حركة استبدال الهويات

آراء وأفكار 2021/10/24 12:05:46 ص

حركة استبدال الهويات

 ياسين طه حافظ

ثمة موضوع خطير ومصيري لأي منهاج تنظيري في الإصلاح الاجتماعي. ذلك هو : هل اختفت الطبقة بصفتها هوية تنظيمية اساسية معتمدة، وتولدت عن ذلك شعارات وتحديد مراحل نضالية؟ أم أنها لم تختف ولكنها طُوِّرت أو وجدت لها "تسميات أخرى" عبر اجتهادات الحركات السياسية ونتائج نضالاتها أو ممارساتها؟

لكننا من القول "تسميات أخرى" نفهم أن تحولات حصلت في مواقعها وفي مفهوماتها وليس الأقوال والمسميات مما يخفي كل الحقائق التي يجب الاعتراف بها، لنحتفظ بمصداقية امام سجل النضال البشري أو التاريخ!

يبدو أن خجلاً من الفشل والإقرار به يتم غض النظر عن استبدال الهوية الطبقية المعتمدة سابقا، بهويات أخرى. هو انتقال من "هوية" الفشل إلى أخرى دينية اثنية أو عنصرية أو مؤسساتية. وأن التشديد على الهوية الحركية الاثنية يمضي إلى حد أبعد كثيرا مما كان عليه الوضع في أي وقت من التاريخ الحديث. بل وصل الأمر إلى حد مسخ المعنى واستبداله بما يهين أو يسفه أو يلغي جوهريته.

الهوية الجديدة تؤدي دوراً، ولكنه ليس الدور القيادي الفاعل. هو باختصار خط صفته "مضاد" لرسمية الدولة اكثر من صفته تأسيسية لعالم جديد ممكن في ضوء حقائق ومعطيات.

أذكر في الستينيات، ابدى، أو تبنى بعض ادبائنا تبنيات وجودية أو عبثية أو قريبة منهما وكان وراءها جوهرياً هو الابتعاد من صفات الماركسية أو الثورية أو من المعتقدين بها. هذا الخوف –أو الوقاية- قربهم لفلسفة تريحهم مزاجيا وترضيهم أفراداً متميزين، وأنا في الثمانينيات كتبت قصيدة "غرفة يحيى" عن الفنان يحيى جواد، البعيد عن المعترك الاجتماعي إلى معتركات الهم الفردي والرغبات صعبة التحقيق أو المستحيلة..

هنا نوع من التثاقف السياسي، هنا ثقافة سياسية خارج الطوق التنظيمي، مع المحافظة على جوهرية الرفض الفردي ... المكسب الرسمي العام هنا، هو أن هذا الفرد، ابتعد عن التجمهر أو عن الطبقة أو عن الحزب الذي تطارده الدولة. إذاً، الدولة، رسميا، تحقق انتصارات خفية مهمة ضمن الخطوط الثقافية التقدمية.

رب قائل يقول : هذا يعني أننا ما نزال بحاجة إلى مزيد من الحوار لاقناع ذوي "المروق" أو الأختلاف الثقافي. ومن هذا القول –وهو قول تنظيمي- حزبي عادة، إقرار خفي بأن الدولة تُشغل الحركة بما يؤجل الكثير من مشاريعها، وتجعلهم بحاجة إلى مزيد من "الحوارات"، ناسين أن الدولة لن تظل ساكنة هي تجري المزيد من "الحوارات" ... هم يعتبرونه ايضاحاً أو تحليلاً للحال وأنا شخصيا أرى أنهم يدركون جيدا اللامعنى وراء هذا التسويغ. وأن ثمة خسارات في جانبهم ومكاسب ضمنية للدولة – السلطة!

ومن بين الاسقاطات الأخرى، هو أن الحراك الثوري النظري يعتمد ربط المسائل الشاملة بالامور المحلية لمنح الحراك معنى وطنيا أولاً ومباشرة مجتمعية إنسانية تتعلق بالحقوق والتغيير إلى الأفضل. لكن هكذا نوع من العمل قد تخترقه تغيرات ثقافية، تجعل من هذه الاثنوغرافية مدار توقع لامور مفاجئة تذرو كل الجهود والتوقعات ادراج الرياح لنعود بعزاءات ثورية بصفة نقود ذاتية أو تحليلات لأوضاع المنطقة والظرف الدولي وتوحد القوى المناوئة ضد روح الشعب المناضلة ...

ولكي يجدوا عذرا مقنعا لمثل هذه النتائج يدخلون في نشاطات، تبدو جديدة، مع القوى القريبة سعيا لنجاحات قد تعوض الخسارة وتعيد القوة لروح الشعب وتضع له امالاً بامكانات أوسع. وهكذا يبدأ نوع من السخرية، تبدأ محاولات لا يملكون سواها بأزاء ظرف أصعب منهم. وإذا بالائتلافات الجديدة حقول فرص وغنائم للدولة وليس لهم. وسيكون العذر عدم وفاء القوى الرسمية المرتبطة مصالحها بالأجنبي، وأننا حاولنا على أمل الوصول إلى مكاسب وطنية بحدود الممكن والمناخ. لكن الجميع سيدركون بعد وقت قصير أن تخسفات وانشقاقات واسعة صارت تتضح، بينها تتنامى قناعة بعدم كفاءة القيادات وتخبطها او ان المعوقات صارت اكثر تعقيدا مما تستطيع! وهنا يكثفون العمل التنظيمي للمّ القوى – شبه المنهارة، وفي هذه الاثناء يرون مجسداً، أمام الأعين، في الشارع وفي الكتابات، التفكك والانهيار الثقافي مما يجعل التنظيمات الثورية – الصلبة والمتصالبة منها، لا تملك إلا أن واقع الدولة وارتباطاتها والمعضلات السياسية الداخلية مكّنت القوى المعادية مؤقتاً، ويظل النصر للشعب وأهدافه .. لكن السلطات الغاشمة المسلحة والموكلة لها مهام اساسية في المنطقة تقوم بالمزيد من الحصار والتيئيس وتجريد المناضلين من انسانيتهم وهو المطلوب والحاصل بعد امتحان شرسٍ وصعوبة ظرف ولا معنى ... وهنا تعود ثانيةً محاولات تجديد أو استبدال الهويات، وأولى المتغيرات هي الهويات النضالية .. وكم يتضح هذا في الأوساط الثقافية حيث الأمزجة تساعد على اليأس والرثاء ... وبالرغم من كل شيء، الجميع يدركون عميقاً ان غياب الروح الثوري يترك الجسد للفراغ واللامعنى!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top