عالمُنا أنساق متصلة : العلم الخفي لكلّ شيء

عالمُنا أنساق متصلة : العلم الخفي لكلّ شيء

لطفية الدليمي

كتب الفيلسوف إيزايا برلين Ishaia Berlin مرّة في كتاب ذائع الصيت له : « ثمّة نوعان من الكُتّاب : قنافذ وثعالب. الثعلب يعلم أشياء كثيرة في حين أنّ القنفذ يعلم شيئاً وحيداً حسب، وتأسيساً على هذه الرؤية يمكن عدُّ شكسبير ثعلباً مثاليّاً في حين يكون دوستويفسكي وتولستوي قنفذيْن مثاليّيْن «.

قد يتساءل بعضنا : ماالخصيصة المميزة التي تسِمُ المعرفة البشرية في عصرنا ؟ هذا تساؤل ينطوي على أهمية عظيمة ويحمل قدراً من المشروعية والضرورة لايقلّان عن أهمية أي سؤال فلسفي يقع تحت لافتة (الأسئلة الكبرى) التي يقترن بها الوجود البشري، لن يختلف الجواب بين كبار مفكّري وفلاسفة وعلماء العالم : إنّه التشبيك المعرفي والتداخل المفاهيمي بين الحقول المعرفية ضمن ماأصبح يُعرَفُ بنظرية التعقيد Complexity Theory.

لم يعُدْ يكفي أن يكون العالِمُ أو الفيلسوف ثعلباً – بحسب رؤية إيزايا برلين – تُحتَسَبُ قيمته بقدر مخزوناته المعرفية بقدر ماصارت قيمته تكمن في قدرته على تشبيك المعارف البشرية وإيجاد (الانتظامات أو النماذج) الخفية السائدة فيها.

أردتُ من هذه المقدّمة الموجزة بيان الأهمية الستراتيجية لاشاعة نمطٍ من الثقافة (الجماهيرية) التي تتعامل مع جبهات المعارف المشتبكة في سياق المعرفة النسقية، وملخّصُ هذه المعرفة أنّ التعامل مع الكائنات الحية والحياة والكون باعتبارها أنساقاً دينامية معقّدة ومشتبكة هو القيمة المؤثرة والمنتجة لأية ثقافة نسعى إليها في عصرنا هذا.

لستُ في حاجة للتأكيد أنّ عصرنا هو عصر الصورة، وبالرغم من وجود كتب مرجعية كثيرة متفاوتة في تعقيدها التقني تتناول موضوعة الانساق الدينامية المعقّدة ؛ لكنما تبقى المادة الصورية التي يرافقها معلّقٌ معروف بقدراته الأدائية هي الوسيط القادر على بلوغ أوسع مديات من المتابعة الشعبية ؛ ومن هنا جاء الاهتمام الواسع في السنوات الأخيرة بالوثائقيات والسلاسل العلمية التي يشرف عليها كادر متخصص يقوده مقدّمٌ متميز هو في الغالب أحد الخبراء الكبار في ميدانه المعرفي.

تمتعت وأنا أتابعُ سلسلة بعنوان (متّصل : العلم الخفي لكلّ شيء Connected : The Hidden Science of Everything) على شبكة نتفلكس. تكمن فرادة هذه السلسلة في طبيعة موضوعاتها وطبيعة مقدّمها كذلك، توزّعت الحلقات الست للموسم الأول من هذه السلسلة (التي أتمنى أن تتبعها مواسم أخرى) على موضوعات قد تبدو متباعدة ؛ لكن هذه هي طبيعة النماذج أو الانتظامات الخفية التي نغفل غالبا عن ملاحظتها في الانساق الطبيعية. الموضوعات المتناولة هي : المراقبة، الفضلات البشرية، الغبار، الأعداد الصحيحة، الغيوم، الاسلحة النووية. من الصعب أن يتوقّع المشاهد فتنة جمالية في طبيعة الموضوعات التي تتناولها هذه السلسلة من معرفة عناوينها ؛ لكنّ المتن يختلف عن العناوين، وهو ليس ممّا تواضعنا عليه في السلاسل العلمية أو المعرفية السائدة، نحن هنا إزاء أنساق مكتنزة بالفتنة والجمال والأناقة التي قد تبلغ تخوم (السحر) ؛ لكنه سحرٌ مختبرٌ بشواهد دقيقة.

جميع حلقات هذه السلسلة مغوية وباعثة على التفكّر العميق والمتعة ؛ لكني أودّ الاشارة إلى موجز محتوى كلّ منها : تتمحور الحلقة الخاصة بالمراقبة على شيوع الخوارزميات الخاصة بالمراقبة الشاملة حتى أصبحت الرأسمالية الحالية تعرَفُ بعصر رأسمالية المراقبة (تبعاً لعنوان كتاب كتبته شوشانا زوبوف وحقق مقروئية عالية) ؛ أما الحلقة الثانية فتتناول تأريخ التعامل مع الفضلات البشرية وكونها موضوعاً ذا أهمية أنثروبولوجية شبيهة بأهمية الأحفوريات الاركيولوجية، والكيفية التي يمكن بها للفضلات البشرية أن تصير خزاناً محتملاً لكائنات مجهرية (تدعى العاثيات) قد تصبح بديلاً مممكنا للمضادات الحيوية الفاعلة تجاه البكتريا العنيدة. تناولت الحلقة الثالثة موضوع الغبار وفاعليته البالغة في النظام الحيوي الأرضي لكونه سماداً يديمُ حياة الغابات الأمازونية المطيرة التي لطالما وصِفت بأنها (رئة الأرض) ؛ في حين تناولت الحلقة الخاصة بالأعداد الصحيحة قانوناً رياضياتياً يسمى (قانون بِنفورد Benford’s Law) تنقاد له كلّ الظواهر الطبيعية، لن أحكي عن تفاصيل هذا القانون ؛ لكنه شيء عصي على التصديق طبقاً للبداهة العامة التي تقود محاكمتنا المعقلنة للظواهر، تناولت الحلقة الخاصة بالاسلحة النووية تفاصيل لايدركها إلا المتخصصون التقنيون بحقل العلوم والهندسة النووية ومنها، على سبيل المثال، كيف يمكن استخدام عناصر اشعاعية ناجمة عن التفجيرات النووية في الكشف عن الاعمال الفنية الأصيلة وتمييزها عن تلك المزوّرة ؛ أما الحلقة الأخيرة فقد تناولت الغيوم بمقاربة فريدة من نوعها ؛ فقد كشف لنا مقدّم البرنامج تأريخاً مختصراً لكيفية التنبؤ بالطقس عبر جمع البيانات المحلية في مناطق مختلفة من العالم، وكيف أنّ التقدّم المضطرد في بناء النماذج الحاسوبية للانماط المناخية المتوقعة تطلّب تطوير الحوسبة السحابية Cloud Computing التي صارت معلماً متفرّداً في علم الحاسوب المعاصر.

