((العنف والخراب)) والسقوط بالتدمير الذاتي .. قراءة في رواية إسماعيل سكران

((العنف والخراب)) والسقوط بالتدمير الذاتي .. قراءة في رواية إسماعيل سكران

د. نادية هناوي

السيرة شكل من أشكال التخييل، وبسبب تعدد صور كتابتها لا يشترط فيها أن تكون ميثاقاً مرجعياً بالمفهوم الذي حدده فيليب لوجون للكتابة الاتوبيوغرافية. واعني بتعدد صور كتابتها موقع المؤلف / السارد/ الشخصية داخلها من ناحية الإحالة المرجعية على صوت الأنا فيها.

وكان لوجون قد عرَّف السيرة الذاتية بأنها كل» حكي استعادي نثري يقوم به (شخص واقعي) عن وجوده الخاص وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة « ولكن ماذا لو قامت بهذا الحكي الاستعادي النثري الشخصية الساردة نفسها (شخصية متخيلية) لا تتطابق مع المؤلف لكنها تؤثر في هذا الحكي الاستعادي؟ هل يبقى شكل اللغة المحكي بضمير الأنا والموضوع المطروق واحداً ؟

لقد اهتم فيليب لوجون صاحب كتاب( السيرة الذاتية في فرنسا) كثيراً بالعلاقة بين الرواية والسيرة الذاتية، ووجد فيها إشكالية و»قضية مقلقة نظراً لتكرار البراهين والغموض الذي يكتنف المصطلح واللبس في إشكاليات مستعارة من مجالات لا رابط بينها» (السيرة الذاتية الميثاق والتاريخ الأدبي، ص21)

وبسبب هذه الإشكالية قرر في ختام مناقشته لعلاقة الرواية بالسيرة الذاتية إلى اعتماد تسمية( رواية السيرة الذاتية) وقال:» سأطلق هذا الاسم على كل النصوص التخييلية التي يمكن أن تكون للقارئ فيها دوافع ـ ليعتقد انطلاقاً من التشابهات التي يعتقد أنه اكتشفها ، إن هناك تطابقاً بين المؤلف والشخصية في حين أن المؤلف اختار أن ينكر هذا التطابق أو على الأقل اختار أن لا يؤكده»( السيرة الذاتية الميثاق والتاريخ الأدبي، ص37 )

لذا اشترط للتطابق بين المؤلف والسارد والشخصية (ميثاقا) تتم بموجبه كتابة السيرة الذاتية، وقسم التطابق إلى: تطابق ضمني وتطابق جلي، على أساس أنّ السارد والشخصية هما الصورتان اللتان تُحيل إليهما داخلَ النص ثلاث ذوات: ذات التلفظ/ السارد، وذات الملفوظ/ الشخصية، وذات المؤلف/ المرجع ( المصدر السابق، ص51ـ52)

وهذا يعني أن هناك سيرة ذاتية أخرى تنتج من استبعاد ذات المؤلف هي سيرة الشخصية التي تطابق صوتها مع ساردها بضمير الأنا..

ولا شك في أن الكتابة السيرية الذاتية هي في العموم كتابة تحكي تاريخ شخص يحكي عن نفسه بضمير الأنا تضخماً أو تواضعاً أو تعويضاً أو تسامياً من نمط ما سماه جينيت (السرد القصصي الذاتي) ومن ثم يكون شرط التطابق بين الثلاثة( المؤلف/ السارد/ الشخصية) غير متحقق دائماً، لكون الفعل الاتوبوغرافي أشبه باوتوبورتريه مرسوم من منظور استعادي فيه تتوفر إمكانية التبادل الحر بين السارد والشخصية.

وهذا الاضطراب في علاقة الرواية بالسيرة الذاتية الذي حاول لوجون أن يعالجه بمسمى(رواية سيرة ذاتية) تنبه له اندريه موروا أيضاً فتساءل «هل ثمة ما يوصف بالسيرة الحديثة؟ هل ثمة شكل أدبي يختلف عن شكل السيرة التقليدية؟ أهي مثل الرواية وسيلة للتعبير وسيلة خلاص للمؤلف مثلما هي للقارئ ؟ هل ثمة نمط للسيرة يمكن أن نسميه حديثاً ويمتلك سمات محددة وثابتة معينة تميزه عن أعمال السيرة لعصر سابق ؟» (أوجه السيرة، ص16)

ووجد أن الأمر عائد إلى علم النفس وتأثير الرغبات التي تجعل الشخصية تعيد تشكيل روحها وحركتها من خلال تدمير نفسها، يقول موروا «يشكل الروائي أشخاصه، يبنيهم من مشاعر تفعل الواحدة بالأخرى فعل الدواليب المسنّنة بعضها بالبعض الآخر»( أوجه السيرة، ص45).

