اعتراف الرئيس بايدن بإبادة الأرمن .. العدالة المتأخرة أكثر من مئة عام

آراء وأفكار 2021/04/27 10:44:46 م

اعتراف الرئيس بايدن بإبادة الأرمن ..  العدالة المتأخرة أكثر من مئة عام

سعد سلوم

يظل استمرار الإبادة الجماعية في العالم الحديث دليلاً على الطبيعة المختلة للنظام الدولي المحكوم بمصالح ضيقة لدول محددة، وقد بدأت منذ صعود الاستعمار الذي اطلق أول عمليات إبادة للقضاء جسدياً على السكان الأصليين، مؤسساً لسياق يصعب التخلص منه دون عمل جماعي داؤوب ودائم وتحالف عريض للضحايا من الشعوب.

وقد سبق للرئيس التشيكي “فاتسلاف هافيل” طرح فكرة عن ضرورة نقل “السلطة” الى مستوى آخر. (الى أعلى والى أسفل). وفي سياق تحذيره من خطر نموذج الدولة القومية، أكد على أهمية الحديث عن حكومة عالمية، أو مستوى أعلى من الحكم يتجاوز نموذج الدولة/الأمة.

في نظر “هافيل” نقل السلطة السلمي كفيل بتوفير فرصة جديدة لتجاوز مساوئ الدولة القومية، نقل السلطة من الدولة القومية إلى المنظمات العابرة للحدود الوطنية والعالمية وإلى المؤسسات المتعددة في المجتمع المدني، أي إنها عملية نقل للسلطة الى أسفل بتفعيل المجتمع المدني، والى أعلى عبر إيلاء المنظمات عابرة الحدود سلطة أكبر.

الدول في نظر “هافيل” ينبغي أن تكون كيانات أبسط وأكثر تحضراً وليست موضوعاً للارتباط العاطفي، فالمجتمع الدولي وليس الدولة/ الأمة، ينبغي أن يكون موضع السيادة ومصدر وحامي الحقوق الإنسانية الأساسية.

ولا شك أن “هافيل” كان يتحدث عن مقاربته لتأسيس مستوى جديد من السلطة الأكثر عدالة وهو يضع في ذهنه ما أدى إليه نموذج الدولة القومية من إبادات باسم التجانس القومي، منذ النموذج الأول المتمثل بالابادة الأرمنية التي ستظل مثالاً على الإبادة الجماعية التي تنظمها الدولة وارتباطها بظهور الهوية القومية والصلات الوثيقة بين القتل الجماعي للسكان المدنيين، وتعريف وتصنيف المجموعات والأفراد.

وإذا كانت الإبادة الأرمنية حددت سياق ظهور الدولة/الأمة على النمط الحديث وما ارتبط بها من إبادات من أجل خلق نوع من التجانس القومي، فإن ظهور داعش اليوم يحدد دور الفاعلين من غير الدول، أو بعبارة أخرى دور الفاعلين في عصر ما بعد الدولة/الأمة.

الأرمن : الأقلية الأكثر إندماجاً في المجتمع العراقي

شعر الأرمن خلال العقود التي أعقبت الإبادة وتصرفوا على هذا الأساس : إنهم عراقيون ويجب أن يندمجوا تماماً بالمجتمع العراقي الأوسع. ويمكن أن نشير في هذا السياق الى التضحيات التي قدمها الأرمن في الحروب التي خاضتها الدولة العراقية، منها الحرب العراقية-الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات مع إيران وحرب الخليج الثانية 1991. والمفارقة إننا يمكن أن نتصور وجود شواهد قبور لأحفاد الأرمن الهاربين من الإبادة بسبب الحرب العراقية الإيرانية على كلا الجانبين من الحدود، فقد قاتل الأرمن في إيران والأرمن في العراق في كلا البلدين في هذه الحرب غير المبررة.

- استقبل الأرمن الفارين من الإبادة جميع العراقيين، بكافة طوائفهم وأعراقهم وأديانهم، لكننا نشير بشكل خاص الى استقبال الأرمن من قبل الإيزيديين (ضحايا الإبادة الجماعية على يد داعش التي أرتكبت بعد قرن من إبادة الأرمن). وهناك ذكريات لا يمكن محوها عن هذا الفرار والاستقبال الجماعي، وما تزال مغارات في جبل سنجار تحتوي على عظام الإيزيديين مختلطة بعظام الأرمن، إذ هرب الجميع الى الجبال العالية لحماية أنفسهم وأطفالهم من قسوة ألة التدمير والإبادة.

هل هي، أيضاً، مأساتنا جميعاً ؟

في نيسان عام 2015 أرتفعت شارة الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية (زهرة … لا تنساني) في خلفية مؤتمر دولي أقامه الأرمن العراقيون في بغداد احتفاءً بالذكرى.

