نافـذة من موسـكو..تحديات تواجه العلاقات الروسية/ التركية وتطويرها

د. فالح الحمراني 2021/10/03 10:16:22 م

نافـذة من موسـكو..تحديات تواجه العلاقات الروسية/ التركية وتطويرها

 د. فالح الحمـراني

تاريخيا ظلت الغيوم دائما تخيم على العلاقات بين روسيا وتركيا، وأكتسبت في مراحل طابع العداوة، وانفرجت في أخرى. وتتميز المرحلة الراهنة بان البلدين يشعران بالحاجة إلى بعضهما البعض الآخر، واستفادا من دروس التاريخ البليغة، وقررا التعايش بسلام وشراكة، والأهم الفصل بين القضايا الخلافية، وتلك التي تصب في مصلحة كلا البلدين.

وربما ساعد الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيب اوردغان، اللذين يرى مراقبون وجود تشابه كبير في شخصيتيهما ونهجهيما السياسي البراغماتي،على ترسيخ هذه المعادلة، ولكن ثمة عوامل خلافية قد تعمل على إجهاض المكتسبات التي تم تحقيقها في العلاقات بين الجارتين.

وضمن هذه الخلفية وتراكم القضايا الخلافية، وتلك التي تصب في مصلحتهما، التقى الرئيس بوتين بنظيره التركي أردوغان في سوتشي. ناقش الزعيمان القضايا الخلافية التي تراكمت كثيرًا في العلاقات بين البلدين. وبادئ ذي بدء، لا تتطابق رؤية موسكو وأنقرة في تقييم الوضع في سوريا. وتتهم روسيا وتركيا بعضهما البعض بانتهاك إتفاق المنطقة الأمنية في محافظة إدلب.

واستغرقت المفاوضات ثلاث ساعات ولم تنته بتوقيع أي وثائق. ومع ذلك، فإن أهمية الاجتماع كبيرة بالفعل في حد ذاته. ومع ذلك، فإن هذا هو أول اجتماع مباشر بين الزعيمين خلال عام ونصف. وقطع بوتين من أجلها، العزلة الذاتية التي ذهب إليها بسبب اتصالاته مع مصابين بفيروس كورونا. آخر مرة التقى فيها الرئيسان، الروسي والتركي، في سوتشي في آذار 2020. وكان موضوع حديثهما الوضع في إدلب، آخر المحافظات السورية غير الخاضعة لسيطرة حكومة بشار الأسد. وأجمع الخبراء، كان من المفترض ان يكون الوضع في إدلب الموضوع الرئيسي للمفاوضات بين الزعيمين

وعشية اجتماعه ببيوتين قرر أردوغان كما يبدو، وبمبادرة منه، رفع المخاطر في اللعبة الدبلوماسية مع روسيا. ففي حديثه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد مرة أخرى أن بلاده تعتبر شبه جزيرة القرم جزءًا من أوكرانيا. ولم تعترف السلطات التركية بنواب مجلس الدوما من شبه الجزيرة. وليس من قبيل الصدفة أن مؤسسة الإستيراد والتصدير الروسية ذكرتفي بيان بعد ذلك بوقت قصير أنهتم العثور في الطماطةالمستوردة من تركيا على"فيروس التجاعيد البني". وهذا يعني أنه قد لا يُسمح لهم بدخول السوق الروسية، مما سيلحق الضرر باقتصاد تركيا. وعادة ما تستخدم موسكو هراوة الإستيراد لمعاقبة الدول غير المرغوب فيها.

ومن الواضح أن الوضع حول إدلب متوتر. وكانت هناك منذ الأسبوع الماضي،تقارير عن نقل القوات التركية إلى الحدود السورية. والهدف منها منع هجوم محتمل لقوات بشار الأسد التي تجري الاستعدادات له على قدم وساق، بحسب وسائل إعلام تركية. وانتقد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار في 27 أيلول، في اجتماع لقيادة القوات المسلحة في البلاد، بشدة الإجراءات الروسية في منطقة الصراع السوري.

كما أن أنقرة غير راضية عن زيادة نشاط الطيران الروسي، الذي بحسب رويترز يقصف باستمرار أراضي إدلب. وأدلى أكار بتصريح غامض للغاية مفاده أن تركيا "يجب أن تنجح" في ضمان أمنها.

وقبل أسبوعين من زيارة أردوغان، وقع حدث أثار استياء السلطات التركية بشكل كبير.حيث وصل بشار الأسد إلى موسكو. علاوة على ذلك، لم يتم الإعلان عن زيارته. وفي الجزء المفتوح من اللقاء، أشار بوتين إلى أن العسكريين الأجانب المتمركزين في الأراضي السورية دون موافقة الأمم المتحدة ودمشق الرسمية يرابطون هناك بشكل غير قانوني، وهذه هي "المشكلة الرئيسية لسوريا". والجيش التركي يتواجد في إدلب من دون ترخيص من الأمم المتحدة ولا من الأسد. صحيح أن وجودهم نص عليه اتفاق بين بوتين وأردوغان، لكن كما قال أكار، فإن موسكو تنتهكه. بدوره، أشار وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى أن الأتراك لا يوفون بالتزاماتهم السابقة بالفصل في إدلب،على حد تعبيره،بين "المعارضين العقلاء" عن الإرهابيين. وهو يشير بهذا إلى مجموعتي "هيئة تحرير الشام" و "جبهة النصرة" المحظورتين في روسيا الاتحادية. وقال لافروف إن قضية فصل الإرهابيين عن المعارضين ستناقش في اجتماع في سوتشي.

