أين العراق من العلم.. التكنولوجيا والإبداع آمال و تحديات مستقبلية ؟

آراء وأفكار 2021/04/20 10:25:10 م

أين العراق من العلم.. التكنولوجيا والإبداع آمال و تحديات مستقبلية ؟

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

خصصت الأمم المتحدة 21 من نيسان يوماً عالمياً للابتكار والإبداع أخذةً بالاعتبار أنه ومع توفر تفهم عالمي لهذه المفاهيم إلا أنها تغطي تعابير تحمل معاني متنوعة تختلط فيها قضايا تخص الفن والثقافة ، وأخرى ترتبط بإهمية إيجاد حلول ناجعة للمشكلات والأزمات الاجتماعية – الاقتصادية تتمحور حول إنجاز أهداف الألفية الثالثة للتنمية الإنسانية المستدامة ،

من هنا أيضاً يأتي تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة وللتنمية – الاونكتاد UNCTAD - للعام 2021 تحت عنوان «التكنولوجيا والإبداع – الامساك بموجات التكنولوجيا (الإبداع والمساواة)» ويعد من أبرز التقارير الدولية التي ينتظر من حكومات الدول النامية وبضمنها العراق الاهتمام بها بصورة شاملة معمقة تترجم ما توصلت من نتائج علمية وتكنولوجية على أرض الواقع مع الاستعداد لبلورة ستراتيجية مستقبلية للتنمية الإنسانية المستدامة من منظور يستحقه العراق والعراقيون بعد طول آناة ومعاناة من تخلف في المجالات العلمية – التكنولوجية والإبداعية التي سبق للعراق ولوج مناهجها العلمية منذ بدء إنطلاق حضارة وادي الرافدين قبل 7000 عام قبل الميلاد .

تقرير الاونكتاد الأساسي يغطي تكنولوجيا التخوم Frontier Technology التي تتضمن عدداً من المحاور الحيوية : الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence ، آلية الروبوتكس Robotics ، والدرونز Dronesوالبايوتكنولوجي Biotechnology وغيرها الكثير مما يسهم في إثراء تقارير دولية متخصصة أخرى إن نفذت بنودها ستؤدي إلى إحداث نقلة نوعية إيجابية في مجالات التنمية الإنسانية المستدامة ما سيشجع الالتزام بها ديمقراطياً – أخلاقياً، علماً بإن لهذه التكنولوجيات المبدعة بعض التأثيرات السلبية على حياة مجتمعاتنا : سياسياً – أمنياً – عسكرياً وفي ميدان حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

الإشكال الرئيس يشير إلى أننا وإن إتجهت أبصارنا وآفاق تطلعاتنا لآمال إيجابية بنتيجة استخدام آليات العصر الالكتروني في تحسين أحوال البشر إلا أنه ليست هناك ضمانات تؤكد أن نوعية الحياة سترتقي مستقبلاً ، خاصة وإننا نجد بعض التطبيقات العلمية والتكنولوجية تخفق في مجال التنمية الإنسانية المستدامة ، ما يخلق فجوات تعمق الانقسامات الدولية بين دول تتمتع بإمكانات مادية كامنة ضخمة (إقتصادية – مالية – تكنولوجية) معززة بشبكات للحماية المجتمعية وأخرى تفتقد إلى أبسط البسيط من مثل هذه الإمكانات ما يجعل من الصعوبة بمكان غلق مثل هذه الفجوات التنموية الإنسانية.

يضاف إلى ذلك ، ما تخلفه يومياً جائحة كورونا – 19 من آثار سلبية تصعد من درجة المعاناة الإنسانية من تفشي للبطالة وللفقر بصورة لايمكن وصفها أو تقديم وصفات سحرية ناجعة لعلاجها ، من الأمثلة البارزة الواضحة إنعكاس حالة عدم المساواة بين سكان المناطق الفقيرة – المحرومة – والأخرى الثرية التي تتمتع بغنى كبير جدا “فاحش” على إيصال الأموال اللازمة للحماية الاجتماعية – الاقتصادية لمستحقيها مع تفاقم في سوء إدارة وتوزيع الطعوم “المصول” إلى سكان المناطق التي تقع على خط الفقر أو أدنى منه (حصتها تصل إلى 1.90 دولار يومياً) . قضايا إنسانية بالمجمل تستحق منا أن نركز ملياً عليها مع توجيه نقد موضوعي لدور المؤسسات الدولية التي تحتكر سوق التكنولوجيات والبرمجيات الالكترونية الحديثة جيث وصلت قيمة تداولها ما يقارب 350 بليون دولار ، ومن الموقع أن تصل إلى 3.2 ترليون دولار في عام 2025 .