ترمز الزهرة إلى الإخلاص وعدم النسيان، وهما لا يتلازمان مع رمز إحياء الذكرى المئوية فحسب بل هما سمتان تميزان الشخصية الأرمنية خلال قرن من (عيشها بين) (وتعايشها مع) العراقي المسلم سواء كان عربياً أم كردياً أم تركمانيا أم شبكياً أو فيلياً، ومع بقية ممثلي التنوع الديني المسيحي من كلدان وآشوريين وسريان، كما بقية الأقليات الدينية من الإيزيديين والمندائيين والبهائيين والكاكائيين.

كان هذا ما يميز الأرمن على الدوام : الإخلاص لوطنهم الأم وأوطانهم البديلة في الشتات، وعدم نسيان الإبادة الجماعية وفضل الشعوب الأخرى عليهم في الوقت عينه. في هذا السياق الإستعادي لفرادة الوجود الأرمني في الشرق الأوسط علينا أن نتذكر المآساة الأرمنية بوصفها مآساتنا جميعاً.

كيف نمنع الإبادة المقبلة؟

هذا سؤال يتعلق بالمستقبل، لكنه يتمحور أيضاً حول فهم قوى الماضي، ومن هنا أهمية إحياء الذكرى لكي لا تتكرر مرة ثانية،

1 -التحرر من لعنة الماضي

أعتقد أولاً أن علينا عدم التركيز كثيراً على الماضي؛ وأن نبقى أسرى الى رماده، بقدر ما نحلل قوى الواقع في الحاضر والتي تعيد إنتاج أخطاء الماضي وفظاعاته، ومن ثم ننتقل الى تحليل كيفية استخدام هذا الماضي وكيف يتم تصوره. مثل هذا التحليل كفيل بكشف الهياكل المعرفية للسلطة وكيفية استخدام النخب السياسية “سماسرة الهوية” الماضي خدمة لإغراضهم».

2 - مقاومة انفراط التعددية

من خلال ذلك نستطيع إلقاء ضوء على فهمنا المعاصر للهوية والعدالة والتعايش بين الأعراق، وهو ما يشكل بالنسبة للعراق وسكان المنطقة بشكل عام سؤالاً جوهرياً يتعلق بمستقبل بلداننا في ضوء انفراط التعددية وتصدع العلاقة بين الدولة والمجتمع، وسيرورات الإبادة المرتسمة في العراق وسوريا، وما سيتبعها من إبادات في جميع دول المنطقة التعددية بما فيها دول الخليج نتيجة فقدان الثقة بين الجماعات الأثنية».

3 - التصدي للتلاعب بالذاكرة

ترتبط المشاعر البدائية العدائية منطلقة العنان بطرق التلاعب بالذاكرة، وخلق مستويات او مظلوميات، مشكلة من ذكريات الآلم أو الظلم الحقيقي أو الوهمي استثماراً لسياسات سماسرة الهوية المعاصرين ونخب البزنس الاثنوطائفي، وعلى نحو يحفز أتباعهم على القتل لتحقيق مكاسب سياسية ومصالح ضيقة».

خطاب الضحايا يكرر في لوم عميق فكرة أن القوى الدولية السائدة متواطئة على الدوام في الإبادة، أو مشاركة فيها من خلال الصمت والنسيان. وهناك مفهوم خيالي سائد اسمه “المجتمع الدولي”، من السذاجة أن نثق بوجوده خارج المصالح الراهنة للقوى المهيمنة على النظام الدولي.

1 - هناك بالطبع اعتراف ألماني رسمي حالي بمسؤولية ألمانيا الجزئية عما حدث للأرمن في عام 1915، مع تسليم بوقائع التاريخ التي تقول بإن السفير الألماني في تركيا نجح في أن يقنع حكومته بالوقوف الى جانب حكومة تركيا الفتاة للاستفادة من دفع الأرمن الى صحراء العراق لتؤمن الحكومة الألمانية اليد العاملة مجاناً من أجل تنفيذ مشروع سكة حديد بين بغداد واسطنبول (الحلقةالأثمن في أسطورة سكة حديد بغداد/برلين). بل وجد جنود ألمان في القرى التركية شاركوا في إبادة الأرمن وتجارة السبايا الأرمنيات آنذاك! (بنية الاسترقاق الشبيهة باسترقاق الإيزيديات اليوم).

2 - بريطانيا العظمى بدورها باعت الأرمن مقابل مصالحها في قبرص، كما باعت اليهود المشرقيين والعرب بعد الاستقلال عّن الامبراطورية العثمانية وخانت الآشوريين في العراق في أمثلة أخرى مقابل مصالحها.

3 - أما الأميركيون، مقصد كل إقلية مضطهدة، فلم يوقعوا على اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948 إلا في عام 1988، وأوباما الديمقراطي الذي وعد اثناء ترشيحه كسيناتور بالاعتراف بالإبادة تجنب ذكرها في خطبه حين أصبح رئيساً، ترامب استثمرها بطريقته الشهيرة في الابتزاز، أما بايدن فهو أول رئيس اميركي يصف ما ارتكب بحق الارمن بأنه “إبادة جماعية”، لكن ليس واضحاً ما النتائج المترتبة على ذلك بالنسبة للعلاقات الأميركية التركية او الأميركية الأرمنية.

