الصراع المقدس

آراء وأفكار 2021/04/17 09:50:29 م

الصراع المقدس

 د. أثير ناظم الجاسور

لن تخلو أمة من الأمم ولا حضارة من حضارات العالم من الصراعات التي قُدست جوانب متعددة منها وكل جانب أُخذ من جوانبه ومنطلقاته الفكرية والأيديولوجية، فالعالم شهد صراع المدارس الفكرية والفلسفية التي أخذت توجهاتها نطاقاً واسعاً في الانتشار حتى أنها باتت إما منهجاً للحكم أو عامل أساس في التغييرات والتحولات التي شهدها العالم

وبالمجمل فإن هذه الأفكار يتم تقديسها إما من خلال منظريها وفلاسفتها أو من خلال الممارسات السياسية والاقتصادية والحربية التي تمارسها الدول منذ تأسيس الدولة، بالتالي فإن أغلب هذه الصراعات جاءت بناءً على قداسة الفكرة التي تحملها لدى المتلقي أو مجموعة الأفراد المؤمنين بها أو من الحالمين بان تكون هذه الفكرة أو الممارسة هي أساس حكم العالم أو السيطرة عليه في النطاق الواسع.

لكن الأساس في هذا الصراع هو اثبات وجود بالدرجة الأساس من خلال ثنائية الصراع الفكري – الإنساني، وقد تكون هذه الفكرة أيديولوجية قومية دينية تحت أي مسمى كانت لكن بالضرورة ندها الإنسان المختلف الذي يحاول في كل مرة أن يثبت صحة نقده لفكرة المطلق في هذه النظريات والأفكار والممارسات، وهذا ما جعل كل الصراعات وفي مختلف المراحل التي مر بها العالم مصطبغة بقداسة ما تحمله من أفكار وفق مراحل وسياقات تاريخية نرى إنها تشتد وتحتدم وقد تتطور أساليب الفرض والإجبار فيها آلت لا تبنى عل أساس قراءة المراحل التاريخية وتحليلها ورسم تقدير وقياسات تتناسب مع الحاضر بقدر ما هي عمليات إثبات صحة النظرية أو الفكرة حتى وإن كانت تعاني من قصور واضح.

والعراق واحد من دول العالم الذي شهد هذا النوع من الصراع المقدس غير القابل للنقاش والنقد والتدقيق والتصحيح من خلال الأدوات المستخدمة فيه والتي لا تقبل القسمة على اثنين، فعندما تكونت الفكرة القومية واستمكنت من الحكم والسلطة لم تسمح في صراعها الفكري من الأفكار الأخرى أن تكون نداً لها وأن تتعامل معها بوسطية في الطرح لا بل سارت صوب التوجهات العنفية والقمعية التي بالضرورة تجعل من التيارات الأخرى في زاوية (العمالة – الخيانة)، هذه الزاوية التي تجعل من كل ناقد ومعترض قنبلة موقوتة في فهمهم هم مما يجعل الصراع بين قوتين لا ثالث لهما قوى الخير والشر، وبالضرورة في مثل هذه الحالة تكون السلطة هي حاملة لواء قوى الخير والسلام والفريق الاخر حتى وإن كانت بأدوات فكرية بسيطة فهو الفكر الهدام الذي يمثل قوى الشر، وهذا لا يعني أن الفكرة تستند على ما يؤكده "نيبور" حول نصف الإنسان الشر والخير بقدر ما على الجميع أن يدرك أن السلطة وبكل الأحوال هي تخوض صراعاً ضد قوى شريرة لا مكان لها على أرض الواقع.

مع انتهاء هذه المرحلة من عمر الدولة بدأت المرحلة الجديدة التي تمحورت أيضاً أو دارت رحى صراعها حول المقدس الديني هذه المرة، من خلال زرع فكرة معاداة الدين وأيضاً لن تستند هذه الفكرة على ما تم طرحه في (صدام الحضارات) لـ"هنتنغتون" لابل أن الصراع هذه المرة مختلف من حيث المسمى لكن أعداءه هذه المرة هو كل معترض على أساس المنهج وليس الفكرة على اعتبار أن الفكرة ثابتة والتحول في المنهج، والصراع هنا داخلي أكثر في تجلياته فالدين هنا يواجه كل الأفكار التي ترفض فكرة السيطرة والهيمنة على السلطة والقرار لأن التشارك في هذه الحالة سيسلب المتدنين السلطويين سلطتهم، بالتالي فان من الضروري أن تحارب هذه القوى حربها المقدسة ضد كل من يحاول أن ينقد ويدقق في تفاصيل العمل السياسي العراقي الموكل للسلطة الحالية بأفكارها وتوجهاتها ومنطلقاتها، بالتالي فان أي معترض هو بالضرورة يهدد بأفكار عفاف المجتمع وطهارته.

بالمحصلة فان الصراع المقدس سواء كان عند القوميين أو عند الإسلاميين لم يكن حول الفكرة واثبات صحتها وديمومة تعايشها وتطورها مع المراحل المتقدمة التي يشهدها العالم، بقدر ما هي مجموعة من الصراعات التي يراها الجميع على أنها الأدوات المتوفرة لجملة من الأفراد الذين يرون من هذه الأفكار هي أولاً طوق نجاتهم من أي مآزق قد يمرون به، وثانياً إنها أفكار لها من الجمهور المخدر المطيع القانع بان بالوحدة هي أساس الانتصار وإن الفقير هو عشب الجنة الخ .... من الرسم المستمر لهذه الفكرة أو تلك، وكل طرف من الأطراف في صراعاته يبحث عن قدسيه لأفكاره لأجل استمراره.

تعليقات الزوار

  • خلود البدري

    مقالة رائعة تعبر عن الواقع الحالي المؤلم في العراق الذي يعاني منه عامة المجتمع البسيط التي اثرت سلبا على حياتهم الاجتماعية .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top