نهاية العقلاني..قراءة في كتاب  نزولاً من عتبات البيت  لسهيل سامي نادر

نهاية العقلاني..قراءة في كتاب نزولاً من عتبات البيت لسهيل سامي نادر

نوزاد حسن

القسم الثاني

يقر سهيل سامي نادر إنه عقلاني.هذا شيء جيد,ولا مشكلة فيه.لكنه يمضي بعيداً في اخضاع الحياة بكل عمقها الى منطق عقلي لا يتهاون أبداً في نفي أي شيء لا يفهمه العقل.

وقد تمثل هذا الأمر في إبعاده لعنصرين مهمين يلونان الحياة ويحكمان طبيعة السلوك البشري وأعني بهذين العنصرين الأحلام,والموت،لا يحتاج العقلاني الى أن يتوقف عند الحلم أو عند ظاهرة الموت ، إنه يكتفي بتفسير الحلم تفسيراً عقلياً,وكذلك يفسر الموت على أنه ظاهرة محتومة تقع في يوم ما،ينشغل العقلاني بنقد السلطة متناسياً الانشغال.ولا يعني كلامي هنا,أن الاحساس بالموت يتعارض مع العمل كنقاد للسلطة وغياب العدالة.ما أقصده أن الحياة كما هي تواجهنا فلا يمكن تحوير طبيعتها,ونسيان الموت وكأنه غير موجود ,وبعد ذلك ننغمس في عالم الأفكار الإصلاحية الى نهاية المطاف.

اذن لا بد هنا من تحديد مشكلة سهيل سامي نادر كي انتقل للحديث عن أسلوبه قبل فترة منفاه الدنماركي، واجه هذا الكاتب الحياة بعد أن استخدم العقل في تغيير جوهرها ، وهذه المحاولة العقلية هي طريقة تفكير جيل الستينيين بصورة عامة الذين أود أن اكتب عن بعض تجاربهم,ونقد أفكارهم.

يواجه العقل الحياة بقوة لا تهدأ,ويلغي كل ما هو غامض فيها، إنه يعتدي على قانون الحياة نفسه في أهم عناصرها,وأهم هذه العناصر كما قلت الحلم والموت، إن الموت كقانون الجاذبية تماماً لكن العقل البشري لا يستطيع أن يتجاهل هذا القانون إلا أنه يتجاهل الموت الذي لا يقل دقة عن قانون نيوتن العلمي، هذه العملية تقود الى بتر جزء كبير من التراث بسبب نشاط العقل المفرط . دعونا نسمي عملية تغيير الحياة بعملية صنع حياة باردة معزولة يظن المثقف أنه يسيطر عليها,ويمتلكها.

يتبع

7

إن جميع مقالات مرحلة ما قبل الدنمارك تعطينا هذا الإحساس القوي بان الواقع المباشر هو أهم من الحياة التي تقلصت في الكتاب الى حد باهت جداً، الواقع بكل ما فيه من علاقات اجتماعية وسياسية صار هو الحقيقة التي لا بد من أن يخضعها سهيل سامي نادر لمختبر التجربة,ويحللها كما لو كانت قطرة ماء ليعرف نوع البكتريا التي تتخذ من تلك القطرة عالماً .

في مقاله بعنوان "جبرا ابراهيم جبرا صورة رجل في نضوجه" تتضح لنا تلك المعالجة القاسية التي طبقها الكاتب وهو يتحدث عن جبرا في نهايته، لنؤكد هنا مرة اخرى عن اهمية تاريخ كتابة المقال,انه عام 1994، أول شيء يفعله سهيل سامي نادر هو عزل جبرا كعينة ستفحص بعيداً عن الحياة، إنه يملك الاداة لهذه العملية.قلنا انها عقلانية صارمة جداً، أول كلمة يقولها في مقاله هي:لنبعد الموت.هذه افتتاحية المقال ثم يبدأ سهيل سامي نادر بالحديث عن جبرا وهو يستعرض قدرته على التحليل,وتنويع بعض المعاني من خلال مزج الواقع بالفن كي يظهر جبرا في النهاية شخصاً غير قابل للفناء، نحن نحس بهذا جيداً،إن ما اقوله هنا دقيق جداً ويتعلق قبل كل شيء بمحاولة مارسها سهيل سامي نادر في كل مقالاته ما عدا بعض المقالات التي ساتحدث عنها لاحقاً، تقلص واقع جبرا وحمله سهيل سامي نادر الى المختبر,وهنا بدأ يحدثنا عن نموذج خالد سيتحول طيفاً أو روحاً خالدة.

