باليت المدى: الأصابع السبعة

ستار كاووش 2021/08/01 10:59:42 م

باليت المدى: الأصابع السبعة

 ستار كاووش

إرتبطتُ بصداقة طويلة جداً مع جاري (ياكوب) بعد أن عَلَّمَني ركوب الدراجة الهوائية بداية مجيئي الى هولندا، وتكررت لقاءاتنا يومياً تقريباً، حيث يأتي ياكوب في نهاية الظهيرة ويدخل المرسم بخطواته الثقيلة،

يتجول بين اللوحات وهو يراقبني أثناء الرسم ويلقي نظرة هنا أو هناك على اللوحات غير المكتملة. ياكوب يحب أعمال الرسام مارك شاغال كثيراً، ويكاد لا يخلو أي لقاء بيننا من حديثه عن اللوحة التي رسم فيها شاغال نفسه، وتَعَمَّد إن يرسم فيها إحدى يديه بسبعة أصابع. فإن حدثته عن التكنيك في الرسم مثلاً، يتوثب قائلاً (هل تعني مثل أصابع شاغال؟) وإن رآني منشغلاً برسم يد بطريقة معينة لوحة، يقول (شاغال أيضاً رسم اليد ذات السبعة أصابع بطريقة رائعة) وأن شاهد في زاوية المرسم لوحة غير مكتملة يظهر فيها رجل يضع يده على وجه إمرأة، يقول (لماذا لا تضيف إصبعاً آخر أو إصبعين، كما فعل شاغال في لوحته الجميلة؟) حتى صار يَزِجُّ أصابع شاغال في كل حديث، وكأنه لا يعرف شيئاً غير ذلك.

قبل أيام طرق ياكوب باب المرسم، ودخل مبتسماً كالعادة بوجهه البيضوي وشعره الذي إختلطت شقرته ببعض الشيب، في حين إلتصقت بأسفل قبقابه الخشبي بقايا من أعشاب الحديقة التي تناها لي صوت جزها قبل مجيئه بقليل. جلس على الأريكة السوداء وهو ينظر اليَّ وكأنه يوشك على الكلام. راقبته بطرف عيني وهو يحاول إطلاق كلماته، ففهمت بسرعة ماذا يدور برأسه، وقبل أن تخرج الحروف من فمه، قاطعته مباغتاً وأنا أفتح ذراعيَّ على الجانبين قائلاً (شاغال؟! أعرف أنك ستتحدث عنه وعن أصابعه) ثم ضحكنا سوية كصبيين يخفيان أسراراً مشتركة. تنفستُ الصعداء، لظني بأني قد جعلتُ الحديث يأخذ مجرى آخر، لكن ياكوب فاجئني وهو يدير بصره نحوي سريعاً ويتساءل (حقاً، لماذا لم ترسم لحد الآن مثل يد شاغال) وهنا أجبته (ياصديقي العزيز، لقد وظَّفَ شاغال الأصابع هنا كرمز، وهي طريقة خاصة به، أراد أن يستعيد من خلالها مقولة قديمة يستخدمها يهود روسيا، تقول: أن العمل الباهر والجميل والمتقن يحتاج الى سبعة أصابع. وهذه إشارة رمزية الى انه رغم ابتعاده عن بلده روسيا، لكنه وجد نجاحه الفني في باريس، حيث صار يقدم اعمالاً جميلة ومؤثرة وكأنها رُسِمَت بسبعة أصابع، وبهذه الطريقة، عكسَ تلك العبارة القديمة بشكل رمزي في لوحته. وربما رسم هذه اللوحة في يوم ميلاده الذي يصادف اليوم السابع من الشهر السابع سنة ١٨٨٧. أما لوحاتي فهي تحمل الرمزية التي تناسبني وتناسب رؤيتي وطريقة تفكيري، دون مقارنة ذلك برسام عظيم مثل صديقنا شاغال). وهنا إنفرجت أسارير ياكوب ووقف قائلاً (أربعون سنة وأنا مفتون بهذه اللوحة التي شاهدتها بمتحف ستيدلك في أمستردام، لكني لم أفهم مغزاها الحقيقي سوى هنا في مرسمك) فأجبته مازحاً كالعادة (كي تعرف قيمة الرسامين الأجانب في بلدك أيها الفلاح) فقهقه عالياً حتى ملأت ضحكته أرجاء المرسم، وفجأة توقف عن الضحك وإنبرى مجدداً كعادته محاولاً الوصول الى أبعد نقطة في الحديث (مدهش أن أعرف كيف فكر شاغال وهو يرسم لوحتي المفضلة، لكن أين هي الرمزية التي تقصدها في لوحاتك أنت؟) عندها سحبتُ لوحتان من لوحاتي ووضعتهما على الأرضية حيث تستند على الاريكة المقابلة له قائلاً (ذات مرة إشتقت لأمي التي لم أرها سنوات طويلة. فتخيلتُ أن لديَّ جناحين أطير بهما مثل إيكاروس، لكني بدلاً من الانطلاق مثله من سجن الجزيرة نحو البحر، تخيلتُ نفسي أطير نحو بغداد لرؤية أمي هناك. لحظتها وقفت هنا ياصديقي وسط المرسم قائلاً لنفسي: ياله من موضوع! هذه هي الرمزية التي أبحث عنها، لِمَ لا أرسم ذلك في مجموعة لوحات؟ وهكذا رسمت عشرات اللوحات مثل هذه التي تراها، يظهر فيها أشخاصاً مجنحين، وبحالات متنوعة وكأنهم ملائكة جاؤوا من أماكن سرية وبعيدة. هكذا أنظر الى الرمزية في الرسم، أحاول إفراغ بعض المفردات من محتواها التقليدي وملأها بمحتوى جديد). نظر صديقي نحو اللوحة وكأنه يطير معها نحو بغداد، ثم أدار بصره بإتجاهي كمن ينتظر مني إكمال الحديث، فأشرتُ الى اللوحة الثانية قائلاً (تأمل هذه اللوحة التي إسميتها العطر، أنظر كيف رسمتُ العطر وعَبَّرتُ عنه بأدوات الرسم، كيف حاولتُ إيجاد مرادفاً تشكيلياً للعطر، أردتُ أن أجعل للعطر شكلاً ولوناً، فكرتُ كيف أسكب روح العطر فوق قماشة اللوحة؟ في النهاية حَوَّرتُ رداء المرأة في اللوحة وجعلته على شكل زجاجة عطر، نعم لقد إستعدتُ شكل زجاجة عطر زوجتي أليس وجعلته رداءً للمرأة التي تظهر في اللوحة. ويكتمل المشهد هنا بالزهور الصغيرة التي تبدو بين أصابعها. ألا تتفق معي بأنها طريقة رمزية لرسم العطر؟) ليقول ياكوب في النهاية (كل يوم أتعلم شيئاً في هذا المرسم، عموماً لقد أَنساني الحديث إعطائك قنينة النبيذ التي جلبتها لك) وإنشغلَ بفتح الكيس الذي معه وهو يتحدث بصوت منخفض (أرجو انها تساوي قيمة الجمال الذي أحصل عليه هنا) فضحكتُ وأنا أرفع يدي مشيراً الى الخلف قائلاً ( لقد سَدَّدتَ لي أكثر من ذلك حين علمتني ركوب الدراجة قبل عشرين سنة).

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top