناخ، إنه قادم بسرعة، كأنه كويكب هائل يأتي من الفضاء وسيقوم بتدمير أجزاء كبيرة من الأرض، إذا لم نتحرك فوراً فإنّ الأوان سيكون قد فات، والمعاناة للأجيال القادمة مرعبة وصادمة، لقد رأينا بالفعل بذور الأشياء السيئة في هذا البلد، أسوأ حرائق وأسوأ أعاصير شهدناها في تاريخنا. هذه بداية الأحداث فقط وستشمل طريقة جديدة للحياة. يغضب الناس من ارتداء الأقنعة في الوباء، فتخيل أنواع التغييرات التي سيتعيّن علينا إجراؤها لتقليل الانبعاثات بعد ذلك. ثم هناك النظام الرأسمالي الأميركي الذي خلق مجتمعاً غير عادل ورجّح الكفّة ناحية الأثرياء، لدرجة أنه ما لم يتمّ إعادة النظر في هذه القضايا، فإن البلاد سوف تستمر في التدهور، كل ذلك يحتاج إلى إصلاح يقول أوستر، وستتوالى المزيد من النكسات، وبالتالي لن تكون سهلة علينا جميعاً، لكنّني أعتقد أنه إذا ما وصل الديموقراطيّون إلى السلطة، وأصبح مجلس الشيوخ مؤسسةً ديمقراطية، يمكن تمرير العديد من القوانين التي تبدأ عمليّة إصلاح بعض من أبشع المظالم التي لحقتْ بأميركا.

وضعية الطبقة العاملة

لم يقدم الديمقراطيون أي سبب للفوز بأصوات الطبقة العاملة، وأغلبيتهم غاضبة ومستاءة منهم. هذا بحسب رأي أوستر. ما جعلهم يشعرون بالتحسن والرضا هم الجمهوريون؛ حيث عززوا التفوق ضد المهاجرين، وذوي البشرة السوداء. إن علامتهم البيضاء هي التي منحتهم التفوق على الآخرين! ، جذور هذا الأمر ولدت مع إدارة أوباما، فهي تتحمل جزءاً من هذه المسؤولية، حيث كانت تمتلك إدارته ثماني سنوات، وكانت لها أغلبية في الكونغرس، مما جعله يهتم بتنفيذ خطة رعاية صحية، هذا ما أراد عمله في بداية مشواره بالبيت الأبيض. بحسب أوستر فبإمكاننا مناقشة هذه الستراتيجية إن كانت أفضل أم لا. مع أنّها قضيّة لا يمكن أن نغفلها، ولم يستطع أي رئيس حلها، يضيف أوستر: لقد عمل دون أن يتم سحب القرار بتصويت جمهوري واحد! هذا شيء مذهل، إذ أننا انتخبنا رئيساً أسود بالبيت الأبيض. هذه ثيمة لابدّ أن نفكّر فيها. لكن يمكننا القول بأن البقية من الشعب كانت غاضبةً ومستاءة، لقد كانوا مذعورين من هذا الفوز. لدرجة أنهم بعد فوز أوباما مباشرةً بدأت جماعات يمينية في خلق شيء لم يتحدث عنه أحد قطّ! وهي حفلة الشاي! هذا الحفل كان بمثابة هجوم يميني على فوز أوباما والديمقراطيّين. وللأسف مع ٢٠١٠ فاز الجمهوريون بأغلبية في الكونغرس، وهذا مما منع أوباما من فعل أي شيء! لم يتمكّن من تنفيذ أيّ قانون، في الحقيقة وجهوا لها اتهامات تنمّ عن قلة احترام! يبدو لي كأنهم قبضوا على رجلٍ أسود وقيدوه بالحبال، عصبوا عينيه ووضعوا مناديل ورقيّة في حلقه، وقاموا بركله ولكمه لمدة ست سنوات! ست سنوات وهم لا يتوانون عن ضربه! لم يكن له أيّ ذنب فيما حصل بعد ذلك، ردة الفعل تجاهه هي من أطلقت العنان للعنصرية في بلادنا، والتي لم أكن أتصوّر أن تكون عميقة لهذا الحدّ. إنها فضحت عيوب بلادنا الجيولوجيّة. وقامت بتغذية الحرب الثقافية التي قادها ترامب منذ توليه الرئاسة خلال السنوات الخمس الماضية، ما يثير خطورة الأمر لدى أوستر أن البلاد أصبحت منقسمة لدرجة يصعب فيها تخيل أيّ حوار أو حديث بين الحزبين. كأنّ الحوار قد توقف بينهما. يشببه أوستر بحال الحرب الأهلية حين بدأت عام ١٨٦١؛ لأنّ الكراهية تزداد بين الطرفين!