4 - في التسعينيات برز مثال قبيح في القارة الأفريقية، صمت غربي عن فظاعات ما حدث من الإبادة الجماعية في راوندا، والأمم المتحدة وضعت رجلا على رجل تتفرج. والفرنسيون أصحاب مبادىء الإخاء والمساواة زودوا الإباديين بالأسلحة، ونقلت الصحافة عن ميتران قوله “لا يهمنا ما يحدث وليس في مصلحتنا».

5 - في سياق فظاعات داعش ضد الأقليات في سوريا والعراق وضد الإيزيديين بشكل خاص في سنجار، جاء التدخل الدولي بعد الابادة، وبقي مصير السبايا الإيزيديات يخضع لتوظيف خطاب داخلي/دولي، دونما تحرك فعلي.

راقبوا العراق يتحطم منذ 1991، ولن يتحركوا اليوم اذا لم تلُح مصلحة في استثمار العراق كفناء خلفي أو سوق تصريف منتجات أو ممر جغرافي لنقل إمدادات الطاقة أو الأسلحة أو المقاتلين أو قطعة في مشروع الحزام والطريق الخ

فكرة تحالف الضحايا العالمي

1 - فشل المؤسسات الرسمية الدولية وعدم الثقة بالدبلوماسية الدولية التي تتجنب المواجهة الصريحة عدا ما يمثل مصالحها الضيقة، يدفعنا الى الدعوة لتشكيل لوبي عالمي للضغط من أجل الاعتراف الذي يحمل اثاراً رمزية تتعلق بشفاء الذاكرة الجريحة أكثر من مردوداتها على صعيد القانون الدولي.

2 -وأن يعمل هذا اللوبي لتمكين المجتمع الدولي من اتخاذ خطوات عملية لتحسين رد الفعل على الإبادة الجماعية المقبلة مع توفير محاكمات دولية رمزية للجناة سواء كانوا أفراداً أو حكومات على غرار محكمة الشعوب الدائمة، والتحرك لفضح طبيعة وآليات استثمار الضحايا لتغذية مصالح النخب السياسية التي تتاجر بالكراهية.

3 - الفكرة أن التحالف سوف يكون غير رسمي، ويقوده مثقفون وناشطون مدنيون ورجال دين، كي يتبلور في مواجهة المصالح الدولية ونخب البزنس الإثنوطائفي، إنه تحالف يقوم على خطوات عملية تمكن أعضاؤه من العمل الجماعي العابر للحدود

4-ينطلق تحالف الضحايا من إحياء الذكرى المئوية من جهة، ومن أرض العراق بالذات، حيث تجري مذابح يومية وسط صمت اقليمي ودولي من جهة، ومتاجرة نخب بزنس اثنوطائفي من جهة أخرى، بدماء الضحايا وعلى نحو يهدد البلاد بالانقسام والتفكك ودورات من العنف المتكرر».

***

أخذني شابٌّ ناجٍ في جولة داخل المدرسة التي جرى تجميع سكان القرية فيها، قبل تصنيفهم وإبادتهم من قِبل مقاتلي “داعش”. كان يشير إلى صور عائلته بهدوء، وصورة أُختَيه اللتين قُتِلتَا، وكأنهما تنتميان إلى عالم آخر بعيد عن هذه القرية التي تحولت إلى متحف. بعدها، قادني إلى حقول القتل الجماعي، وأطلعني على المقابر الجماعية التي جرى جمع الرفات المكدس فيها من قِبل فريق الأمم المتحدة، التي أرسلت إلى العاصمة بغداد لأغراض الفحص والتعرّف إلى هويات الضحايا، في حين جُهِّزَت قبور للضحايا، ما تزال مفتوحة

أما المحظوظون من الإيزيديين الذين عَلِموا بتقدُّم رايات داعش السُّود باتجاههم، وأُتيحت لهم فرصة الهرب، فقد سلكوا الطريق نحو ملجأ الإيزيديين الوحيد (الجبل). لقد رافقتُ صديقًا إيزيديًّا عبْر طريق إلى جبل “سنجار”، الذي سلكه الإيزيديون هربًا من آلة القتل، تاركين كل ما يملكونه وراءهم. كانت الصور المنشورة عن هذه المسيرة المتجهة إلى الجبال المنعزلة والجرداء، تذكِّرنا بصُوَر المُرحَّلين الأرمن في الدولة العثمانية قبل مائة عام، والذين واجهوا الموت والعطش في صحراء سوريا وبلاد ما بين النهرين. لقد جرى ترحيل الأرمن قبل مائة عام من هضبة الأناضول باتجاه الجنوب الصحراوي المنبسط، لكنَّ الإيزيديِّين هربوا باتجاه الشمال حيث سقفُ السماء العالية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top