في خطوة تالية يكرر نادر على مستوى آخر تجربته مع سامي محمد صديقه الذي تربطه به صداقة من نوع خاص،وسأتحدث عن تغير موقف سهيل سامي نادر فيما بعد,وهذا حدث بعد أن واجه وحدته في المنفى الدنماركي.

لكن ما أود الإشارة إليه هنا هو انشغال العقلاني بما هو موجود ويراه ويلمسه.قلت سابقاً إن العقلانيين يحاولون تقليص الحياة الى واقع محدود يخضع للعزل,وهذا ما نحس به ونحن نقرأ رثاء سهيل سامي نادر لصديقه سامي محمد الذي كتبه عام 2003,وكان هذا الرثاء شبيهاً بما كتبه عن جبرا في نقطتين اساسيتين هما:صنع نموذج خالد,وعزل عينة التحليل عن الحياة.

8

تُرى ما هي سمات أسلوب سهيل سامي نادر في المقالات التي كتبها قبل الرحيل للمنفى.؟

أظن أن ماركيز لو قرأ مقالات سهيل سامي نادر قبل هجرته لوصفها بانها مقالات تبعد الحياة وتقرب الواقع,وتتعامل معه، إن اعتراف ماركيز بانه لم يكن ليصبح روائيا لو لم يقرأ رواية السيدة دالاواي لفيرجينيا وولف يوضح لنا حقيقة مهمة جداً..وحين سئل عن سبب تأثره برواية السيدة دالاواي أجاب إن هذه الرواية غيرت مفهومه عن الزمن,وإنها "ربما اتاحت لي أن ألمح في لحظة واحدة العملية كلها لتفسخ ماكندو ومصيرها النهائي"رائحة الجوافة,ترجمة محمد العشري,دار الشؤون الثقافية ص 94"

ما معنى كلام ماركيز؟إنه يعني أن الحياة ظاهرة لا تقبل التقسيم أبداً، ويبقى الفناء,والحلم والتناقض قوى تواجه الإنسان وتؤثر فيه وتعطيه إحساسا جديداً ينعكس في الأسلوب الذي يكتب به.

إن تجريد الحياة من الموت,ومن الحلم,ومن التناقض يجعلنا نحصل على الواقع كما هو.ومن هنا تكون اللغة عبارة عن شبكة من الكلمات تسعى للسيطرة على تفاصيل الواقع وإخضاعها للجرس الصوتي للكلمة,كما أن اللغة تحاول أن تصنع معنى جديداً مقفلاً لا ينفذ إليه أي نور غير ما يراه المثقف المؤمن بافكاره العقلانية.

في أسلوب سامي نادر قبل منفاه نجد الحادثة وهي تخضع لوجهة نظر الكاتب العقلانية، إن الواقع مفصول عن الكاتب لكن هذا الواقع لا يتمتع بامتداد ساحر بل يتقلص الى حد ضيق جداً.هذا يعني إن اللغة لغة الكاتب تصبح محددة وعلمية,وغارقة بجدل لا يدع أي فرصة للصوت الآخر بان يظهر أو يقول كلمته.