ساهم مقدّم السلسلة (لطيف ناصر) في إضفاء قدر عالٍ من الدينامية والحيوية عليها. نقرأ في سيرة ناصر أنه كنديٌّ من أصول تنزانية، درس في جامعات أمريكية عديدة وكانت له مواهب فنية مميزة (ساهم في مسرحية « حياة غاليليو غاليلي « لمؤلفها الاشهر برتولت بريخت عندما كان طالباً في جامعة دارتماوث)، ثم انتهي به الامر ليحصل على شهادة دكتوراه في تأريخ العلوم من جامعة هارفرد.

يعلّق ناصر على عمله في هذه السلسلة في سياق حوار معه نُشِر في صحيفة النيويورك تايمز في 19 آب 2020 :

(عندما كنتُ طالباً في المدرسة الثانوية كان العلمُ بالنسبة لي أشبه بكتاب منهجي textbook ضخم سلّمه أحدهم لي قائلاً : « هاك كتاباً يحوي معظم الاجابات لأسئلة لطالما تساءلت عنها، بل وربما حتى لم تسألها أصلاً. « هذه هي الطريقة التي ندرّسُ بها العلم في مدارسنا. أدركتُ في الكلية (ثم أثناء دراستي في الدراسات العليا لاحقاً) خطل هذه الطريقة. المعرفة الحقيقية لاتقدّمُ إجابات جاهزة بقدر ماتستحثُّ أسئلة أخرى في سلسلة لاتنتهي...........).

قد يتفاجأ المشاهد (العربي بخاصة) عندما يشاهد ناصر وهو يقدّمُ هذه الحلقات المتسلسلة ؛ فهو يبالغ في حركات اليدين والعينين بطريقة تجعله يبدو أحمقَ (كما يصف هو نفسه)، وقد تتضاعف المفاجأة إذا علم المشاهد أنّ ناصر حاصلٌ على شهادة دكتوراه في تأريخ العلوم ؛ يعلق ناصر على هذه الحقيقة بقوله أنّ هذه الدهشة العفوية التي ترتسم على وجهه وعينيه إنما هي ردة فعل تلقائية ستجتاحُ كلّ من له شيء من فضول علمي وشغف بالأفكار الكبيرة الخبيئة في ثنايا عالمنا الذي نعيش فيه دون ندرك الكثير من تلك الافكار التي يمكن وصفها بِـ (السحر الحقيقي) و (الاناقة الفاتنة) ؛ وبالتالي فإنّ هذه الدهشة هي علامة نزاهة فكرية حقيقية.

يرى ناصر أنّ المعلومات هي المادة الأولية التي يمكن توظيفها في فهم الأنساق الكبرى في عالمنا ؛ إلا أن هذه المعلومات ليست بذات أهمية مالم نتوفر على تدريب وافٍ وشغوف بالأنساق الكبيرة، وأنّ مثل هذه السلاسل المعرفية يُرادُ منها زرع ثقب أسود في عقل المشاهد بحيث تكون له قدرة مميزة (أشبه بالقدرة المغناطيسية) على تمييز الانساق الشاملة ومعرفة الروابط الخفية المشتبكة بينها.

دروسٌ كثيرة يمكن تعلّمها من مشاهدة هذه السلسلة (وشبيهاتها)، منها : التغيير الواجب في نمط الثقافة السائدة لدى الانتلجنسيا العربية، وضرورة التعامل بالمنظور النسقي تجاه منظومات الفكر والمعرفة وعدم جعلها جزراً متناثرة كأنها ممالك خاصة مستقلة بذاتها، والتغيير الواجب إحداثه في منظومة التعليم وبخاصة بعد شيوع نمط التعليم الالكتروني وتوفّر منصّات التعليم المفتوحة ومصادر المعرفة المجانية.

قد لاتُتاحُ لكثيرين منّا فرصة قراءة جدّية في كتب مرجعية تتناول الأنساق الدينامية المعقدة لأسباب كثيرة أهمّها أنّ هذه الكتب مكتوبة بلغة إنكليزية قد لايتقنها معظمنا فضلاً عن المستوى التقني الذي ينطوي عليه هذا الموضوع لكونه يتحرّك في نطاق الجبهات العلمية المتقدمة ؛ إنما يبقى متاحاً لنا متابعة أمثال هذه السلسلة العلمية لنمتلك معرفة بسيطة بما يحدث في العالم من تطورات تقنية ؛ فنحنُ في نهاية المطاف جزء من هذا العالم ومتأثرون حتماً بما يحصل فيه .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top