قناطر: في فندق المقاولين

طالب عبد العزيز 2021/06/23 09:51:54 م

قناطر: في فندق المقاولين

طالب عبد العزيز

تتيح الاقامة في فنادق الدرجة الأولى ببغداد لنا، نحن القادمين من الجنوب معاينة الجانب الآخر من المدينة المزدحمة، ومما يعتمل داخل أروقة السياسة والاقتصاد والامن والمشاريع، ففي زاوية ما من أحد الفنادق، وسط العاصمة، حيث أقمت اليوم واليومين، وفي صباح يوم بغدادي، كالذي أريده لنفسي، بعيداً عن البيت ومواجعه ..

كنت قد اتخذتُ من زاوية في المطعم، باذخ الجمال، باطباقه المختلفة، وبروائح الاطعمة اللذيذة، كان صوت فيروز يعطر أوقة المكان التراثي، ذي الطراز العباسي، ويمنح الجالسين زاداً على زادهم .. أما طعم وحلاوة الكاهي بالقيمر فلا حدود لوصفها بقلمي، أنا الذي أدمنت البيض فطوراً صباحياً.

لكنَّ مجموعة بشرية مختلفةً سرعان ما التأمت على أحد طاولات المطعم، كانت قد قلبت الصورة تماماً. الدشداشة البيضاء الشفافة والملونة أحيانا، بالبزمة الضيقة على المعصم، منتصبة الياقة، والمُخصّرة عند البطن، والتي تتضح منها حدود التبّان(اللباس الداخلي) وما ينحشر فيه من أشياء بوضوح، مع قصة الشعر، محكوكة الخلف والجانبين، تتشاكل مع ممن نصادفهم من الصبيان القادمين من الاحياء الشعبية في المولات، بالنعل الصيني الرخيص.. ولا أسهبُ أكثر، فالصورة واضحة كما أرى. بدا لي أنهم نفر من المقاولين أو مخلّصي البضائع في الميناء وفي دائرة الجمارك، وربما كانوا في طريقهم لتسلم حصصهم، من المقاول الاكبر، صاحب الحزب السياسي، أو الزعيم ذي العمامة او ما يشبه ذلك.

كانت أصواتهم هي الاعلى بين الاصوات، وبدا لي أنهم لم يكملوا الحديث عن انتصاراتهم في حروب أعضائهم الليلية، بل وهناك مما اختلفوا أو اتفقوا عليه، لكنني رحت أسمع أصوات حركة المركبات رباعية الدفع، بزجاجها المظلم، وهي تغادر دائرة الجمرك الى بغداد تواً، أو التي لم تدخل الميناء بعد، وتلك التي توقفت قرب نقطة التفتيش، ورأيت اليد التي امتدت من نافذة الشاحنة، وهي تسلّم الحارس ورقة النقود الخضراء، وعبر بريّة الغربة والوحشة التي صرت اليها رحت أصغي لاتصالات طويلة، تقطع المسافات بين ملح مياه خور الزبير وسياج بغداد الاخضر، أو وهي تاوب ثانية لتصل رمل الرميلة بنقطة الحدود الشرقية .. ولأنَّ مناخ بهو الفندق قد انقلب فجأة، فقد أبعد صاحب الفندق أغاني فيروز الجميلة عن محطة بثه الداخلية، واستبدل شريطها بأغنية شعبية صاخبة، هي مما نسمعه في إذاعات الأحزاب الجديدة، أغنية حماسية تدعو للنصر وهزيمة المعتدي، ليكتمل المشهد تماماً.

هكذا، وجدنا أنفسنا-نحن مجموعة القرّاء- الذين تسلقنا جبل المعرفة ذات يوم، على أمل وصلنا الى عتبة يئسنا بتحققه، فقد أهملنا نادلُ المطعم، مثلما يُهملُ متسولٌ في تقاطع عام، وذهب يرتّب الطاولة لهم، فيما كانت أصواتهم تعلو وتعلو، وتضجُّ أصوات الملاعق مرتطمة بالصحون التي نثرها صاحبنا القديم بينهم.. هناك صخب راح يطوّق المكان بأجمعه، حتى لم يعد أحدٌ يستمع للاغنية الحماسية. وتناهت الينا كلمات وحشية، بجمل تتقاطع في ما بينها، وطعام يتطاير بعضه من فم يزدرد بعجالة، وسط احاديث عن العشيرة وخصوماتها الأخيرة، ثم أنني لم أعد أسمع شيئاً، هناك من يمسك ببنادق كثيرة، وفي آن واحد، فرصاصُها راح يخترق كل شيء.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top