ووفقاً لنظرية العبور، فأن التداخل بين الرواية والسيرة الذاتية سيظل مجرد توصيف ثيماتي حسب، أما التجنيس فهو ( رواية) كمصير نهائي لا بد أن يؤول إليه أمر التداخل بين الاثنين (الرواية والسيرة) وقد تجسرت المسافة بينهما، فتغلبت الرواية لتضم السيرة في قالبها الذي هو من المرونة والرسوخ ما يجعلها قادرة على التجاوز بالتحول والاحتواء ثم العبور، علماً أن الرواية لا تعبر على السيرة الذاتية حسب بل تعبر على السيرة الغيرية الترجمية والسيرة السياسية والسيرة النسوية واليوميات والمذكرات والاعترافات والقصص القصيرة والدراما وقصيدة النثر فضلاً عن عبورها على أنماط وتقنيات أخرى أيضاً.

وهذا العبور هو ما نجده في رواية( معزوفة العنف والخراب) لإسماعيل سكران والصادرة عن دار ومكتبة عدنان ببغداد 2019. وفيها يتماثل السارد والشخصية بصوت الأنا ذاتياً في صيغتين سرديتين:

الأولى/ سرد ذاتي فيه البطل يسترجع قصة عودته بعد ثلاثين عاماً من الهجرة إلى بلده العراق، لا لزيارته وإنما بطلب رسمي للعمل فيه بصفة عضو في لجنة ( سرية للإصلاح)

الثانية/ سرد سيري يبدأ السارد بتدوينه من 1979 وينتهي بالعام 2017 ويختزلها في ست عشرة سيرة أي بعدد سنوات الاحتلال، فارداً لكل عام صفحة سيريّة يدوّن فيها تاريخه الشخصي موجزاً ما فيه من ملاحقات واختباء وهروب لينتهي عند اللجوء في بلد المهجر(هولندا) وقد امتلك لغة وهوية جديدتين وبهما تمكن من صنع حياة مستقرة، فدرس ونال الدكتوراه وتوظف وتزوج وكون أسرة، أسماء أفرادها كلها هولندية ( الزوجة مونيك والابن سام والحفيدة انكه).

ولم تعد بغداد بالنسبة إليه سوى ماضٍ يتفلت من ذاكرته وهو يحاول تسطيره على الورق خشية فقده للأبد.. لاسيما أن عمله السري في بغداد جعله يدرك أن هذا الماضي المتفلت من ذاكرته صار يتفاعل مع الحاضر القابض على ضميره فيندمجان في شكل ذاتي سيري « فأنا اكتب سيرتي الذاتية حيث يتداخل الحاضر بالماضي اكتب على شكل خواطر أي كل ما يخطر على بالي أما الأشياء التي لا تخطر على بالي فأنا شديد الأسف على نسيانها لأنها ربما ستسلط الضوء على جانب مهم من شخصيتي» الرواية،ص31

وتنشأ بين السارد البطل وفراس الشخصية الثانوية علاقة صداقة وطيدة، سببها هذا التماثل فيما بينهما في العمل السري واللاالتزام الأخلاقي والانزواء الاختياري في عالم خاص بعيداً عن المواجهة ومخاطرها، فالسارد البطل مطارد اختار المنفى بعيدا عن أتون الحرب والحصار والاحتلال، وفراس عاطل وجد بغيته في مبغى النخيل فكان حاميه. ولان المبغى داخل حي شعبي قريب من الفندق الذي يقطن فيه السارد، لذا كان أمر التقائهما منطقياً، وقد توافقت رغباتهما في الانحلال بعيدا عن أي التزام، يدلل على ذلك قول السارد عن فراس:» كلما التقيته استغرب من عدم اكتراثه لما يحدث حوله من فوضى وحين قلت له ذلك قال إنه اعتاد على سماع هذه السيمفونية الصاخبة معزوفة العنف والخراب نارهم تآكل حطبهم لا يعنيني ما يحدث خارج مملكتي وحريمي» الرواية،ص43.

