عمل الأجهزة الأمنية ومبادئ حقوق الأنسان (التعذيب أثناء التحقيق انموذجاً)

آراء وأفكار 2021/07/31 09:51:35 م

عمل الأجهزة الأمنية ومبادئ حقوق الأنسان (التعذيب أثناء التحقيق انموذجاً)

 سالم روضان الموسوي

ان الدستور العراقي أشار الى عمل القوات الأمنية والمخابرات في نصوص خاصة تتعلق بعملها و القوات الأمنية تتمثل بقوى الداخلي التي تتكون من الشرطة المحلية وشرطة الحدود والدفاع المدني والمرور والشرطة الاتحادية وشرطة الحراسات وأية تشكيلات أخرى ترتبط بوزارة الداخلية وعلى وفق أحكام المادة (1/ثالثاً)

من قانون الخدمة والتقاعد لقوى الأمن الداخلي رقم (18) لسنة 2011 المعدل، وعمل هذه القوات الأمنية ينصب على حفظ الأمن الداخلي للبلد وحماية المجتمع من الجريمة ومكافحتها، كما لأجهزة الشرطة التي تمثل العمود الفقري للقوات الأمنية مهام تحقيقية تتولاها في الكشف عن الجرائم وعلى وفق أحكام الباب الثالث من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل وفي المواد (49) التي جاء فيها (على أي مسؤول في مركز الشرطة عند وصول أخبار اليه بارتكاب جناية أو جنحة ان يدون على الفور أقوال المخبر ويأخذ توقيعه عليها ويرسل تقريراً بذلك إلىقاضي التحقيق أو المحقق) وفي كل الأحوال ان يشعر القاضي المختص باي إجراء يتخذه، ولا يجوز إجراء إي تحقيق مع أي متهم إلا من قبل القاضي المختص او المحقق القضائي تحت إشراف القاضي وعلى وفق أحكام المادة (51) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل،

