ق.ق.ج

ق.ق.ج

حنون مجيد

المابين

وضعت عينيها في عيني وحذّرت ؛

إياك أن تهبط بنا الأرض،

دعنا بين هذه التي تحت وتلك التي فوق،

فجمال الأشياء في المابين..

سنوات ونحن معلقان هناك،

تلفحنا الشمس ويقرنا البرد.

لم نأوِ إلى جبل ولم نلجأ إلى كوخ،

وما زلنا  نغني؛ إياك وهذه، وإياك وتلك،

لك المابين.

كنا نذوب ونصحو،

نرقص ونغني،

والريح تأخذنا وتعود بنا؛

المابين.. أشهى مراتب الوجود.

خيبة نرجسي صغير

صنع لنفسه تابوتاً له منافذ خفيّة يرى من خلالها الناس،

وأعلن عن موته.

كان يراوده حلم عظيم عن تفشي الحزن في نفوس الملايين،

وهلاك العشرات بل المئات عليه.

لكن خيبته كانت مُرّة،

حينما رأى ثلة صغيرة من الجيران يلتفون حوله،

ثم ينصرفون متشاغلين عنه.

همس لأهله؛ سدوا المنافذ جميعاً،

ولا تفتحوا التابوت.

قيام الوعد

كانا اتفقا على موعد،

لكن لما تفاوتا في الوقت،

اختلفا.

أدار كل منهما ظهره للآخر،

وزالا.

الوعد وحده،

ظل قائماً،

دونهما.

صديقي ذاك

كان صديقاً ودوداً ومحباً وكثير الهدايا،

لكن غالباً ما لا يصبر عليّ حينما يزورني،

فيقتحم باب بيتي الخارجي عنوة لأجده أمام باب الاستقبال.

يزعجني تصرفه هذا وأغضب منه وأكاد افقد أعصابي،

لكنني أكتم ذلك واستقبله بود وترحاب.

حينما ينصرف، أفكر في عمله هذا،

فلا أجد أخي يفعله ولا ابني ولا أي بشر سواه..

أخيراً؛ أتغاضى وأقول؛

هو وحده من يفعل ذلك، وأطفئ كل الحسابات..

سِحْر

كان يشعر فجراً يناديه، وأغنية بعيدة تردد اسمه،

وامرأة تمدّ يداً إليه.

كان ثمة ما يلمّ بنفسه، فيرتفع عليه جسده ويضيق بمكانه،

وما تزال الأغنية تغني، واليد تمتد، والليل يمضي،

وحتى الآن لم يذب الصوت، ولم تنكمش اليد.

كان الفجر على وشك أن ينبثق،

ويطلق الكون صفارة حياته.

نداء

فتح عينيه على نور الفجر يدخل غرفته من خلال شباكه المفتوح..

كانت الحديقة نائمة بعد،

وكذلك الريح وزقزقة الطيور.

عكازه؛ كان المستيقظ وحده.

تقاسيم

سلّمه صورته الحديثة التي ناهز فيها الثمانين، وأوصاه؛

امسح عنها خطوط الجبين،

وتجاعيد تحت العينين وتغضنات أسفل الرقبة،

وخلّ على حاله شعرَ الرأس الأبيض واللحية والشاربين،

وضعها في إطار ثمين وزجاجة ناصعة ثم إذا متُّ،

طوّق زاوية منها بشريط أسود وضعها على جبهة تابوتي،

وطف بها بين الناس.

قبل ان يكتمل العمل في اللوحة مات الفنان الشاب ذو العشرين كريم،

وسقطت اللوحة من بين يديه،

ولم يمت العجوز ذو  الثمانين عباس!

غربان سود

بشغف صباحي يضع كرسيه أمام واجهة بيته؛

يقرؤ في كتاب،

ويتأهب للرد على تحيات المارة،

ويتطلع إلى سؤال عن الكتاب الذي بين يديه.

كان هذا يشغله كثيراً،

حتى إذا امتلأ يأساً ولم يكن قرأ شيئاً،

وما من أحد مال إليه،

سحب كرسيه إلى داخل بيته،

وأغلق بابه عن زقاق رحلت شمسه مبكراً هذا اليومَ،

وثمة غربان سود تمشي عليه!

المشاركة في..”ألله»!

صديقي بعد ربع قرن من غربة لم يزر خلالها بلده العراق،

يصف لي جمال الشوارع والأشجار والساحات، والضباب،

والثلج ونظافة البيئة وسلام النفوس وطبائع الناس هناك،

وكنت، مأخوذاً بكل ذلك،

أردّ على كلّ كلام من كلامه بكل نفسي؛

“الله»!..

وأصف له مسيرتي كل جمعة من بيتي حتى جسر الشهداء،

وكيف آخذ أنفاساً رطبة من هناك،

وكيف أطعم نوارس دجلة بفتات خبز،

ثم كيف أقطع الجسر مشياً تحت شمس أول الصباح،

وأتجول في سوق السراي وشارع المتنبي،

وكيف أتصفح كتب الرصيف أو ادخل المكتبات،

وكيف التقي أصدقائي في مقهى الشابندر ،

كيف أشرب الشاي برفقتهم،

وأتحاور مع بعضهم عن شتى الموضوعات،

وقد أتقبل سيجارة من أحدهم،

أشعر لذتها مضاعفة مع استكان شاي آخر،

  وكان مع كل فقرة من فقرات كلامي ينفث حسرةً،

ويردد من كل نفسه:

«ألله”!

زيادة عن اللزوم

بيضة مسلوقة او مقلية بزيت قليل،

وخبزةُ شعير جافة، 

استكان شاي مر ،

ولا شيء من خاطر لذيذ أو شهية سابقة.

بعدكِ صار كل شيء زائداً عن اللزوم.

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top