كارثة إبن الخطيب.. ضحايا حاليون للتذكّر وضحايا سابقون للنسيان!

آراء وأفكار 2021/04/26 09:53:42 م

كارثة إبن الخطيب.. ضحايا حاليون للتذكّر وضحايا سابقون للنسيان!

 د.فارس كمال نظمي

في إحدى نظريات علم النفس الاجتماعي المختصة بالتأثير والإقناع، تم اشتقاق القاعدة الآتية: ((التفاعل أو التعاطف مع الضحية يرتبط عكسياً مع المسافة الفاصلة عنها، فوجود الضحية في مرمى البصر القريب يجعلنا أكثر انفعالاً وغضباً مما لو سمعنا بها أو قرأنا عنها أو لمحناها من بعيد فقط)) .

فاجعة مستشفى إبن الخطيب ليلة أمس، جعلتنا في مواجهة بصرية مباشرة مع الضحية (أي الإنسان المقهور/ المحروق مجاناً، دون ذنب شخصي أو مبرر منطقي أو مسوغ فني فوق بشري). وهذا ما استدعى هياجاً تعاطفياً معها لدى الجمهور الغاضب المغلوب على أمره. أما القادة السياسيون ممن اعتادوا على تصفير عداد الضحايا في كل مرة، فقد قرروا (كما في كل كارثة ينتجونها) إجراء “تحقيق” زائف ستنتهي أوراقه سريعاً إلى المزابل أو الرفوف المهجورة.

الضحية المرئية في كارثة مستشفى إبن الخطيب، ليست إلا تكثيفاً بصرياً ونوعياً لجوهر الضحية العراقية الكبرى المستترة خلف واجهة الزمن الذي يجري حرقه كل يوم على يد المنظومة السياسية ذاتها: نهّابة الريع، وقاتلة الشباب، وهادمة الدولة، ومفتتة الهوية، وسارقة المستقبل، والمتاجِرة بـ”سلعة” الوطن دون كلل في سوق الدين السياسي.

فأعداد غير محدودة من مواطني العراق، وعلى مدى أكثر من نصف قرن، احترق (ويحترق) معظمهم بصمت، بعيداً عن شاشات التلفاز، في مراجل الحروب والاستبداد والفقر والتطرف والفساد، ماتوا (ويموتون) قتلاً أو مرضاً أو تفجيراً أو حرماناً أو كمداً.

مأساة إبن الخطيب تخاطب وجداننا بشكل مباشر، لكي نستحضر الضحية العراقية الكبرى الموزعة أشلاءها الصامتة خلف الكواليس، ونعيدها إلى واجهة الشاشات. وكل هذا ليس لغاية إعلامية أو عاطفية تطهرية مؤقتة، ولكن لأن الكواليس اكتظت بما يفوق استيعابها لحشود الضحايا غير المرئيين.

ما حدث في بغداد ليلة أمس، كان مشهداً صادماً مباشراً واحداً من ضمن بانوراما مأساوية شاسعة ما برحت تتغلغل في أنفاسنا وأعماقنا دون أن نجرؤ على التحديق التفصيلي والمباشر بها، بل نعمد كثيراً على إنكارها رغبوياً.

الحلول لم تعد تكمن في أروقة السلطة المنتهية الصلاحية، الحلول باتت تتبلور تدريجياً في طيات السوسيولوجيا السياسية، إذ سيتكفل الحراك الاحتجاجي تدريجياً باستنطاق واستظهار مشهد الضحايا الموزعين في النسيان، ليعيد إلى الواجهة – ما استطاع إلى ذلك سبيلا- فكرةَ القصاص والحق واسترجاع التوازن بين كفتي المالكين والفاقدين.

ضحايا ابن الخطيب الجدد، هم ضحايا لمرتين: ضحايا الحرق والإهمال والفساد والرثاثة الحالية، وضحايا العزوف عن إنصاف ما سبقهم من طوابير ملايين الضحايا الراقدين بعيداً عن الكاميرات، في نعوش التغييب والقهر والألم.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top