عندما يتساوى الرقيب والمراقب في صفة الفساد تنعدم الرقابة ( شاهدٌ من التاريخ)

آراء وأفكار 2021/04/21 10:25:29 م

عندما يتساوى الرقيب والمراقب في صفة الفساد تنعدم الرقابة ( شاهدٌ من التاريخ)

 سالم روضان الموسوي

إن جميع الأعمال التي نقوم بها تكون خاضعة لرقابة من نوع ما، منها رقابة الضمير ورقابة الله عز وجل ورقابة البشر على البشر وغيرها ، والرقيب الأعلى هو الله عز وجل بقوله (إن الله كان عليكم رقيباً) وفي قوله تعالى (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ، وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ، وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)،

أما على مستوى الإدارة العامة وإدارة شؤون العباد في البلاد فان الشريعة الإسلامية أقرت مبدأ الرقابة وهي متعددة الجوانب متكاملة الأبعاد، فهي رقابة علوية من الله سبحانه وتعالى على البشر، وعلى سائر الأعمال ورقابة إدارية من الرئيس على المرؤوس ، ومن القائد على أفراد المنظمة ، ومن الراعي على الرعية، ورقابة شعبية من الأفراد على الرؤساء وعلى غيرهم من الأفراد في سلوكهم، والرقابة الإدارية في الإسلام كما يراها بعض الكتاب بأنها رقابة مزدوجة تجعل من القائد قدوة راشدة و مثلاً طيباً يحتذى به من جانب مرؤوسيه، ولديه من الإدراك والوعي ومن المعرفة ومن الخلق القويم ما يؤهله للقيام بهذه الوظيفة، حتى لا يكون كمن يأمر مرؤوسيه بأعمال ولا يفعلها وينهاهم عن سلوكيات وهو يأتي بمثلها، فذاك أمر معيب ومثلبة ومنقصة بحقه على وفق قول الله تعالى (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتب أفلا تعقلون)، ف الرقابة لها أنواع وأهمها الرقابة القضائية ورقابة الإدارة وكذلك وجود أجهزة رقابية أخرى مثلما موجود الآن في العراق من وجود ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة ومكاتب المفتشين العموميين قبل إلغائها وكذلك الادعاء العام، فضلاً عن رقابة السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية وهي الرقابة البرلمانية، وجميع هذه الجهات تعمل على مراقبة الفاسد ومحاسبته لضمان سلامة وصيانة المال العام، وتكاد تكون الرقابة القضائية أهمها لأسبابٍ عدة منها حياد القاضي وثقة الناس بأحكامه، كما أن القضاء له الرقابة والمحاسبة، فهو الذي يحكم على الفاسد ويصدر الأحكام باستعادة الأموال، وهذا ما جعل كل الشرائع السماوية والوضعية أن تهتم بالقضاء وباختيار القاضي وتوفير الضمانات له حتى يؤدي واجباته بالشكل الصحيح، فهذه الأجهزة الرقابية على تعدد أنواعها نجدها غير قادرة على كبح جماح الفساد في العراق في الوقت الراهن، وكثرت الأقوال في طرح الأسباب منها ضعف القوات الأمنية وانفلات السلاح والإرهاب الذي كان سبباً رئيساً في ضعف أداء الأجهزة الرقابية، قد يكون لهذا السبب مقبولية نسبية، إلا أننا وجدنا عشرات بل مئات العاملين في هذه الأجهزة الرقابية تصدوا للفساد وقدموا أنفسهم وأهليهم قرابين في سبيل مكافحة الفساد، ولم تثنيهم كل أسباب قوة الفاسدين، لذلك أرى بأن أهم سبب في ضعف المكافحة إن الرقيب يكاد يتساوى مع المراقب في صفة من صفات الفساد فيضعف موقفه، لأنه غير قادر على محاسبة ذلك الشخص الموضوع تحت المراقبة، إذا ما كان هو من يقوم بها ويأتي أعمال الفساد، فإن حجته أضعف وسلطته أوهن من أن تقابل وقاحة الفاسد، ومن الشواهد التاريخية ما رواه (وكيع الضبي) الذي عاش في عهد الدولة العباسية وهو قاضٍ وباحث, وعالم بالتاريخ والبلدان وتولى القضاء في الأهواز وتوفي في بغداد عام 306 هجرية، و في كتابه الموسوم (أخبار القضاة وتواريخهم منشورات المكتبة التجارية الكبرى