إن موجات التكنولوجيا الحديثة المتلاحقة تجعل من الصعوبة بمكان للدول النامية اللحاق بها دع عنك الإمساك بتلابيبها وبخيوطها الرفيعة المعقدة ، من هنا يأتي تقرير الاونكتاد الأخير ليشكل دافعاً قوياً للدول النامية للحاق بمسار التحديث التكنولوجي إستعدادا للقادم من التطورات الإبداعية السريعة التي تمنح فرصاً حيوية لترجمة النظريات إلى تطبيقات عملية ستنعكس – إن توفرت الإرادة والإمكانات البشرية والمادية - إيجاباً على مستويات ونوعية الحياة The Quality of Life . الأخيرة وفي المراحل السابقة كانت تجد في كمية استهلاك الكهرباء مثلا مقياساً لتقييم توعية الحياة إلى جانب مؤشرات أخرى مجتمعية – معرفية – علمية – اقتصادية.

انطلاقاً مما تقدم على الدول النامية ومن ضمنها ولاشك العراق أن تضع في حسبانها وضمن أجندة أولويات إهتمامها بثلاثية : العلم ، التكنولوجيا والإبداع – STI- Science , Technology and Innovation. ولعل الشاعر العراقي الأصيل السيد علي الشرقي يصدق في كل كلمة تفوه بها – في ديوانه الشعري - عن مدى حيوية إعطاء العلم ما يستحقه من مكانة متميزة في المجتمعات :

آمنت فيك وحب العلم إيمان فآية العلم إنجيل وقرآن

العلم للمجد والعلياء مرشدنا المرشدان له عقل ووجدان

إن التوجه الرشيد المخطط له جيداً - من صميم القلب والعقل والوجدان - لطلب العلم يقر بعدم وجود تمايز أو محاباة بين البشر أو الدول كما أكد شاعرنا :

ما أختص بالعلم قوم دون غيرهم

كالشمس ليس لها أهل واوطان

وإنما العلم بين الناس مقتسم

يسوسه إثنان نقصان ورجحان

هذا وللعلم وللتكنولوجيا (المصاحبة له) قيمة عليا لايوازيها مال أو ثمن وهنا ومرة أخرى يصدق شاعرنا السيد علي الشرقي بالقول :

ما فقدك المال حرمان وإن زعموا

جهلاً ولكن فقد العلم حرمان

إن تصورنا لضرورة مواكبة العلم ، التكنولوجيا والإبداع للسياسات التي تعتمدها الدول ومنها العراق يجب أن يرتكز على أسس الانسجام والتكييف المتناسب مع درجة التطور الاجتماعي – الاقتصادي والبيئي . ترتيباً على ذلك ، لابد من تنمية قدرات العاملين في قطاعات الدولة الاساسية “تقليدية وتحديثية مبتكرة” بهدف منحهم فرصاً حيوية يمكن استثمارها لتطوير الطاقات والكفاءات والمهارات التي تعظم موارد الدولة «مادياً وبشرياً» في ظل عصر علمي – تكنولوجي سريع الإيقاع يتبارى فيه المتنافسون على تحقيق الأهداف الستراتيجية للتنمية المستدامة في 2030 . ضمن هذا السياق لابد من الإسراع في بناء القدرات الإبداعية Innovative Capacities تسهيلاً لبناء الطاقات البشرية الكفوءة التي بإمكانها نقل خبراتها العلمية والتكنولوجية وأفضل ممارساتها المهنية بصورة تبادلية – نفعية توضح مدى أهمية التواصل والاتصال الرقمي السريع بين الأمم والشعوب.

إنعكاساً على العراق لابد لنا من تقديم إضاءة مركزة موضوعية عن مسار التكنولوجيا والإبداع في إطارنجاح منظمة اليونسكو – UNESCO – في تصميمه بالتعاون مع المؤسسات العراقية تجسدت في تقرير إتخذ العنوان التالي : “إعادة إنتعاش العلم ، التكنولوجيا والإبداع في العراق (خارطة طريق) “، الخطة الستراتيجية أو «خارطة الطريق» تتضمن مقدمة وأربعة أقسام رئيسة:

القسم الأول تناول مجموعة من القضايا التي تعد بمثابة أولويات يفترض أن تحظى بالاهتمام من قبل النظام العراقي عناوينها الاساسية ترتكز على تطوير قطاعات العراق التنموية والخدمية ( اقتصاد – مال – مجتمع – صحة -تعليم – علوم- بيئة – نقل واتصالات وغيرها) في ظل تصور مستقبلي يفترض بإن يلبي من ناحية الاحتياجات والمطالب الاساسية ومتصدياً للتهديدات وللتحديات التي تجابه الشعب العراقي على مديات زمنية قصيرة –متوسطة وبعيدة من منظورمكمل . ما يدفع النظام السياسي أن يتابع معالجة الإشكالات والأزمات بإنتظام من خلال تبني الحوكمة والإدارة الرشيدة Good Governance .

