الفن خارج سجنه

الفن خارج سجنه

سعاد الجزائري

تنطلق اللوحة من فكرتها المسكونة بهوس في مخيلة رسامها، تتفاعل مع روحه وانفعالاته لتنتقل بعدها الى سطحها الابيض،

عند ذاك تتحرك فرشاة الالوان لتحول كيميائية اللون الى رؤية وخيال واحلام، فيزداد التمازج بين عالم الفنان الحسي ومحيطه المادي الذي يضج بصخب الوانه وتتحول الفكرة البكر في رحم الخيال الى قصيدة لونية...

عند الاكتمال تؤطر اللوحة داخل السجن الخشبي الذي ستبقى اسيرة مربعه الهندسي، وتعلق على جدار، قد يتعبها الزمن، وقد تنفصل يوما ما عن جدارها الذي ملته وربما ملّ هو الاخر منها...

ومنذ أن وجد الفن وخلقت اللوحة فقد ظلت أسيرة الأطر والجدران، لكن الزمن غير ساكن ولا يستقر على وضع بل يتفاعل دائما مع التغيير والتجديد في مفاهيمه وتفاعله مع محيطه واشياءه، وتأثرا بهذه الخاصية فقد تحررت شخوص وتكوينات اللوحة من أسر الاطار لتتنقل مع زمنها وتغيراته لتنشر جمال الفن أينما رحلت او حلت، فصارت اللوحة على أدوات مائدة الأكل، أو على أقراط وأساور النساء، وعلى صدورهن وفي تفاصيل حياتنا اليومية.

وحاليا لونت اللوحات أغطية الأسرة ومساند غرف الضيوف، وعلى وسائد أحلامنا...

وبعدما كنا نرى اللوحات داخل إطارها وخلف الزجاج، اليوم صرنا نراها تتنقل في فوضى الشوارع والساحات، أو تتطاير كمراوح هوائية مع النسمات الهادئة على أجساد النساء، فتحررت لوحة فان كوخ وهربت من متحفها لتستقر على صدر البلوزة، وانتشرت زهور مونيه على التنورات، وهكذا بدأت معارض اللوحات تتجول معنا في الشوارع او على سواحل الشواطىء، او تحملها أذرع النساء على حقائبهن وتتطاير مع الشالات، وقد تلف خصورهن.

كما تصدرت اللوحات اربطة الرجال وقمصانهم الصيفية والتيشرتات، بل وانتشرت لوحات كاريكاترية او فاضحة على الملابس الداخلية للرجال والنساء معا.

عندما تجولت في اسواق بغداد فوجئت بصحون ومفارش وستائر ووسائد طبعت عليها لوحات للعديد من الرسامين العراقيين، ولا أدري إن تم استئذانهم قبل طبعها على الشراشف والوسائد وغيرها، وعندما سأل أحدهم فنان عراقي معروف جدا تم طبع العديد من لوحاته قال: لا يهم، لتنتشر لوحاتي في كل بيت عراقي...

بعض الرسامين والفنانين اعترض على هذه الظاهرة، باعتبارها قللت من إحترام الفن وجعلته مادة تجارية، وجردته من نخبوية بذلته وصار متوفرا بزيه الشعبي..

الفن بكل أشكاله وتنوعه لا يخلو من جانبه الربحي والتجاري، لكن إنتشاره بهذه الصور أثار حفيظة فريق، بينما سانده فريق آخر...

وجواب الفنان المذكور اعلاه رائع، من وجهة نظري، وقد أكد ايضا على ما ذكرته، عن خروج اللوحة من أطارها الخشبي الى الشوارع والحدائق والشواطىء، لان الفن بلوحاته صار بكل مكان، ويرافقنا في تفاصيل يومنا لينشر الجمال وليهادن بيننا وبين قسوة ما يمر بحياتنا، من صور الموت والدمار وتهشيم كل جميل حولنا، وكذلك اعطانا متنفسا جماليا رائعا، ليخفف من وطأة رؤية صور وشعارات ووعود انتخابية تزول ألوانها مع أول زخة مطر او تمسحها أملاح عرق الاجساد المنهكة بسبب الحر وانقطاع الكهرباء..

ان ضخامة وفخامة وشعبية اعمال محمد غني، أعطتها مساحة أوسع للانتشار، وعرفتها كل الاجيال فنشأت علاقة متينة بين نصبه وبين الناس، لأنها غير مسورة او مؤطرة كأعمال ونصب اخرى..

ونصب الحرية اضافة لقيمته الفنية الكبيرة لكنه حاز على قيمة شعبية وسياسية وتاريخية، لانه متاح وحاضر في حياتنا اليومية، ونحتمي به في أيام مجدنا وانكسارنا ..

هذه الشعبية لم تقلل من القيمة الفنية للعمل بل العكس هو الصحيح، فقد أعطته أبعادا جمالية وانسانية اضافية فتحول من عمل فني باهر الى ايقونة جماهيرية، وصار جواد سليم أهم مشارك في مظاهرات (أريد وطن) رغم رحيله المادي عنا قبل عقود من الزمن لكن نصبه في ساحة التحرير حمل معنا اول راية واول انتفاضة....فالفن للجميع ومنهم مادته وسره، وتحرر كثيرا من أسوار سجن الاطار..

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top