منزل فتغنشتاين ومكعب معاذ الألوسي: المنطق ونمط العيش

منزل فتغنشتاين ومكعب معاذ الألوسي: المنطق ونمط العيش

خالد مطلك

كتبت السيدة هيرمين، شقيقة فيلسوف اللغة لودفيغ فيتغنشتاين: "رغم إعجابي الشديد بالمنزل، كنت أعرف دوماً أنني لا أريد ولا أستطيع أن أعيش فيه بنفسي،

لقد ظهر في الواقع مثل مسكن للآلهة ، أكثر من كونه مسكناً لشخص فانٍ وضئيل مثلي ، بل لقد اضطررت في البداية إلى التغلب على معارضة داخلية ضعيفة لهذا المكان الذي يجسد "المنطق" وكما أسميته "الكمال الوحشي".

والسيدة هيرمين تشير هنا إلى البيت الذي صممه شقيقها الفيلسوف لأختها الثانية السيدة مارغريت، المعروفة بلوحتها الشهيرة التي رسمها لها غوستاف كلمت، وهي سيدة صارمة ودقيقة ومنطقية، لذلك سكنت هذا البيت مرتين، قبل وبعد فترة الحكم النازي.

لا أريد أن أكرر ما كتبته شخصياً عن هذا البيت في كتابي "تصدّع الجمال الأنثوي" ولكن من الضروري الإشارة إلى أن عنوان الفصل الذي وضعته له "بيت بنوافذ منطقية" لأنه صمم بعقلية منطقية صارمة باقتصادها في المساحات، وغير مرنة مع الاستخدامات الرياضية في كل التفاصيل؛ من النوافذ إلى مقابض الأبواب حتى مصابيح الإضاءة العارية.

بمعنى أن التصميم أنتقل من عقل الفيلسوف في مرحلته التي ترتبط بكتابه الأول ( تراكتاتوس) ذي النزعة التصويرية في اللغة، إلى بيت منطقي بالكامل، حتى قيل أنّه أَصَرَّ في اللحظة الأخيرة على رفع مستوى سقف غرفة المعيشة بمقدار ضئيل لا يتجاوز ال 30 ملم للحفاظ على النسب الرياضية الدقيقة للبيت.

قبل سنوات أتيحت لي زيارة عرضية لهذا المبنى، وفي الحال، وبعد الخطوات الأولى بداخله، تذكرت ملاحظة السيدة هيرمين. فهذا المنزل، يبدو للوهلة الأولى، غير مناسب لتلبية الحاجات الإنسانية ذات البعد الروحي والسيكولوجي والثقافي.

ف (Haus Wittgenstein )، كما صار يطلق عليه، هو عبارة عن تنظيم للفراغ مفرط بقسوته، أنه فضاء سكوني مصنوع من المستقيمات الحادة والعدائية وخطوط الشمس.

ثمة بيت آخر، لم تَتَسَنَّ لي زيارته، على الرغم من أنه على مسافة عدة كيلومترات من سكني في بغداد، ولكني أتوق للعيش فيه ولو لليلة واحدة في الأقل، ذلك هو "البيت المكعب"، الذي صممه لنفسه المعماري معاذ الألوسي، ليس لأنَه غير منطقي، بل، لأنَه صمم لتلبية حاجات شخص، هو أفضل من يتحدث عن معنى العمارة بوصفها تلبية لاقتراح نمط العيش.

لقد قرأت الكثير عن هذا البيت - المكعب، وشاهدت صوره وخارطته عدة مرات، وسمعت من الناس الذين يألفونه كثيراً من الشروحات، حتى أنني صرت أمتلك عنه تصوراً ميتافيزيقياً، وكلما تصادف أن عثرت على مقالٍ أو صفحة في كتاب تشير إليه، استدعي بيت فتغنشتاين بغرض المناظرة، لأن الأخير وكما أسلفت، ولِدَ من الفكر، من المنطق، أي أنه بيت عاقل تماماً ولا أقول عقلاني.

