من أفلام الطريق.. ضوء على الارض

من أفلام الطريق.. ضوء على الارض

أحمد ثامر جهاد

في واحد من اطرف الافلام المعبرة عن منهج افلام الطريق للمخرج "جيم جارموش" المعروف بسينماه المستقلة، تقود خلفيات المشهد ومواقع التصوير المختارة الى خلق احساس قوي بعدم التوازن الذهني والنفسي لشخصيات الفيلم المتنوعة والموزعة بين نمطين اثنين:

سائق تاكسي يجوب شوارع المدينة ليلا من جهة وزبائنه من الركاب المختلفين مزاجا وسلوكا وثقافة من جهة اخرى. تلك المناظر والخلفيات الواقعية التي يختارها "جارموش" تتنوع بدرجة ملحوظة لتناسب طبيعة كل حكاية من الحكايات الخمس التي يتضمنها الفيلم. وهي وان تنوعت نسبيا بين شوارع زاهية في نيويورك وشيكاغو، الى اخرى اشد ظلمة وقتامة في روما وباريس وهلسنكي، الا ان الهدف من التناظر والتضاد بين الشخصية وخلفيات مكان الاحداث انه يشي في غالبيته بمحنة الشخصيات نفسها ودهشتها مما يحصل، خاصة في يوم عمل رتيب. تبدو الشوارع- الامكنة التي اختارها جارموش من خمسة مدن كبرى تجري فيها احداث قصصه مثل اشكال هندسية مشوهة وغير منسجمة. شوارع مقفرة وازقة كئيبة واستدارات قبيحة، تأطر افقيا طباع الشخصيات المستلة في معظمها بعناية فائقة من قاع الحياة اليومية. في احدى القصص التي يبدو انها جميعا تحدث بالتزامن في اماكن مختلفة من هذه الارض، يجري تبادل الوظيفة او الدور المناط بالشخصية بين سائق التاكسي وزبونه، كلاهما يرتديان قبعة مضحكة. يجلس الزبون الزنجي خلف المقود ويواصل الثرثرة مع السائق المسن(مهاجر من المانيا الشرقية) الذي يجهل الكثير عن مدن امريكا وناسها ولغتها. فيما تبدي مستأجرة عمياء حدة ذهنية وسلوكية تفوق ملاحظة السائق الافريقي الذي يقلها قبل ان يتسبب الاخير بحادث مروري ينم عن عمى وبلادة. لكن المضحك المؤسي هو قصة السكارى الذين يستاجرون سائقا في هلسنكي ويحاولون ان يستدروا عطفه خلال حديثهم عن محنة صديقهم النائم في المقعد الخلفي كونه مر بيوم نحس جدا، فما كان من السائق المتجهم بعد ان استفز الا مفاجأة زبائنه بحكايته الشخصية الاليمة حيث دوما هنالك من هو اسوء حالا منك، سرده الانفعالي جعلهم يذرفون الدموع مشفوعة بود انساني حميم. فيما تبدو قصة سائق التاكسي في روما(الممثل والمخرج روبرتو بنيني) الاطرف بين مجموعة القصص التي يعرضها الفيلم والتي توحي شوارعها الضيقة الملتوية بالمتاهة التي يدخلها السائق وزبونه (القس) مما يجعل هذه المناظر معبرة عن فكاهة عصابية لشخصية السائق الذي يتكلم من دون توقف في محاولة قلقة وسمجة منه للاعتراف الكنسي صحبة القس المريض الذي لا ينطق باية كلمة ويوافيه الاجل في حوض السيارة جراء الوسائل البغيضة التي سلكها السائق للترفيه عن نفسه. ستقول التشكيلات المتناظرة والتباينات اللونية لتلك الشوارع والساحات والازقة في نورها وعتمتها اكثر مما يقوله حوار الشخصيات مجتمعة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top