مستقبل مشاريع الأحزمة الخضراء في العراق بين الآمال والتحديات

آراء وأفكار 2021/07/10 10:00:14 م

مستقبل مشاريع الأحزمة الخضراء  في العراق بين الآمال والتحديات

 د. أحمد عبد الرزاق شكارة

إن المرحلة الحرجة جدا والخطيرة التي مر ويمر بها العراق تشير بإننا لازلنا نواجه شبكة معقدة من تراكمات أزمات قديمة وأخرى متجددة مظاهرها وجوهرها إنساني تختلط فيه ألابعادالحضارية - الجيوسياسية – الامنية – الاقتصادية والاجتماعية وغيرها بالبعد البيئي الامر الذي يقتضي منا النظر بإمعان لمستقبل تفعيل مشاريع الاحزمة الخضراء في العراق بهدف الانتقال من مستوى الامنيات إلى مستوى المواجهة الجادة للتحديات البيئية"الوجودية"إستنادا لدور إرادة سياسية مستقلة يراد تفعيلها.

الهدف الاساسي المؤمل تحقيقه لم يعد مسألة ترف فكري او إنعاش لحركة سياحية جميلة مثمرة لعراق " وادي الرافدين" أرض الخصب والجمال بل وهذا الاهمضرورة حياتية يعتمد عليها لبقاء وتنمية الجنس البشريبعيدا عن ظاهرة التصحر الاخذة بالاتساع منتجة مفارقة بينة حيث يعاني مايقارب 30 في المائة او اكثر من سكانه من حالة فقر شديد برغم غنى سكانه معرفيا – علميا مضافا إليها ضخامة موارده الطبيعية . النتيجة السلبية المتوقعة ناجمة عن جملة عوامل: غياب الحكم الرشيد مقترنة بسوء الادارة، إستشراء الفساد وتنامي حالات التغيير المناخي شديد القسوة على حياة العراقيين خاصة وهم يواجهون كل عام صيفا حارا اقسى من سابقاته يواكبه إنقطاع او توقف حاد لشبكات الطاقة الكهربائية عن مدن وقرى عراقية عديدة ما يفقد العراق بنى تحتية حيوية لأنعاش اقتصاده وتنمية مجتمعه. ماذا سيحمل المستقبل من آفاق مرتبط بتأسيس أحزمة خضراء لحماية البيئة العراقية من المخاطر المتنوعة ؟؟

الدكتور محمد مكية في كتابه المعنون (خواطر السنين – سيرة معماري ويوميات محلة بغدادية) اضاف بعدا حضاريا – تنمويا لضرورة ترجمة نظريات الحزام الاخضر إلى واقع تنموي – حضاري مستدام موضحا فائدة إقامة الحزام الاخضر كونه مشروع يتسم بالانفتاح والتفاعل المجتمعي هادفا ل" إحياء بوابات بغداد، كمواقع هامة وتاريخية، وتنظيم حركة الاليات (السيارات)، يعيد للعاصمة كرامتها وهيبتها المعهودة، فالحزام سيحل محل السور الذي يدور حول بغداد لحمايتها من الفيضانات، مع قيام لطريق دائري، وبساتين تتخللها مجمعات سكنية على هيئة ابراج، وفيها حدائق للترفيه كامتداد لحوض ديالى حتى الصليخ فتحقق بغداد كبرى يليق بها أسم أم القرى والمدن، وبهذا يعاد لها وجهها النظير، فهي معروفة بالبساتين على جانبي دجلة". بينما لاقى مشروع الدكتور مكية ترحيبا من مدير البلديات العامة السيد عبد الرزاق شكارة إلا أنه لم يجد مساندة كافية من الجهات الادارية الاعلى في هرم السلطة التنفيذية "وزير الاعمار والاشغال تحديدا". علما بإن فوائد المشروع غير خافية للعيان ولكل ذي لب وبصيرة ليس فقط في العاصمة - بغداد بل وفي مناطق أخرى من العراق سبق لإراضيها ان تميزت بالخصب ولكنها في العقود الاخيرة أخذت تتسم أراضيها بحالة من التصحر القاسي ومن الزحف العمراني العشوائي وتحتاج بالتالي لجولات من التخطيط العمراني الستراتيجي.