وإذا كان فردريك نيتشه، بفهمه الديونيسوسي للحقيقة، يعد جسد الإنسان كله بمثابة عقله الكبير، فإن معاذ الألوسي بنمط حياته، هو التمثيل الأصوب لهذا الفهم، لأن الذهنية المعمارية لديه، ترتبط بالضرورة مع سائر حواسه، التي تصطدم بكل ملذات الحياة ومباهجها الطبيعية مقرونة بوعيه المعماري، وهذا ما تفصح عنه ثلاثيته في أدب العمارة: نوستوس، توبوس، وذروموس، فالبيت المكعب، من هذه الزاوية، هو تجسيد للحياة، وليس للمنطق، مع أنه، ودون ريب، يتضمن منطقه الهندسي بداخله، ولئن ترددت شقيقة فتغنشتاين بإزاء "الكمال الوحشي" للبيت الذي يبعث بداخلها السأم، فإن معاذ الألوسي، وقبل أن يبدأ تصميم مكعبه، وضع نفسه أمام سؤال الحاجة للسكن، إذ يقول في مؤلفه الأخير خواطر في زمن الكورونا- رسائل في العمارة إلى وجدان:

"كان المطلوب عيشاً لا يتخلله الضجر، ومن ثم مكان لا يضجرُ فيه الإنسان، ولا يملُّ منه ساكنُه، أي فيه موجات متجددة وجميلة، اكتشاف تفاعلات ديناميكية تتعتق بمرور الزمن كالخمرة الجيدة، والبساط العجمي الجيد الذي يتحسن بالاستعمال، أي يعمر بالزمن".

هل سمعتم أن بيتاً يسكنه البشر يبنى من هذه اللغة، من هذه التصورات، من هذا الاختمار الروحي والعلاقة الحميمة بين الفرد ومأواه؟ بالطبع لم نسمع، غير أننا لا ننكر أن الإنسان عندما فكر بالانتقال من المأوى إلى المنزل، كان يفكر بحاجاته البشرية دون أن يصفها بهذه الروحية النادرة، التي تجمع بين الحفاظ على شهية الحياة وذهنية المصمم الجمالية.

في مكان آخر من كتابه المذكور، يؤكد لنا الألوسي فلسفته في التصميم - تصميم بيته الشخصي-:

"إذن، بهذا الأسلوب الغريب أجتر العيش الجميل فقط، أُغربل، أترك الغثيث يسقط من الذاكرة نهائياً، اختار المفاصل السعيدة من مجرى حياتي، مفردات كونت الأنا العليا، وهذه ال (هو)مخزن الرغبات والغرائز اللاواعية والدوافع المكبوتة".

ويستطرد في الصفحة ذاتها من الكتاب: "كان حجم التحدي كبيراً. أردت بيتاً يُعدّ خلاصة وزبدة ما تعلمته من دراساتي وترحالي في أرجاء الحضارات الأخرى، وقراءاتي المتنوعة. خليط من المزيج المعرفي. تصميم يفوق حتى تصوري، يعكس شخصيتي، ووجودي في مدينتي الأم ويمثل خصوصيتنا".

في الفصل الذي ضم هذه المقتطفات، والذي جاء تحت عنوان "البيت المكعب" يطرح الألوسي فلسفته لمعنى أن يشيد الإنسان بيته الخاص، والذي يحمل معه خصوصية مدينته. إنه ينقذنا من عمارة التكرار، من البيوت التي نشتريها دون أن نبنيها، أنه يعيدنا إلى حاجاتنا الإنسانية التي تخص كل فرد منا، وتنقذه من أن يكون مجرد شخص يسكن ما يقترحه عليه الآخرون، دون مراعاة لأمزجتنا الشخصية وطباعنا الثقافية، والتي يطلق عليها خبرتنا الخاصة أو "طباعنا المعمارية" أو الهابيتوس بلغة عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، الذي يمثل جوهر الشخصية والبنية الذهنية المولدة للسلوك والنظر والعمل، وهو في جوهره نتاج لعملية استبطان مستمرة ودائمة لشروط الحياة ومعطياتها عبر مختلف مراحل الوجود، بالنسبة للفرد والمجتمع. فمن هذه الطباع تتولد تصاميم الألوسي بعد المرور بحالة من " هياج وجداني عاطفي قبل أن تكون حالة مادية ملموسة".