وبتوازي السرد الذاتي مع السرد السيري يتوكد الانهيار الأخلاقي الذي وقعت فيه شخصيات الرواية كلها، الرئيسة والثانوية وأولها الحاج توفيق الذي عرف كيف يوفق بين ما هو رسمي وغير رسمي، وثانيها بنات المبغى اللائي اتخذنه ملاذاً من تجارب فاشلة، وثالثها المسؤول الكبير الذي يردد مقولة (أنا الدولة العميقة) وصاحب الولائم الدسمة.

وقد حاول السارد تبرير سقوطه الأخلاقي بأمرين : الأول بالتحرر من الانتماء الإيديولوجي الذي « لقد تحررت أنا ومنذ زمن بعيد من عبودية تلك الانتماءات الوهمية واستطعت العيش متصالحاً مع الأشياء التي تحيط بي ..فانا الآن انتمي إلى هذا العالم المتسامح هولندا الذى منحني جنسيته واسمه وإنسانيتي. « الرواية،ص50

والثاني: بكتابة سيرة ذاتية لتاريخه «الذكريات كانت أشبه بنسمة هواء عابرة لم تترك في نفسي أثرا سوى الاستذكار وحسب لقد كان زواجي من مونيك بمثابة قارب إنقاذ من حالة الضياع التي كنت أحياها جعلتني هولنديا مخلصا.» الرواية،ص72

بيد أن تصاعد الأحداث وتأزمها بما كان يجري في مطعم تاج الملوك مطعم الطبقة السياسية ومقر الصفقات المريبة، سيؤكد المنزلق الأخلاقي الخطير الذي وقعت فيه شخصيات الرواية وفي مقدمتها السارد الذي دفعه صراع المصالح إلى الاستسلام واليأس» أيقنت من خلال حدسي أن ما نقوم به هو مجرد عبث لن يسفر عن نتيجة وإضاعة وقت وهدر للزمن .. لماذا وافقت على الاستمرار في تلك اللعبة حتى بعد اكتشافي لعدم جدواها وأنها مجرد تزجية للوقت واستعراض حكومي على قوى الفساد والاستقواء عليها وإشعارها بأنها تحت رقابة السلطة»الرواية، ص72

لذا غض النظر عما شاهده من فساد وإتلاف للمال العام لكنه قبل أن يقبض الصفقة بلا أدنى شعور بالنقص في أنه صار واحداً من أولئك الفاسدين « لسبب ما غضضت الطرف عما يجري من حقائق أمامي ولم أسال الحاج توفيق لمَ يبالغ في صرف ما هو فائض عن حاجتنا فكل شيء مدفوع الثمن.. كان الإنسان الذي يعيش معي في اللاشعور ينتفض في داخلي ينتفض بشدة ولكنني بعد أيام الدولار الأخضر روضته وفق معايير النزاهة الحديثة» الرواية، ص73

وهذا البناء الفني الذي فيه تَضاربَ السرد الذاتي للحاضر الأسود بالسرد السيري للماضي الزاهي، كان قد آزره البناء الموضوعي الذي فيه تضاد البطل مع نفسه بين إنجاز المهمة التي جاء من أجلها وبين التملص منها. وقد دلل على هذا التآزر وذاك التضاد عنوان الرواية الرئيس الذي اكده قول السارد» أدركت أن الخراب قد عم كل نواحي الحياة في البلاد وانه يعزف لحنه الأبدي، معزوفة الخراب، فالدمار تسلل من خانات السياسة واقتحم خلايا المجتمع» الرواية،ص123.

وبهذا تكون السيرة الذاتية التي كتبها السارد وأراد فيها أن تكون وثيقة مشرّفة له، قد تحولت بالسرد الذاتي إلى وثيقة إدانة لكائن لم يعد له وجود حقيقي. وفي هذه النقطة يتجلى ـ كما يقول اندريه موروا ـ ضعف كاتب السيرة أمام الروائي، ويتضح أيضاً أن الرواية جنس له من المؤهلات ما يجعله عابراً على السيرة الذاتية فنياً وثيماتياً معاً.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top