إن بلدية النجف الاشرف كانت أيضا من ضمن مشروعات بيئية – هندسية صحية حاول الدكتور مكية دون جدوى أن ينقل إليها ولغيرها من مدن العراق تجربة الحزام الاخضر الذي سيقلل من تداعيات استخدام مكثف للوقود الاحفوري من نفط – غازوفحم.مسار طويل نسبيا سبق وان تعثر في السابق علما بإن آمال إنعاشه ممكنة ولكنها بعيدة المدى. الامر يرجع اساسا لإتباع الحكم الرشيد الذي يفترض صياغة معايير علمية تنموية تعمل على إنعاش الواقع البيئي بصورة يلتزم معها مهنيا مع أفضل الشروط البيئية المتوازنة مع الامكانات السكانية المتاحة منعا لتآكل الموارد الطبيعية. ضمن هذا السياق نرى بشكل واضح ضرورة تفعيل إرادة تنفيذ مشروعات الاحزمة الخضراء من قبل أعلى جهات صناعة القرار السياسي في الدولة بعيدا عن تعقيدات الادارة البيروقراطية وعن كيل الاتهامات لكل من يود أخراج العراق من الدائرة المغلقة التي لاتتفهم مدى أهمية تفعيل مشروعات وأنظمة الاحزمة الخضراء التي استطاعت العديد من دول العالم المتقدم أخراجها إلى حيز النورفي إطار تبني وتطبيق ألاهداف الاساسية للتنمية الانسانية المستدامة.

ترتيبا على ذلك يفترض أن تنعش الأحزمة الخضراء بناء وتنمية قطاعات الزراعة في ظل بيئة صحية - خضراء محققة توازنا بيئيا مشهودا له من خلال نماذج متعددة في القارتين الاوروبية والاسيوية وفي غيرها من عالمنا الفسيح. مع ذلك لازال عددا من الشؤون بحاجة للدراسة والبحث المعمق مع تقبل النقد منها ما يلي:

أولا: طبيعة شبكية وتعقد العلاقة بين التحضر المدني في المدن الأم والمدن الاقليمية الامر الذي يحتاج لمتابعة حثيثة من قبل مخططي التغيير العمراني السستراتيجي لتوضيح طبيعة تباينات المشهد الحضري – القروي– البدوي حماية لكل شرائح المجتمع العراقي من مخاطر إعطاء مزايا وافضليات اقتصادية وتجارية لجهة مجتمعية سياسيا على حساب جهات أخرى. من القضايا التي يجب اخذها بنظر الاعتبار تلك التي تخص مثلا: تجاوزات عمرانية – حضرية على حساب الارض الزراعية ما يرفع من قيمتها على حساب الفئات الاضعف في المجتمع. ترتيبا على ذلك، لابد من تقديم تحديد واضح لموقع ومساحات الاراضي التي يمكن تحويلها لمناطق الحزام الاخضر والتي يمكن تنميتها بيئيا وزراعيا بصورة تحقق المنافع المرجوة بعيدا عن المخاطر البيئية من جهة وتحقيقا للمطالب السكانية من التنوع للانتاج الغذائي المطلوب وفقا للمواسم المتغيرة مع الاهتمام بتوفر كميات المياه الكافية للانتاج الزراعي المحلي. الموضوع الذي نحن بصدده له علاقة بحالة العرض والطلب لمساحة الاراضي في الدولة ولما هو متوفر من مياه حيوية للانسان وللطبيعة ما يعني في المقابل ضرورة الاهتمام بمسار إرتفاع وإنخفاض اسعار الامتار المربعة من الاراضي التي تعطي لبعض الجهات النافذة حرية التصرف والامتلاك او ربما التجاوز غير المشروع ما يضر كثيرا بإهداف حماية الاراضي، السكان والموارد الزراعية – الطبيعية.