في مصر طبعة أولى عام 1947 ـ ج2 ـ ص135) قد روى حادثة تاريخية تقرب الصورة إلى أسباب انكفاء الرقابة تجاه تغول الفساد بسبب ضعف الرقيب وجموح الفاسد الموضوع تحت الرقابة، واذكرها للاستدلال والاستئناس والتذكير وكنت قد اطلعت على هذه الرواية في كتيب صغير، هدية من احد الزملاء الأفاضل، للباحث بدري محمد فهد والموسوم (تاريخ الشهود ـ مطبعة الحكومة عام 1967ـ بحث مستل من مجلة كلية الشريعة ـ ص50) وهذه الواقعة على وفق الأتي (ذكرت الروايات التاريخية واقعة عن قاضي البصرة في زمن هارون الرشيد واسمه عمر بن عثمان التيمي انه شهد عنده رجل فسأله كيف يجرؤ على أداء الشهادة عنده فقال:  تجترىء تشهد عندي، وقد شهدتك في مجلس فِيْهِ غناء وشراب، فَقَالَ: الرجل: شهدتك في مجلس أنت المغني وأنا المستمع؛؟ فهل يجوز لك أن تكون قاضياً ولا يجوز أن أكون شاهداً فقال القاضي : بلى فأجاز شهادته وقبلها.) كما وردت واقعة تاريخية أخرى في ذات السياق عندما منع القاضي شاهداً من أداء الشهادة لأنه يعمل مؤدِب (تعليم القران) ويتقاضى عن ذلك أجراً، لان القاضي اعتبر اخذ الأجر بمقابل تعليم القران مثلبة ومنقصة على الشاهد تخل باستقامته ونزاهته، فما كان من الشاهد إلا أن رد عليه بقوله وأنت أيضاً أيها القاضي تأخذ أجراً على القضاء بين المسلمين وهي من الواجبات الكفائية، فكان القاضي يتعلل بأنه اكره على تولي القضاء، فرد عليه الشاهد، إن أكرهوك على تولى القضاء فأنهم لم يكرهوك على قبول الأجر، وبعد هذه المحاججة ضعف قول القاضي وارتقى قول الشاهد، فما كان من القاضي إلا قبول شهادته، هذه الرواية نقلاً عن الباحث بدري محمد فهد في ذات المصدر المشار إليه أعلاه وهو نقله عن ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ـ منشورات الاعلمي للمطبوعات في بيروت ج5 ـ ص46، لذلك فان تساوي الرقيب والمراقب يؤدي الى ضعف الرقابة، فتنتهي آثارها وتصبح كأنها والعدم سواء، ويكاد قول ابو العتاهية في هذا الباب أكثر انطباقاً على من يزعم أن يحارب الفساد وهو من يفسد في الأرض فيقول ابو العتاهية (يا من يعيب وعيبُه متشعبٌ  .....كم فيك من عيبٍ وأنت تعيبُ) فعمله لا يحمد عليه بل يعد من الشنار عليه إذا ما زعم بأنه ينهى عن الفساد ويحاربه وهو من يأتيه ويحميه وعلى وفق وقول الشاعر (لا تنهَ عن خلُقٍ وتأتيَ مثلَه ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم) لذلك ولمن يتبجح عبر وسائل الإعلام بأنه النزيه الشريف والرقيب العتيد والأمين على أموال الشعب والأمة التي تعاني من شظف العيش وسوء الحال، عليه أن يبتعد عن ما يجر إليه الشبهات، أما الذين لم نلمس منهم غير القول دون الفعل فاذكرهم بقول أبو الأسود الدؤلي (يأيها الرجلُ المعلّمُ غيرَه .... هلاّ لنفسك كان ذا التعليمُ ،،، ونراك تُصلح بالرشاد عقولنا ..... أبدًا وأنت من الرشاد عديمُ،،،، إبدأ بنفسك فانهَها عن غَيِّها ...... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم)، ولاحظنا كيف أن رؤوساً كبيرة تدعي الاستقامة والنزاهة وإنها تعمل في مراقبة شؤون الأمة بحكم عملها في الرقابة البرلمانية أو التنفيذية قد أطيح بها، وهذا يوضح لنا أن السبب في تغول الفساد اشتراك الفاسد وبعض الرقباء في صفات وشبهات الفساد، وفي السلطة التشريعية ذات الصلاحية الرقابية الأجهزة الحكومية التي يعشش فيها الفاسدون، نجد عشرات طلبات رفع الحصانة عن أعضاء مجلس النواب الحالي والسابق فهذه وإن كانت مجرد تهم لم تثبت إلا أنها تعطي للمتابع مؤشر على وجود شبهة تضعف من دور الرقيب في الرقابة والمحاسبة.

قاضٍ متقاعد

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top