العنصرية

العنصرية من أهم الأسباب التي شكلت تاريخ أميركا. يصفها أسوتر بأنها عيبٌ قاتلٌ في هذا البلد. في جنوب أميركا كان الاقتصاد يعتمدُ على نجارة الرقيق والعبيد، حيث كانت في أميركا ١٣ مستعمرة تمتلئ بالعبيد، وقد كانت العبودية مشرعة قانونا في أميركا، ولكن لم تكن هناك عبودية في بعض المناطق خصوصاً في الشمال، بل كانت مستقرة في الجنوب كما ذكرنا، بعد إعلان اتحاد الولايات وتشكيل الولايات المتحدة تم طلب تقديم تنازلات من الشمال منها اعتبار أن العبودية قانونية، وحتى لو كان تعداد سكان الولاية أقلّ، فمن الممكن أن يكون لهم تمثيل أكبر في الكونغرس بعد العبيد، وتم حسابهم على نحو ثلاثة أخماس فقط، هذا تعهّد بحسب أوستر مثيرٌ للتقزز، ومنذ ذلك الوقت يدفع الناس ثمن هذه القرارات، حتى يستقيم حال البلاد ومحاولة إصلاحه لابدّ أن نتمكن من الوقوف بوجه هذه القرارات، في ألمانيا وجدت متاحف تؤرّخ للمحرقة، لكنّنا لا نرى أعلاماً للنازية، في أميركا نرى أعلام فيدرالية، وهي لدى أوستر لا تختلف عن الصليب المعقوف رمز النازية! لهذا السبب يقول أوستر، إن الاحتجاجات الأخبرة تلهمني؛ إذ يبدو له أن أميركا بدأت تصحو من غفلتها تجاه تعاملها مع السود، وتجاه العنصرية، وحتى تصبح أميركا عالمية على شعبها ألا يثير الانقسام فيما بينهم، والانقسام هنا في العنصرية تجاه السود كما يراه أوستر.

جو بايدن، الكُتّاب عن الديمقراطية

في نظر أوستر فإن بايدن ديمقراطي معتدل، عمل كثيراً في المحال السياسي، حيث تولى مهمات عدة، منها نائب الرئيس في إدارة أوباما. لكنه لم ينل إعجاب أوستر، إذ يبدو غبيّاً في بعض الأشياء التي قام بها. مع أنه يراه لائقاً للرئاسة، حيث لا يمتلك أي ميول إجراميّة، فهذا الأمر يعني لأوستر أنه لن يحكم أميركا مجرم، كترامب الذي يصفه بأنه مجرم، وكاذب، ومقيت! أما بايدن فهو شخصٌ لائق للبيت الأبيض. يشببه بديلانو وروزفلت عندما تولى السلطة في عام ١٩٣٣ خلال فترة الركود. أعتقدُ بأنه يقوم بعمل جيّد حد اللحظة، يقول أوستر. مضت أشهر ولم يفعل شيئاً لكنه بخير. كان يقول أوستر لزوجته سيري: يمكن للديمقراطيين تقديم غصن شجرة ضدّ ترامب، وسينالون الفوز بالغصن! بايدن يتصرف كالشجرة، سيفعل أفضل مما يفعله الذي يصراخ، و يلوح بذراعيه دائماً! ما يهمّ في نظر أوستر إخراج وهزيمة وترامب والجمهوريين من البيت الأبيض ومجلس الشيوخ، أما بشأن بايدن فإن المستقبل حياله سيكون مقلقاً للغاية!

يقول أوستر: الكُتاب بارعون؛ لأنهم يمتلكون حرية للتعبير عن أفكارهم بلغة واضحة ومختصرة. فالكتاب مواطنون، ولهم اهتمام بهذه الانتخابات. لذا اجتمعتْ أطيافٌ واسعة من الكُتاب للنقاش حول مسألة الانتخابات، والمساعدة في هزيمة ترامب. ما ركّز عليه الكُتاب هو حشد كبير من الأصوات ضدّ ترامب مع أن الوقت قد فات لمحاولة إقناع أي شخص بذلك كما يقول أوستر. خلال الفترة الماضية لم يصوت حوالي ٩٥ مليون شخص، وهذا ما أثار سعادة أوستر، إذ ركز هو وغيره على الشباب التقدميين، والذين لم يجدوا مبتاغهم مع هاريس أو بايدن، محاولين فب ذلك إقناعهم بأن عدم التصويت في الانتخابات هو تصويت لصالح لترامب بطريقة أخرى! يتطلب منا الأمر يقول أوسترء أن ينال الشباب فوزهم أوّلا. لقد بدأنا مع ٨٠ كاتباً، والآن أصبح العدد في ازدياد حتى وصل حوالي ١٧٠٠ كاتب.

بول أوستر والسياسة:

أما عن انخراطه في السياسة فإن بول أوستر كان دائم الاهتمام والمشاركة في الميدان السياسي، ولكن نشاطه زاد خلال هذه الفترة، أي فترة تولي ترامب لرئاسة أميركا، وسبب اهتمامه الأخير بالسياسة يرجع إلى خوفه على مستقبل أميركا؛ لأنه على المحكّ كما يبدو له، وجود ترامب في البيت الأبيض سيعني اختفاء وتلاشي أيّ مظهر من مظاهر الديمقراطيّة، بالإضافة إلى خوفه من تحوّل أميركا إلى دولة استبداديّة. يقول أوستر: إنه احتمالٌ سيّئ للغاية، وأحاول عمل كل ما في وسعي حتى لا تحدث هذه الأشياء ،.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top