موسيقى الاحد: الاحتفال بالموسيقيين الأحرار

موسيقى الاحد: الاحتفال بالموسيقيين الأحرار

ثائر صالح

يصعب العثور في اللغة العربية على تسمية مناسبة للتعبير عن تلك الفئة من الموسيقيين الذين يعملون بالتعاقد،

كترجمة للمصطلح الإنكليزي Freelancer المستعمل في الكثير من مجالات الحياة، كالصحافة مثلاً عندما يكتب الصحفي كتابات لصحيفة أو مجلة دون أن يكون ضمن محرري الصحيفة.

الموسيقيون الأحرار في بريطانيا على الخصوص هم أحد أعمدة الحياة الموسيقية، فهم يتميزون بقدرات فنية عالية بالإضافة إلى امتلاكهم قابلية على سرعة التعلم والتأقلم مع كل تشكيلة موسيقية جديدة يعملون معها من فرق موسيقى الحجرة التي تتألف من بضعة عازفين حتى العمل ضمن الأوركسترات الضخمة. يتحدد مصدر دخل هؤلاء بنوعية وعدد العقود الوقتية التي يحصلون عليها بالطبع، دون أن يكون لديهم دخل ثابت مثل زملائهم أعضاء تشكيلات موسيقية دائمة، وهم موظفون فيها.

تأثير إغلاق المجتمعات بسبب وباء الكورونا اختلف حسب المهنة بالطبع، لكن الموسيقى والمسرح كانتا بين أكبر المتضررين بسبب إلغاء كل العروض مثلا. وفي حين حصل „الموظفون” في المؤسسات الفنية على دعم حكومي، افتقد الموسيقيون „الأحرار” أي دعم وكانوا أكبر المتضررين من الإغلاق الذي دام لعام ونصف تقريباً. ففي ظل اختفاء العقود وتأجيل كل العروض، اضطر الكثير منهم الى البحث عن أعمال مؤقتة كي يحصلوا على قوتهم اليومي، على الخصوص في الخدمات، توصيل الطعام الى البيوت أو ما شابه، ومنهم من ترك العمل في الموسيقى نهائياً إن حصل على عمل ثابت خارجها. يقول أحدهم أنه يتمرن كل يوم لساعات، لكن مع توقف الحفلات بات ذلك دون معنى.

هذا كان الدافع وراء تخصيص أمسية كاملة في مهرجان البرومز اللندني الشهير ليلة الثامن من أيلول لهذه الفئة الأكبر تضرراً، عندما قدمت أوركسترا برومز الاحتفالية حفلاً نادراً ليلة الثامن من أيلول. تشكلت الأوركسترا خصيصاً لتقديم هذه الأمسية بعد اختيار نحو تسعين من أهم الموسيقيين الأحرار في لندن، قادها مارك ويغلزوورث وقدمت افتتاحية شوستاكوفيتش الاحتفالية وسيمفونية مالر الخامسة. أول حفلة لهذه الفرقة وربما الأخيرة.

الافتتاحية الاحتفالية هي من أعمال شوستاكوفيتش القصيرة، ولها قصة مثيرة، فقد كتبها خلال يومين لتقدم في البولشوي يوم 6 تشرين الثاني 1954. كان المراسلون يأخذون الورقات المنجزة من المدونة الموسيقية الواحدة تلو الأخرى بغرض نقل وتدوين وطبع الأجزاء المختلفة للأوركسترا. استعملت الافتتاحية موسيقى رسمية في أولمبياد موسكو 1980.

أما سيمفونية مالر الخامسة فهي واحدة من أشهر أعمال مالر، وفيها الأداجييتو الشهير (المدى 21 آذار الماضي) الذي يعتبر أجمل رسالة حب في تاريخ الموسيقى. ألفها صيف 1901 في فترة معقدة من حياته، فمن جانب لم يمض الكثير على استقالته من إدارة فرقة فيينا الفيلهارمونية بسبب الجو العدائي المشحون الذي جوبه به هناك، من جانب آخر التقى لتوه بآلما شندلر التي سيتزوجها وإليها كتب الأداجيتو.

إداء الفرقة المؤقتة كان رائعاً لا يختلف عن إداء فرق عريقة تمرنت على العمل لسنين، كل ذلك تم في أجواء مشحونة بالعواطف من البداية حتى النهاية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top