الاهوار العراقية على لائحة التراث بين الوجود وعقم التطبيق

آراء وأفكار 2021/07/31 09:54:12 م

الاهوار العراقية على لائحة التراث بين الوجود وعقم التطبيق

 د.معتز عناد غزوان

في كتاب الدولة العقيمة لمؤلفه الوزير والسفير الدكتور حسن الجنابي والذي صدر مؤخراً عن دار المدى للنشر، يشير فيه المؤلف الى جوانب عدة اختزلت العديد من المحطات والاحداث المختلفة التي كانت ولا تزال جزءاً من حياة الشعب العراقي ومعاناته من مصاعب وازمات وتحولات شتى، لتكون الانجازات المهمة التي حققتها هذه الحكومة عندما بدأ الوزير حسن الجنابي العمل فيها مسؤولاً عن الملف المائي الشائك في العراق،

فقد واجه ازمات مختلفة كانت من بينها سعيه الحثيث لانعاش الاهوار واغمارها والسعي للحفاظ على بيئتها المتميزة، ولاسيما ان الاهوار هي مسطحات مائية تتميز بالعراقة واحدى مظاهر حضارة وادي الرافدين العظيمة وقد وجدت تلك المشاهد الطبيعية للأهوار في الاختام الاسطوانية السومرية والاكدية ولاسيما انها كانت تسيطر على تلك المنطقة الخصبة المهمة ما بين نهري دجلة والفرات، فبيت القصب رمز الالهة عشتار الهة الخصب والعطاء في العراق القديم وبيت القصب هو رمز الاله تموز (دموزي) اله الخصب والعطاء ايضا. لذلك تطرق الكاتب في مجمل حديثه عن الاهوار وتاريخها وتحولاتها البيئة والتاريخية ولاسيما ان الكاتب كان قد ترجم كتاباً مهماً عن الاهوار للكاتب الشهير (غافن يونغ) والموسوم (العودة الى الاهوار) والذي طبع بطبعات عدة. لقد كان اهتمام الكاتب الاستراتيجي بالأهوار اهتماما كبيراً اذ سعى قبيل استيزاره بسنوات عده الى اغمار الاهوار وتطويرها واقامة العديد من الانجازات العلمية التي من شأنها ان تسهم في تطور بيئة الاهوار واعادتها الى سابق عهدها بل تحويلها الى اماكن سياحية وتاريخية مهمة جدا، وكانت من اهم انجازاته هي انشاء مركز انعاش الاهوار التابع لوزارة الموارد المائية عندما كان الكاتب مستشارا مهماً في الملف المائي...
وفي اشارة مهمة للكاتب واصفاً الاهوار العراقية واهم مميزاتها عن المسطحات المائية في دول اخرى، اذ يقول: بان قدرة الاهوار على البقاء تأتي من مرونتها في استعادة طبيعتها بعد اي انكماش او عارض تسبب به احوال طبيعية او غير طبيعية، كالجفاف او الشحة المائية المؤقتة، ينبع ذلك من شدة تماسك حلقات الحياة المترابطة القادرة على انتاج شروط الاستمرار والتخادم الطبيعي بين البيئة، اي العناصر غير الحية ، وبين الاحياء التي تعتاش عليها، وهذه توفر بالنتيجة شروط البقاء الانساني التي تدرب عبر السنين على العيش بصورة وئام مع محيطه المائي تسمح ببقاء تلك التوازنات الطبيعية لذلك فان الكثير من الاحياء التي تعيش في نظام ايكولوجي صحي وقائم بذاته تمثل نموذجاً للعمليات الايكولوجية والبيولوجية الهامة، تكون مهددة بالانقراض بفعل تغير شروط البقاء والاستمرار. تعرض الكاتب ايضا في حديثة العلمي والتطبيقي المهم الى قضية التجفيف الذي تعرضت اليه مساحات شاسعة من تلك المسطحات المائية المهمة، والتي سببت الى نزوح سكانها الى اماكن اخرى بعد ان عاشوا سنوات حياتهم في تلك المسطحات المائية كما ادى التجفيف الى انتهاء الحياة البيئة والايكولوجية من حيوانات برية كالجاموس والابقاء والخنازير وحيوانات اخرى فضلاً عن الطيور والاسماك.
وهنا يشير الكاتب بشكل موضوعي وحيادي بانه وعلى الرغم من الصعوبات التقنية والمادية والاقتصادية التي كانت تواجه الحكومة آنذاك فقد كان اهتمام الحكومة واضحاً بالأهوار وانعاشها واصبحت تلك السياسة الرسمية للحكومة على حد تعبير الكاتب، وقد بدأ عمل الوزير حسن الجنابي بوصفه المسؤول الاول عن الملف المائي في الحكومة الى ضرورة العمل على ادراج الاهوار على لائحة التراث العالمي بجهود جبارة ووطنية حقيقية، على الرغم من اعتراض الكثير من دول الجوار في هذا الامر والذي كانت لمفاوضات الوزير اثرها الكبير في تذليل الصعوبات والمخاوف لدى تلك الدول والوصول معهم الى اتفاقات مهمة تعزز المضي والاستمرار بمشروع ادراج الاهوار ضمن لائحة التراث العالمي والذي توج بالفعل في السابع عشر من تموز عام 2016م، وبمباركة دول الجوار المعترضين سابقا والمرحبين اليوم بفعل السياسة والحوار المهني والعلمي والسياسي للوزير الجنابي.
يشير الكاتب الدكتور حسن الجنابي في حديثة المتواصل الى ازمة شحة المياه التي ادت الى تدني مستويات المياه في الانهار فضلاً عن تأثر الاهوار ومن ثم تدهور الوضع في مدينة البصرة بعد تمدد اللسان الملحي الممتد من البحر باتجاه المدينة من خلال شط العرب وبسبب شحة المياه، وهنا بدأت معاناة كبيرة تتطلب من الوزير ان يتخذ قرارات مهمة بشأنها لمواجهتها واعادة الامور الى طبيعتها، وعلى الرغم من جهوده الحثيثة في توفير المياه العذبة الى البصرة التي شهدت غضباً جماهيرياً ضد الحكومة لا بسبب الشحة حسب بل بسبب تدهور الخدمات وباقي مستلزمات الحياة اليومية فيها. وفي هذا الشأن يربط الكاتب ما اصطلح عليه بالدولة العقيمة في حديثه قائلاً قدمت احاطة عن الوضع المائي لمجلس الوزراء في الحادي والعشرون من كانون الاول عام 2017م، مستشهداً بحالة الخطورة في سد دربندخان والقرار التركي بملئ سد اليسو، فاقترح رئيس الوزراء تشكيل لجنة لمواجهة الشحة بدلاً من تخويل وزارة الموارد المائية بالصلاحيات المطلوبة، وهذا هو ديدن الدولة العقيمة، اذ يلجأ المسؤولون الى تشكيل لجان غالباً ما ينتهي عملها بتقديم تقرير يركن جانباً، اما الحكومات الطبيعية فتتبع السياقات المعتادة التي تحترم الاختصاصات في معالجة الازمات ومنها تلكأ المشاريع الخاصة بإنعاش الاهوار وتطويرها فضلاً عن ادارة الملف المائي بشكل منطقي وعلمي وفني بما يتلاءم مع الظرف الحالي وبيئة العراق المعروفة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top