أما القسم الثاني من التقرير فإنه يطرح مقترح إعادة التأهيل للبحث العلمي Rehabilitation of Scientific Research بصورة تتفق مع تلبية إحتياج ملح “لإعادة إنعاش النظام العلمي – التكنولوجي والابداعي»، ترتيباً على ذلك تتم عملية بناء و تعزيز «الامكانات المتنوعة مادياً وبشرياً» للنظام السياسي لمواجهة التهديدات والتحديات الستراتيجية - الإنسانية الراهنة والمتوقعة ، من منظور ستراتيجي إذن، لابد للنظام السياسي إذا ما أنتهج الإبداع Innovation أن يعمد لخلق الوظائف المناسبة التي تحظى بالأولوية للتنمية الاجتماعية – الاقتصادية والمواكبة للتغييرات التكنولوجية الجديدة تحجيماً لظاهرة الفقر التي تعاني منها محافظات العراق بنسب متفاوتة ، الأكثر انتشارا نجده في عدد من مناطق جنوبي ووسط العراق (45 - 52%) بل وحتى في مناطق الشمال (الموصل) والغرب (صلاح الدين والأنبار) ، ترتيباً على ذلك يمكن ملاحظة تطوراً سلبياً آخر في مؤشرات ومستويات ونوعية التعليم حيث يمكن رصد تباين أعداد الأشخاص الذين يرومون الانتماء للنظام التعليمي في مستويات الدراسات العليا والبحث العلمي بين المناطق ذات المستوى المقبول نسبياً في نوعية الحياة المجتمعية –الاقتصادية (بغداد ، البصرة ) مقارنة بالمناطق الفقيرة أو المحرومة في المحافظات الأخرى حيث تتصاعد نسب الجهل والأمّية.

عقب إقرار خارطة الطريق رسمياً يمكن للجهات المعنية أن تؤسس مرحلياً قوة للمهام المركزية Central Task Forceتتمتع برؤية إصلاحية – مؤسسية يتشكل تكوينها المؤسسي من فريق عمل يضم أعلى مسؤولي وخبراء الوزارات والمؤسسات المعنية بالتنمية الانسانية المستدامة ، تصورها الأساسي يرتكز على إنجاز مهمة محددة تتضمن إعادة هيكلية شاملة للدور المؤسسي للعلم وللتكنولوجيا من خلال تأسيس اللجنة العراقية العلمية – التكنولوجية – الابداعية حيث سيعهد إليها دور فاعل في إعادة إنعاش الفعاليات والنشاطات العلمية – التكنولوجية والابداعية .

أما القسم الثالث من تقرير اليونسكو نجد فيه الرؤية الستراتيجية المنتظرة للنماذج التنفيذية للخطة التنموية التفصيلية المقترحة حيث تتضح ماهية سلسلة النشاطات والنماذج المطلوب تطبيقها ضمن أولويات زمنية ومكانية . . كل ما تقدم يفترض أن يجري بصورة دقيقة نسبياً رصداً وإنسجاماً مع المعطيات “المعلومات” المتوفرة ذات المصداقية التي يجب أن تواكب الاحتياجات والأولويات والأطر الديمقراطية - السياسية الوطنية.

أخيراً القسم الرابع يتناول ملخصاً لستراتيجيات تمت صياغتها من قبل وزارات التعليم العالي والبحث العلمي في العاصمة بغداد وفي إقليم الشمال «كردستان» بهدف تحسين إمكانات البحث العلمي والتكنولوجي من خلال إعتماد سياسات ، مبادرات ونشاطات وموازنات تعطي للبحث العلمي وللتطبيقات التكنولوجية الإبداعية – التنموية قيمة عليا مستحقة من الناتج القومي الإجمالي (GNP)، مايدفع لتأسيس جديد مبدع للأكاديمية العلمية العراقية National Scientific Academy يضم ليس فقط النشاطات المعروفة ثقافياً – تاريخياً – ولغوياً لتضم نشاطات حيوية مجتمعية – إقتصادية - علمية – إنسانية معاصرة لم يتم استيعابها بالشكل والمضمون المطلوب بما يناسب ويواكب عصر الإبداع التكنولوجي.

إن الاستفادة من أدوار مراكز الأبحاث العلمية – التكنولوجية – الإبداعية في مختلف مجالات الحياة الإنسانية سيسهم برفع مكانة العراق في المجتمع الدولي لتتناغم مع جزء يسير من مسيرة حضارية ثرية بالإنجازات المبدعة سبق للعراق ولوجها .

تكنولوجيات يفترض أن توفر خدمات إنسانية كبرى تواكب عصر ال G5 للاتصالات الالكترونية تنسجم مع متغيرات عصر الفضاء والابتكارات الرقمية - التكنولوجية – الإبداعية بعيداً عن التوجهات السياسية المحتكرة للقوة ، تصور حيوي «مثالي» لتحسين نوعية حياة السكان ونقل متبادل مفيد للتجربة «العلمية – التكنولوجية” العراقية متلاقحة مع تجارب القوى الأخرى ( دول ، منظمات غير حكومية ومجتمعات مدنية “شبابية” ) بالاستناد على قاعدة علمية – تكنولوجية مبدعة (STIF) - Scientific Technological Innovative Foundation تتمتع بمصداقية أخلاقية – قيمية تعيد للعراق آلقه الحضاري واحترامه لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

تعليقات الزوار

  • د. عبد الجليل حسن

    احسنت التقديم نتمنى ان يلتفت المعنيون لمدونتكم والاخذ بها.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top