والمحقق القضائي هو الشخص الذي يعين بأمر من رئيس مجلس القضاء الأعلى على ان يكون حاصلاً على شهادة في القانون معترف بها، لكن في بعض الأحيان يتم منح ضباط الشرطة ومفوضيها سلطة محقق بأمر من رئيس مجلس القضاء الأعلى وعلى وفق أحكام المادة (51/ه) من قانون الأصول الجزائية، وقبل أيام معدودة تم منح ستة وعشرين ضابطاً سلطة محقق، وعلى وفق ما تم نشره في موقع مجلس القضاء الأعلى، لذلك فان عمل القوى الأمنية في مجال التحقيق أو تعقب المتهمين والمجرمين ومكافحة الجريمة يجب ان يكون على وفق مقتضى القانون والدستور، ونجد ان قانون أصول المحاكمات الجزائية قد أكد على عدم اتخاذ أيإجراء فيه قسوة لإكراه المتهم على الإقرار بالتهمة المنسوبة اليه وعلى وفق ما ورد في المادة (218) من قانون الأصول الجزائية التي جاء فيها الاتي (يشترط في الإقرار ان لا يكون قد صدر نتيجة إكراه) فضلاً عن ذلك فان اتباع أساليب الإكراه ومنها تعذيب المتهم سواء كان جسدي أو معنوي، فانه يشكل جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن الذي يصل إلى خمسة عشر عام وعلى وفق أحكام المادة (333) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل التي جاء فيها الاتي: (يعاقب بالسجن او الحبس كل موظف او مكلف بخدمة عامة عذب او امر بتعذيب متهم او شاهد او خبير لحمله على الاعتراف بجريمة او للإدلاء بأقوال او معلومات بشأنها او لكتمان امر من الأمور او لإعطاء راي معين بشأنها. ويكون بحكم التعذيب استعمال القوة او التهديد.القوى الأمنية التي أشار لها الدستور العراقي تتكون من جهاز المخابرات الوطني والأجهزة الأمنية)، والدستور العراقي قد منع التعذيب باي شكل من الأشكال أثناء التحقيق مع المتهم مهما كانت التهمة المنسوبة اليه وعلى وفق ما ورد في المادة (37/أولا/ج) من الدستور النافذ التي جاء فيها الاتي (يحرم جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الإنسانية، ولا عبرة بأي اعتراف انتزع بالإكراه أو التهديد أو التعذيب، وللمتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي أصابه وفقاً للقانون)، والدستور لم يكتفِ بهذا المبدأ الدستوري المهم لحماية الشخص من جور المحقق او السلطة التحقيقية، وإنما جعل من مبادئ حقوق الإنسان دليل عمل تلك الأجهزة الأمنية وعلى وفق ما أورده في مادتين من مواده في المادة (34/أولاً/د) التي جاء فيها الاتي (يقوم جهاز المخابرات الوطني العراقي بجمع المعلومات، وتقويم التهديدات الموجهة للأمن الوطني، وتقديم المشورة للحكومة العراقية، ويكون تحت السيطرة المدنية، ويخضع لرقابة السلطة التشريعية، ويعمل وفقاً للقانون ، وبموجب مبادئ حقوق الإنسان المعترف بها) وكذلك في المادة (84/أولاً) التي جاء فيها الاتي (ينظم بقانونٍ، عمل الأجهزة الأمنية، وجهاز المخابرات الوطني، وتحدد واجباتها وصلاحياتها، وتعمل وفقاً لمبادئ حقوق الإنسان، وتخضع لرقابة مجلس النواب) وهذه النصوص تشكل تقدم وتطور في مجال حقوق الإنسان فان الدستور جعل من مبادئ حقوق الإنسان قواعد آمرة يجب الالتزام بها سواء ذكرت في نصوص قانونية أم لم تذكر، لان الدستور منح تلك المبادئ الاعلوية على سائر النصوص القانونية حينما امر القوات الأمنية وجهاز المخابرات بالالتزام بها ولم يترك الأمرإلى قانون ينظمها بل جعل من النصوص الواردة فيه الزامية في وجوب مراعاتها عند عمل تلك القوات الأمنية ومنها أجهزة الشرطة وغيرها، ويذكر ان مبادئ حقوق الإنسان هي المبادئ الواردة في الشرعية الدولية لحقوق الإنسان ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والاقتصادية وغيرها من الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان والتي صادق عليها العراق، بل ان الدستور النافذ في المادة (34 و 84) المشار اليهما قد توسع في منح الاعلوية حتى للعهود والمواثيق الدولية غير المصادق عليها من العراق لان النص الدستوري وفي المادتين أعلاه قد أشار إلى عمل تلك القوى على وفق مبادئ حقوق الإنسان وبشكل مطلق ولم يحددها بالمواثيق المصادق عليها فقط ، والمطلق يجري على إطلاقه، وما يعزز هذا القول ان الاتفاقيات والمواثيق الدولية اذا ما صادق عليها العراق فإنها تكون بمثابة قانون وطني حالها حال أي قانون اخر وبذلك لاحاجة إلى التأكيد عليها مالم يقصد الدستور شمول جميع المبادئ المتعلقة بحقوق الإنسان جميعاً سواء كان مصادق عليها او غير مصادق، لذلك فان القوات الأمنية ملزمة بحكم الدستور مراعاة حقوق الإنسان وعدم خرق هذه المبادئ العالمية والدستورية ويجب الوقوف عند حالات الإكراه والتعذيب التي يتعرض لها المتهمون بموقف حاسم لان التعذيب والاعتداء الجسدي والنفسي كان ومازال منهج عمل روتيني يومي في مراكز التحقيق ومنذ زمن الأنظمة السابقة قبل عام 2003 ولغاية الآن، وتكررت حالات وفاة المتهمين أثناء التحقيق من جراء التعذيب، ووسائل الأعلام تنشر بين الحين والآخر مأساة من تلك المآسي الإنسانية ، وأخرها ما حدث لشاب من اهل البصرة قبل أيام قليلة وقبلها شاب من أهالي بغداد الكرخ، وغيرها من الحالات وبعضها موثق قضائيا عندما أهدرت المحكمة الاعتراف بارتكاب الجريمة لأنه كان تحت الإكراه والتعذيب وعلى وفق ما ورد في عشرات القرارات الصادرة من محكمة تمييز العراق الاتحادية ومنها قرارها العدد 547/هيئة جزائية موسعة/2014 في 22/7/2014 وجاء فيه الآتي (أمااعتراف المتهم (خ ع ك) وإن كان هو الآخر سبب من أسباب الحكم استنادا لأحكام المادة 213 من قانون أصول المحاكمات الجزائية وهو سيد الأدلة إلا انه يخضع إلى تقدير المحكمة وهذا ما استنتجته بأنه كان نتيجة إكراه مادي تعرض له المتهم) كذلك ما أاقره قانون العفو رقم 27 لسنة 2016 المعدل في المادة (9/اولا) بوجود تعذيب واكراه لانتزاع الاعترافات وعلى وفق النص الاتي (للمحكوم عليه بجناية او جنحة بمن فيهم مرتكبو الجرائم المستثناة بالمادة (4) من أحكام قانون العفو ممن ادعى انتزاع اعترافه بالإكراه او اتخذت الإجراءات القانونية بحقه بناء على اقوال مخبر سري او متهم اخر الطلب من اللجنة المشكلة في البند (ثانيا) من هذه المادة تدقيق الأحكام و القرارات الصادرة في الدعاوى التي اكتسبت قراراتها الدرجة القطعية أو قيد التدقيقات التمييزية و تدقيق الأحكام و القرارات من الناحيتين الشكلية و الموضوعية و الطلب بإعادة المحاكمة و للجنة السلطة التقديرية بإعادة التحقيق في الدعوى المنظورة من قبلها) ومن تطبيقات تلك المادة ما جاء في قرار الهيئة الموسعة الجزائية في محكمة التمييز الاتحادية العدد 1762/2017 في 31/1/2018 الذي جاء فيه (وجدت محكمة الجنايات وهذه الهيئة بان تلك الاعترافات التي دونت للمتهمين جاءت مجردة ولم تعزز بدليل آخر وأنهم تراجعوا عن أقوالهمأمام محكمة الجنايات وانها انتزعت منهم بالإكراه والتعذيب) وهذه الوقائع توكد على ان التعذيب أثناء التحقيق لانتزاع الاعتراف ما زال قائما ومشخصاً من القضاء لذلك لابد وان يكون للقضاء موقف حاسم من هذه الخروقات الدستورية والقانونية وان تتولى المفوضية لحقوق الإنسان ممارسة دورها الأساس في حماية حريات وحقوق الإنسان في العراق ومنها الحق وفي الكرامة والحياة، لان صمت تلك الجهتين المهمتين يمنح الفرصة لان يتمادى البعض في أساليب التعذيب والإكراه والمواطن يعول كثيراً على القضاء العراقي لأنه ضمانته وحصنه الأخير من جور السلطة التنفيذية.

قاضٍ متقاعد

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top