فإذا كنا نقضي معظم حياتنا في بيوت لم نسهم في اقتراحها ولم نعط وجهة نظرنا بخرائطها، فهل نكون قد عشنا في بيوتنا؟

كتب فتغنشتاين أهم مؤلفاته في كوخيه: النرويجي والآخر على شاطئ غالواي في أيرلندا الذين اختارهما للعزلة، وألف مجايله مارتن هيدغر، أعظم كتبه في كوخه الفلاحي في الغابة السوداء، لأن الكوخ بتقديري يرتبط بحاجات الإنسان المباشرة، بعيداً عن أي نزعة تزيينية وكمالية، تتسبب في ذلك النوع من الاغتراب بين الإنسان ومسكنه.

وبذلك يحقق لهما المكان المتواضع فسحة من الصفاء والتصالح مع العالم بغية التفرغ لأسئلة العقل المحضة.

من هنا، يكون "مكعب" معاذ الألوسي بمثابة كوخ حاجاته المدينية، وشغفه الشخصي بالملذات النابعة من نمط عيشه "كشخص عابث يستمتع بكل ماهو جميل وأنيق ويحمل شيئاً من السخرية اللاذعة التي هي صنو التحدي".

ومن هنا أيضاً، يتوجب علينا أن نفكر بمعنى الفراغ الذي علينا الكفاح من أجل اقتراحه لأنفسنا، كبشر مصممين للتعايش مع اللانظام الذي تغذيه مزاجاتنا المتقلبة، وأهْواؤنَا التي يصعب ضبط توقيتاتها.

فالهندسة ضرورية لمسك توازن الكتل، واستخدام المواد بأقل حد من التبذير، لذلك كانت العمارة فناً يحد من غطرسة الخطوط المستقيمة والزوايا الحادة، لكي نحافظ على شيء من أسلوبنا الفردي والغريب في العيش.

إن البيت بحد ذاته يمثل معضلة، هو أحد مشكلات الإنسان التي فاجأته عبر تاريخه، لكي تنقذه من وحشة العراء اللذيذ في الطبيعة، وتمنحه الأمان المزيف، ووحده الفنان من استطاع نقل خبرة الطبيعة إلى مسكنه، وحده من أتقنَ فن استضافة الغرائز بين الجدران، وهذا الفنان هو المهندس البدائي، الذي لم يورطنا بالرياضيات إلى ما لا نهاية، لقد أخذ منها حاجته ونحاها جانباً، لأنه يود العيش بدوافعه وانفعالاته ونزوعاته الأولية وليس بمنطقه وحده.

نعم، إن معاذ الألوسي يتلاعب بعواطفنا، كما يتهمه بعض نقاده، دون أن يضعوا في حسابهم أن العمارة هي حاجة عاطفية في الأساس، حاجة بدائية وجوهرية برمجت في حمضنا النووي، ووجِدت الهندسة، ووجِد فن العمارة، لا من أجل التعتيم عليها، بل من أجل عقلنتها، فمن من هؤلاء يرغب في العيش ببيت نوافذه منطقية؟!

تعليقات الزوار

  • ريان أحمد

    « ووحده الفنان من استطاع نقل خبرة الطبيعة إلى مسكنه، وحده من أتقنَ فن استضافة الغرائز بين الجدران،«  هذه الجملة لا يكتبها إلا خالد مطلك، محظوظ معاذ الذي وجدَ مبدع كبير مثل خالد يكتب عن تجربته بمقال أجده أهم من التجربة نفسها.

  • بهاء مردان

    مقال مدهش عن دكتور معاذ الالوسي الذي صمم اجمل شارع في بغداد ( شارع حيفا)

  • عواطف الغريري

    الله الله الله هذه المقال بمثابة البيت الذي يتمنى المرء أن يخلد بداخله.!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top