9

نقطة أخرى مهمة تطبع أسلوب كل مقالات ما قبل المنفى وهي إن الواقع يصور بطريقة غريبة تشعرنا أن جبرا ابراهيم جبرا لم يكن موجوداً قبل كتابة سهيل سامي نادر عنه، وهذا ليس انطباعاً بل تحليلاً لايمان المثقف العراقي بأنه "كانتي الهوى" نسبة الى عمانوئيل كانت الفيلسوف الالماني الكبير.وسهيل سامي نادر يعترف بأنه كانتي بالسليقة,وعزا هذا الأمر الى يقينه بالواجب على طريقة كانت الفيلسوف الألماني، نزولاً من عتبات البيت,ص204.ودون أدنى شك أن هذا التبرير من قبل الكاتب عن علاقته بكانت ليس دقيقاً لأن المثقف العراقي يقترب كثيراً من كانت ، من ناحية أخرى تتعلق بفهمه لمعنى الزمان والمكان قبل أي شيء آخر.

الأسلوب في هذه الحالة يتحول الى مرآة صافية تعكس الواقع وتنفي عنه عناصره ليصبح مباشراً ومحدوداً وغير عميق، هذا كله بسبب طريقة الإدراك والوعي والوهم الذي يسقط فيه المثقف حين يظن بان تقليص الواقع وتصغير حجمه يجعلنا نفهمه ونسيطر عليه.

لننتقل الآن الى الحديث عن مقالات المنفى من كتاب نزولاً عند عتبات البيت، وقبل كل شيء أود القول إننا أمام لغة جديدة,وأسلوب آخر,وشعور دافئ لم نكن نجده في كل تلك المقالات التي تحدثت عنها في السابق.

في مقالات المنفى الدنماركي عادت الحياة بكل عمقها الى الواجهة، ظهر الموت الذي أبعده سهيل سامي نادر من حياته، لنتذكر أول كلمتين في مقاله عن جبرا، قال لنبعد الموت، كان ذلك عام 1994.أما في المنفى فقد ظهر الموت وصار مصيراً وقوة تفرض حضورها عليه، إن هذه المواجهة بين الموت وهو الظاهرة الأخطر في حياة البشر وبين الكاتب تأخرت كثيراً، لكنها حدثت وبشكل درامي جداً أشار إليه سهيل سامي نادر في أكثر من مقال.سأحاول أن أعيد الاعتبار للحياة بعد إعادة أهم العناصر إليها واعني بالعناصر الموت الحلم والماضي أيضاً.

10

في مقالة بعنوان "موت في كوبنهاجن,وأحاديث مع كيركغارد" يصوّر لنا سهيل سامي نادر عالماً مختلفاً عن عالمه السابق.هناك اختلاف جذري بين عالمين انتهى أحدهما,ودخل الى عالم آخر صوره في مقالات كتبها في الدنمارك.وفي مقاله هذا "موت في كوبنهاجن" أعادنا الكاتب الى حقيقة مهمة جداً تنبع من ضعفه كانسان يواجه ما يشبه العبث بعد أن تبخرت قوة التفسير العقلاني,ولم تعد نافعة له، لن أقول شيئاً من عندي، سانقل عنه باختصار موقفه إزاء الموت أولاً وأتحدث باختصار عن الحلم وكذلك عن وجهة نظره وهو يتحدث عن مفكر من طراز كيركغارد يظهر في منطقتنا.

يقول في بداية مقاله:"وأنا أُجرجر قدمي المتعبتين بمحاذاة سور المقبرة في النوربرو تخيلت في ساعة روحانية موتي,والتقائي بكيركغارد المدفون فيها" ص192".

أنا أسال هل هذا كلام عابر قاله نادر رغما عنه؟أظن أنني أمام حقيقة صادمة، فالوجودي كما عبر عن نفسه في المقال يتحدث عن ساعة روحانية، بالتاكيد هذا لم يكن يخطر ببال الكاتب قبل عقدين أو أكثر.

يضيف في الفقرة نفسها"لقد رأى الفيلسوف الوجودي الميت منذ مئتي عام شخصاً قصيراً يتعثر تحت نور شحيح بدا من مشيته أنه غير معتاد على موته بعد,غير مصدق ص192".لا أظن أن هناك ما هو أدق من هذه الملاحظة المهمة، فالواقع كان بلا موت والآن حلت الحياة بديلاً عن الواقع المجرد من صفاته الحقيقية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top