ثانيا: ضرورة النظر الستراتيجي لإهمية عامل البنى التحتية وعلى راسها النقل "المواصلات" بين المدن المختلفة سواءا منها التي تعد ذات حجم كبير او محدود نسبيا من حيث المساحة الجغرافية او من حيث كثافة تركز السكان. ضمن هذا الاطار يمكننا تصور إتساع التباينات في الدخل بين اراض إحسن استثمارها او استغلالها بوساطة تقنيات حديثة "رقمية" وتقع في مواقع إتصالية - إستراتيجية من مراكز المدن وأخرى تمتلك إمكانات إنتاجية تقليدية وتقع في مواقع بعيدة عن طرق النقل الرئيسة او مواقع الاتصال المجتمعي ما يجعل قيمتها المالية متدنية جدا. فوارق تسعد البعض وتتعس أخرين ربما يشكلون الغالبية من السكان مسألة لابد من معالجتها بشكل موضوعي – علمي – معرفي وتقني جديد.

ثالثا: تداعيات التأثيرات السكانية – الجغرافية – الأتصالية – التقنية على التحولات المجتمعية – الاقتصادية السريعة الايقاع التي تتعكس على واقع العمالة في البلاد التي تتباين بين عمالة منتجة متطورة وأخرى تتسم بالتخلف نظرا لضعف الموارد او التخصيصات المالية وبالتالي لاتجد قوتها اليومي ما يجعلها تدخل في حومة البطالة بشقيها "الفقر الاقصى والمدقع". إن تأثيرات الحزام الاخضر يمكن ان تكون إيجابية فقط في حالة توفر الفرص المدنية العادلة للجميع في استثمار فرص العمل المنتج الذي يخلق حالة من التجانس النسبي مجتمعيا واقتصاديا. دولة مواطنة بإمتياز بعيدا عن اوضاع التمايز او التمييز الناجم عن اساليب المحاصصة المذهبية – العرقية – القومية – العشائرية والجهوية.

إن الاستثمار في الحزام الاخضر يعد مرحلة متقدمة وليست بالية او قديمة للربط بين الماضي والدروس والعبر المستفادة منه والحاضر الذي نريده بصورة سليمة يتشكل معها مناخا للتعايش السلمي المثمر بين مختلف شرائح المجتمع وصولا لمستقبل واعد تحمى فيه حقوق وحريات الجميع دون إستثناء مع مراعاة المسؤولية الاجتماعية – الوطنية.

إذن يراد من توفر الاحزمة الخضراء أن تقدم صورة نموذجية إنتاجية مثمرة تشكل اساسا لرفع مستويات ونوعية الحياة بما يرفع من مكانة العراق في مقياس التنمية البشرية المستدامة. عراق بلاد الرافدين ارض الخصب والجمال لابد ان يعاد آلقها الحضاري خاصة وهي تقع على منابع حيوية لنهري دجلة والفرات مع شبكة واسعة من الانهار والروافد التي لو اتيح استغلالها بشكلمخطط له ومقنن وفقا لأليات ومعايير الحكم الرشيد لتمكن العراق ان يشكل رقما صعبا بين جيرانه من دول المنطقة العربية وغير العربية (تركيا وايران). ترتيبا على ذلك، يمكن لبلادنا أن تضحى قبلة للصناعة المتقدمة وللمشاريع الخدمية التي تلبي إحتياجات السكان من جهة كما وتضحى مركزا للاشعاع المعرفي والمادي في منطقة الشرق الاوسط على أتساعها وليس فقط في إطار ما يعرف بالمشرق العربي. إن عراق الغد المؤسس على أسس إستراتيجية الاحزمة الخضراء سيحمي سكان، تربة ومناخ العراق كما وسينمي الاقتصاد العراقي خالقا حالة من الرفاهية ليس فقط من خلال ما توفره الزراعة والصناعة الحديثة من موارد ومنتجات بل ومن مساحات خضراء توفر مناخا آمنا للبشر وللحياة بجميع تفصيلاتها الحياتية لكافة الاحياء الطبيعية (من شجر ونباتات وخضرة وحيوانات) على اختلاف انواعها كلها تعيش في عالم ايكولوجيا غاية في التنوع الدقيق والانسجام القيمي النسبي في ظل شبكة من علاقات طبيعية – إنسانية مستدامة ترنو في النهاية لمستقبل عراقي جميل يليق بحضارته الاصيلة. الامال عريضة ولكن التحديات جسام بدءا من التقليل من مخاطر وتداعيات التغييرات المناخية القاسية مرورا بتغيير الذهنيات السائدة التي لاتواكب روح العصر بل وتعمل على إعاقة اي تقدم مطلوب إنسانيا.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top