عندما يكون الفساد حاكماً !

آراء وأفكار 2021/04/19 09:36:18 م

عندما يكون الفساد حاكماً !

 د. مهند البراك

يحار المراقبون و السياسيون و المتخصصون و تحار أوسع الأوساط الشعبية من كل المكوّنات التي تزداد حياتها بؤساً و شقاءً . . بما يجري في العراق منذ سقوط الدكتاتورية الإجرامية على يد احتلال عسكري خارجي وضع البلاد بيد الولايات المتحدة و إيران الإسلامية و فتح حدودها أمام القوى الخارجية سواء كانت دولية أم إقليمية، حتى صارت ليست أكثر من ورقة للضغط و التهديد، بعيداً عن حساب مصير شعبها.

و يرى محللون أن ذلك ظهر واضحاً من تحوّل حكم المحاصصة الطائفية و العرقية الى حكم الفساد العابر للطائفية و العرقية و القائم على المصالح الأنانية لعدد من البيوت الاوليغارشية الحاكمة بغض النظر عن الطائفة و العرق، مستغلة أجواء تزايد المطالبات بالغاء حكم المحاصصة و اعتماد المواطنة أساساً للحكم، و النتيجة صار حكم الفساد الذي أشاعته و تشيعه دوائر إيرانية خاصة في محاولة للتوسع الإقليمي و كسر الحصار الدولي المفروض عليها بسبب وجهتها النووية المغامرة بمصير شعبها . .

و تشيعه دوائر إقليمية لتسجيل السبق في جعل البلاد سوقاً لبضائعها الكاسدة و المتخلفة ضماناً للأرباح الأعلى المُنتظَرة، إضافة الى ماتشيعه دوائر عالمية في خططها لتغيير وسائل الميزان الاقتصادي العالمي لتحقيق أعلى الأرباح و كسر المنافسين . . كما تناولت كلّ ماسبق وسائل إعلام و صحف و معاهد عالمية و محللون دوليون و برلمانيون و مسؤولون سابقون و لاحقون، اعتماداً على العديد من المؤشرات الاقتصادية و العسكرية و البشرية و اعتماداً على الدمار الذي أصاب البلاد و شعبها بكل مكوّناته.

و تسعى تلك الدوائر الى إشاعة و استمرار عدم الاستقرار و اللاقانون و اللادولة و الإرهاب . . لخلق المناخ و الظروف الضامنة لها لتحقيق أعلى الأرباح و للحفاظ على الحكم بيدها هي، من خلف استمرار مؤسسات حكومية و دستورية التي رغم الصراعات داخلها إلاّ أنها في الحساب الاخير لا سلطة حقيقية لها إلاّ على من لاسند حاكم له في الغالب الأعم، ساعية الى دوام تلك المؤسسات لتبرير وجودها و نشاطها، إذا أُخذ بنظر الاعتبار أن الكتل الحاكمة الأكبر وجوداً و تأثيراً فيها هي من لها أذرع مسلحة نُحِت لها وجود قانوني ضمن النظام القانوني الحاكم الذي يعاني من كثير من الثغرات خاصة في التطبيق العملي.

و فيما يحذّر الكثير من المتابعين من أن استمرار الحكم على أساس الفساد الخفي الذي لن يؤديّ الاّ الى صراعات أطراف الفساد بينها تحت رايات الدين و الطائفة و العرق لتثبيت أرباحٍ أنانية أكثر و لتمويل "مشاريع أرجنتينية !"، بعيداً عن تحقيق أبسط نظام دولتي يمكن أن يحقق الحد الأدنى من الرفاه و الحقوق و الخبز و الحرية، كما ينص عليه الدستور .

تجمع أوسع الأوساط الشعبية على ضرورة تحقيق أوسع حركة مدنية . . من قوى تشرين و النقابات و الاتحادات و المنظمات و الأحزاب الداعية الى الحكم المدني، و من أجل قيام دولة مدنية كما نشأت دولة العراق من البداية، دولة ضمّت قوميات و أديان و طوائف متنوعة عاشت و تفاعلت منذ القدم في وادي الرافدين، و عاشت بحماية أنظمة و قوانين ضمنت حقوق و واجبات الجميع على قِدم المساواة في العصور المتنوعة، التي شهدت و تشهد لها آثار الحضارات المتتالية التي نسجت و أصّلت الفسيفساء العراقية المتلازمة قلباً و قالباُ على أساس الأخوّة في السراء و الضراء . .

و اليوم و رغم الحياة المرّة التي تزداد صعوبة في البلاد بفعل حكم الإسلام السياسي الذي أساء للإسلام الحق و للإرث الفاعل لأئمته و لإجتهاداتهم و أعمالهم و نضالاتهم الخالدة في إنصاف الفقير و المعدم و في الحكم العادل و تطبيق شرائعه لتحقيق المساواة !

و كما حقق النشاط الدؤوب للتيار المدني، بكل قواه و شخصياته و منظماته و أنشطته و فعالياته و على مختلف اتجاهاته، حين حقق نصراً على طريق الدولة المدنية، عند نجاحه في إيقاف محاولة أسلمة الدولة العراقية، النابعة من أصرار القوى الطائفية على تشريع قانون شبه مستنسخ عن قانون مؤسسة تشخيص مصلحة النظام المعمول به في الجمهورية الإسلامية الأيرانية.

في وقت عبّرت فيه أوساط واسعة عن إدراكها بأن هذا النصر، لم يتحقق بسهولة، خاصة وأن موازين القوى في مجلس النواب ليست لصالح القوى المدنية، بفعل دور القوى المرتبطة بالدول الأقليمية، سواء تلك المنطلقة من مصالح حزبوية ضيقة، أو التي تستمد توجيهاتها من خارج الحدود.

إلاّ أنها اثبتت أن الروح العراقية المدنية الحيّة لا يمكن اقتلاعها كما تصوّر البعض. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top