قرأت لك ..  هان كانغ ترصد الحياة في  النباتية

قرأت لك .. هان كانغ ترصد الحياة في النباتية

علي حسين

رواية " النباتية " للكاتبة الكورية الجنوبية " هان كانغ " والتي حصلت من خلالها على جائزة البوكر عام 2016 تقدم لنا الكاتبة من خلالها صورة بالغة الروعة والدقة عن الوضع الاجتماعي الذي تعيش فيه المرأة في العصر الحديث ،

وتطرح أسئلة عن الظلم والتمرد والاختلاف بين البشر ، والجنون الذي يصيب الإنسان في لحظة ضعف من خلال حكايات أبطالها.

في الصفحة الاولى من الرواية يخبرنا السيد تشيونغ عن زوجته التي قررت فجأة الامتناع عن تناول اللحوم وطبخها، وهو يعطينا انطباعاً عن نظرته الى زوجته هذه : " لم أكن أرى شيئاً مميزاً في زوجتي قبل أن تصبح نباتية ، وأقولُ بصراحةٍ إنني لم أشعر بانجذابٍ نحوها حين رايتها أول مرَّة " فهي في نظره : " قليلة الكلام .كانت القراءة – لسبب غير معلوم – شيئاً تغمس نفسها فيه ، تقرأ الكتب التي تبدو مملة الى درجة أنني لا استطيع أن احمل َ نفسي على مطالعة أكثر من اغلفتها " .. لماذا أصبحتُ نباتية تبرر الزوجة " يونغ هاي " فعلها هذا بحلم رأت فيه فمها وثيابها ملطخة بالدماء ، ووجهها ينعكس في بركة دم ، فيما تمسك بسكين تقطع به أصابع يدها ، بعد ذلك الحلم تبدا تتحول إلى كائن يتصرف بغرابة، فلا تطيق اللحوم ولا تطيق الاقتراب من زوجها وملامسته والنوم معه ، لأنه يذكرها برائحة اللحوم ، الزوج الذي يشكو تصرفات زوجته يبدا باثارة حملة ضدها تدفع والدها إلى معاقبتها بضربها ، ووضع اللحم بالغصب في فمها، ترد على العقوبة بقطع شرايين يدها، وعندما تنقل الى المستشفى تقرر خلع ثيابها والوقوف في حديقة المستشفى على يديها ورأسها كالشجرة حيث تحلم بأوراق تنبت من جسمها، قائلة إنها لم تعد حيواناً وإنها تحتاج فقط الى الماء والضوء. .إنها تتذكر الآن حياتها حيث كانت ضحية لعنف الأب الذي ظل يضربها حتى بلغت الثامنة عشرة من عمرها .

في القسم الثاني من الرواية سنتعرف على زوج شقيقتها ، مخرج أفلام فديو ، يُفاجأ ذات يوم حين يرى ملصقاً لعرض مسرحي فيه رجال ونساء عراة إلا من رسوم لأزهار ملونة على أجسادهم . . خطرت له فكرة تصوير فيلم حين علم من زوجته أن على جسد شقيقتها علامة ولادة زرقاء صغيرة اشبه بالنبتة، كانت " يونغ هاي" بشعة ربما مقارنة بزوجته، لكنها تشعُ طاقة، وبدت له مثل شجرة في البرية، يزورها في المستشفى متظاهراً أن شقيقتها قلقة عليها، توافق في النهاية على فكرته أن يصوّرها،

في الاستوديو، يرى العلامة الشاحبة الزرقاء – الخضراء، يرسم جسمها بالأزهار بدءاً بالعلامة، ويصوّر نفسه وهو يرسمها، كان جسدها جسد شابة جميلة يُفترض أن يكون موضع الرغبة، لكنه خلا منها تماماً لرفضها الحياة فيه وتركها لجمالها يذبل مع الأيام .

بعد منحها جائزة البوكر أكدت اللجنة المشرفة على الجائزة أن هان كانغ نجحت في " النباتية " بـ " إظهار التلاحم الطريف بين الجمال والرعب عبر قصة مركزة ودقيقة ومروعة، عن امرأة تستحيل إلى نباتية بين يوم وليلة دون أي مسوغات، سوى الكابوس الذي نبش حلماً من أحلامها في إحدى الليالي" ، وقال الناقد البريطاني بويد تونكن الذي رأس لجنة تحكيم البوكر أن : " هذه الرواية الموجزة والمقلقة والمكوّنة بشكل جميل تتّبّع رفض المرأة العادية لجميع الاتفاقيات والافتراضات التي تربطها قسراً بمنزلها وعائلتها والمجتمع في أسلوب غنائي يكشف عن تأثير هذا الرفض الكبير على كل من البطلة نفسها وعلى من حولها، سوف يظل هذا الكتاب الصغير والرائع والمزعج طويلاً في العقول ، وربما في أحلام قرائها. "

تطرح هان كانغ في " النباتية " فكرة المعاملة السيئة للنساء ، فالبطلة حين تتحول إلى نباتية تُلام بشدة، ويَصِمونها بالجنون، وكأن ليس من حقها أن تختار، بل هذا الخيار الحرّ نحو ما يلائم شخصيتها لا وجود له في عالم المرأة المتزوجة، هذا الانتهاك الذي يتعرض لحريتها الشخصية ربما هو المبعث الأساس لفشل حياتها الزوجية، ليس هذا فحسب، بل إن الرواية أيضاً تظهر طبيعة المجتمعات التي لاتتقبل اختلاف الآخر، قالت " هان كانغ " بعد فوزها بالبوكر :" "أردت أن أصف امرأة يائسة لم تعد تريد أن تنتمي إلى الجنس البشري. فالبشر يرتكبون العنف ، فكيف يمكن لي أن أتقبل أن أكون أنا واحدة من هؤلاء البشر؟ هذا النوع من المعاناة دائماً يطاردني ".

ولدت هان كانغ في كوريا الجنوبية عام 1970 ، نشرت أولى محاولاتها الأدبية وكانت مجموعة من القصائد عام 1993 بعدها نشرت عدداً من القصص القصيرة ، والروايات فازت بجائزة يي سانغ الأدبية وجائزة الكاتبة الشابة ، كما فازت بجائزة مان هاي الأدبية وتعمل حاليا أستاذة في قسم الكتابة الإبداعية في معهد سيئول للفنون..في طفولتها عشقت الكتب من خلال والدها الذي يحب جمع الكتب :" كنت محاطة بالكتب دائماً على الأرض وفي كل زاوية وركن حيث غطت الكتب كل شيء ما عدا النافذة والباب فقد أبقى والدي المكتبة متنامية وأذكر أني شعرت دائماً بأن الكتب كانت توسعية بمعنى أنها كانت في وفرة مستمرة إلى حد أنني فوجئت عندما زرت منزل صديقي ورأيت كيف أنه أفتقر إلى الكتب " .، ستتذكر بعد سنوات بيتاً من الشعر، كانت قد قرأته للشاعر الكوري يِي سانغ :" أؤمن بأنْ لا بُدّ للبشر أن يكونوا نباتاً" .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top