ومع ذلك، لم يذكر أردوغان ولا بوتين، قبل بدء حديثهما إدلب في تصريحاتهما العلنية للصحافة. وتحدثا عن الجوانب الإيجابية للتعاون المتبادل. وقال بوتين إن "علاقاتنا تتطور وتتطور بشكل إيجابي"، لافتًا الانتباه إلى تعزيز الاتصالات الاقتصادية بين البلدين. ووفقًا له، لم تعوض روسيا وتركيا الخسائر التي تكبدتها العام الماضي بسبب الوباء فحسب، بل زادت أيضًا من حجم التبادل التجاري بنسبة 30‍٪. وشكر أردوغان بدوره روسيا على مساعدتها في القضاء على حرائق الصيف، وعلى تدفق السياح الروس. كما أشار إلى أن الكتلة الأولى من محطة Akkuyu NPP، التي يتم بناؤها من قبل متخصصين من الاتحاد الروسي، قد يتم افتتاحها العام المقبل. وفي تلميح، وليس بشكل مباشر، ذكر أردوغان عشية زيارته إلى سوتشي:أن التعاون الثنائي يمر في أصعب لحظة. وذلك لأن تركيا اعلنت أنها مستعدة لشراء مجموعة جديدة من أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات من طراز S-400 من روسيا. فيما أثار الكونجرس الأمريكي مسألة فرض العقوبات ضد أنقرة بسبب هذه الصفقة. وقال أردوغان "قدمنا للجانب الأمريكي الإجابات اللازمة لأن هناك خطوات اتخذناها بالفعل وأنجزناها ولا مجال للعودة في هذا الصدد". لذلك ألمح بشفافية إلى استياء الولايات المتحدة من التعاون العسكري التقني بين روسيا وتركيا.

أن بوتين، وليس الزعيم التركي، ذكر سوريا، وكذلك ليبيا ومنطقة الصراع الأرمني الأذربيجاني - وهي نقاط لا تتطابق فيها مصالح البلدين من نواح كثيرة. ولكن الزعيم الروسي جاء بها كأمثلة على التعاون "الناجح للغاية" بين البلدين على الساحة الدولية.

ربما مهدت هذه المقدمة السلسة لحوار صعب جرى خلف أبواب مغلقة، وكما افادت الخدمات الصحفية لكلا الرئيسين مسبقا ان الإجتماع لن ينتهي بتوقيع أي وثائق. بعد كل شيء، حتى لو لم يجري ذكر سوريا، وليبيا وناغورنو كاراباخ حيث يتفاعل كلا البلدين، ولكن ليس من دون مشاكل خطيرة. هذا يتعلق في المقام الأول بالوضع الليبي. إذ تتمسك تركيا وروسيا بوجهات نظر متعارضة تمامًا بشأن مصير التشكيلات المسلحة الأجنبية على أراضي هذا البلد. وهناك أيضا يرابط جنود أتراك. وترى أنقرة مادام ان وصول جنودها إلى ليبيا جاء بالاتفاق مع حكومة فايز سراج، فإن قرار مؤتمر برلين بحسم الوضع في البلاد، والذي يقضي بانسحاب جميع القوات الأجنبية، لا ينطبق على تركيا. الأتراك، بحسب الرأي الذي عبر عنه وزير الدفاع نفسه، لهم الحق في البقاء في ليبيا حتى بعد كانون الأول، عندما يتم التصويت في جميع أنحاء ليبيا وينتخب برلمان جديد. فيما تلفت موسكو النظر إلى أن حكومة السراج ليست سوى واحدة من الأطراف المشاركة في الحرب الأهلية الليبية. لذلك، من غير القانوني الاعتماد على قرارها.

كما أن هناك العديد من الأسئلة المتعلقة بتسوية الوضع في منطقة الصراع الأرمني الأذربيجاني. فقد مضى عام على انتهاء الحرب. ومع ذلك، فإن نقاط إعلان وقف إطلاق النار لم تنفذ بالكامل. بعد مرور عام على الصراع، ولا يزال وضع ناغورنو كاراباخ غير واضح. لا تزال جمهورية ناغورني كاراباخ وعاصمتها ستيباناكيرت موجودة، ولا تزال أذربيجان لا تعترف بها. وعشية الاجتماع بين بوتين وأردوغان، استبعد الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف إمكانية منح أي حكم ذاتي لأرمن كاراباخ. كل هذا يجعل احتمالية تكرار الأعمال العدائية عالية للغاية، خاصة بعد أربع سنوات، عندما تنتهي ولاية قوات حفظ السلام الروسية. وهذا يعني أنه في العلاقات بين الاتحاد الروسي وتركيا، التي تولت دور الراعي لأذربيجان، لا يزال هناك موضوع آخر قد يكون متضاربًا.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top