تحديات الهوية الوطنية

آراء وأفكار 2021/10/27 11:47:00 م

تحديات الهوية الوطنية

 إيمانويل برونيه بومرت*

ترجمة :عدوية الهلالي

يجد الباحثون والمنظرون صعوبة للاتفاق على ما تعنيه الهوية الوطنية. وقد شهد هذا الاختلاف ظهور عدد من النظريات ، واهمها التركيز على مفهوم الأمة فقد انجبت الحرب العالمية الأولى عصبة الأمم وانجبت الحرب العالمية الثانية هيئة الأمم المتحدة ،ووصل هذا المفهوم منذ ذلك الحين إلى الاعتراف في جميع أنحاء العالم باعتباره الأساس الشرعي الوحيد للدولة.

حقيقة أن الدول تتكون من أشخاص يعتبرون أنفسهم مختلفين عن الآخرين وتشابه الأفراد واختلافهم عن الآخرين يجعل الدول متجانسة وطنيا وأقصى طريقة للوصول الى مثل هذا التجانس هو "التطهير العرقي" الذي حدث مؤخرًا في يوغوسلافيا ورواندا ، والذي تم استخدامه بشكل متكرر في القرن العشرين ، وبلغ ذروته في محاولة النازية في ألمانيا (وأوروبا) للتخلص من العديد من الأقليات.

وتعيش المجموعات العرقية في نفس المساحات الجغرافية وتطالب بها لكونها تمثل وطن الأجداد. وتقع أفريقيا ضمن هذه الفئة، ولتحقيق ذلك ، يمكن أن تصبح الهوية الوطنية صعبة ومعقدة لأن معظم الحدود السياسية بين هذه الدول القومية هي إرث الاستعمار الذي أنشأها بالقليل فيما يتعلق باحتياجات الأفارقة وثقافاتهم وتقاليدهم. وقد حصرهذا الازدراء للانسان أكثر من 3000 مجموعة عرقية في 53 دولة (بما في ذلك ست جزر).

وفي أماكن أخرى ، وبالإضافة إلى اللغات الثلاث (الإنجليزية والفرنسية والعربية) ، تمتلك إفريقيا أكثر من 800 لغة و250 مجموعة عرقية مختلفة ، وهو مثال ممتاز للمشاكل التي تعاني منها أفريقيا في مايخص الهوية الوطنية.

وهكذا ، تواجه إفريقيا احتمال وجود هوية وطنية حصرية قابلة للاستغلال من قبل القادة السياسيين غير الشرفاء الذين يمكنهم تقسيمها بما يؤدي إلى حروب أهلية ، وبؤس إنساني كما في ساحل العاج ..اما في أوروبا فقد أدى ذلك الى خلق مجموعات كبيرة ، كما تنبأ المؤرخ الفرنسي إرنست رينان منذ أكثر من قرن مضى بقوله : "الأمم ليست أبدية. كان لديهم بداية ، وسيكون لديهم نهاية، ومن المحتمل أن يتم استبدالهم باتحاد أوروبي "..

ولدينا العديد من الوسائل لتحقيق تطور الهوية الوطنية ، وهي نفسها مرنة وقابلة للتغيير. فعلى سبيل المثال ، المشاعر الفردية لا تفعل ذلك لأن الهوية الوطنية هي مجموع ملايين المشاعر الفردية ..كما ان فكرة تشويه محتمل للهوية "الوطنية" موجودة في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك ، إذا كان هناك شيء واحد لا يمكن أن يكون قوميًا فقط ، فهو مفهوم الهوية. وهذا القلق له آثار أوسع بكثير مما يظهر في البداية، فقط لأنها امتدت إلى مفهوم الأمة اذ كشفت نفسها كموضوع ذي أولوية في اهتمامات الحكومة. وسينموهذا الاهتمام فقط مع نمو المشكلة.

الهوية ليست شخصية فقط ، إنها تتعلق أيضًا بالانتماء كما إن إستخدام تعبير "الهوية الوطنية" غير لائق ويؤدي إلى إعطاء مصداقية كبيرة لتعريفات القوميين ، الذين يرغبون في اختزال هوية الحضارة إلى أمة واحدة فقط. ومع ذلك ، فهي حقيقة للمجتمع ككل ، وليس فقط لواحد من أجهزته: إنها تتجاوز الحدود ، وتطغى على سلطة الإدارات. إنها قادرة على الوجود والنمو أينما كان الناس ، مدفوعين بالمبادئ المشتركة ، ويعملون معًا من أجل مصلحتهم المتبادلة.

لقد ارتكبت الإمبراطوريات العظيمة هذا الخطأ الشائع المتمثل في الخلط بين هوية المواطن والناس والمجتمع. ومع ان مبادئ الحضارات تسمح بتحديد الهوية فهي لاتولد من القوانين ، ولكن من الاتفاقات الضمنية ، التي يحتفظ بها المرء مع الآخرين والتي ينقلها المرء إلى أحفاده ، مثل العديد من الجذور اذ يولد المجتمع من الأسرة وهي التي ستحافظ على أسسها وتديم تراثها.وهذا هو السبب في أن الكتب المقدسة ، التي لا تمثل شيئًا للطفل الصغير ، تصبح مع ذلك أساسًا لحياته عندما يخبره بها الأب أو الأم.. إنها تصبح تقاليد ، وتصبح أصلًا للمجتمع.

إذا كان المحافظون اذن مرتبطين جدًا بمفهوم "الوطن" ، فذلك لأنه ركن من أركان المجتمع ككل ، وإذا كانوا يعرفون ذلك ، فذلك لأنهم اكتشفوه داخل بلادهم ،اما محو الهوية ، في مجتمعاتنا في العصر الحديث ، فهو ليس عملًا مباشرًا للحكومات ، التي لا تتمتع تجمعاتها أو مراسيمها أو جيوشها بهذه القوة..بل ربما كان سبب ذلك حدثا مدمرا بشكل استثنائي ، مثل الحرب العالمية الاولى التي كانت حدثا مدمرا للغاية لدرجة أن ملايين العائلات وجدت نفسها فجأة مبتورة من جوهرها ، فقد دمرت عشرات الملايين من الأسر في جميع أنحاء العالم ، وفي غياب الأب الذي ينقل إرث التقاليد لأطفاله الصغار ، فقد العديد من الافراد صلة ثمينة بأسلافهم.

إن هوية المجتمع هي ما يشار إليه عادة باسم "الحضارة". وهي التي تصنع الفارق بين الصينيين والروس ، وبين الألمان والمصريين. وتتجاوز القيم المشتركة السلطة أو القانون ، فهي تمثل مجموعة من المبادئ التي ، بالإضافة إلى الضمان الوحيد للعدالة ، تعمل كأساس للمجتمع. وبالتالي ، فإن "العقد الاجتماعي" ليس هو الرابط التأسيسي الوحيد للمجتمع ، بل هو نتيجة التعاطف والتعلق والماضي المشترك مثله مثل الديون الأخلاقية أو المادية المختلفة للأشخاص الذين يتكونون منه. إنه تمييز واضح ، ويمكن للمرء أن يقول إنه لا يمكن أن توجد مجتمعات بدون تمايز. سواء اجتمع الناس معًا لأنهم يتطابقون جسديًا أو معنويًا ، فإنهم سيأتون دائمًا لطرد أولئك الذين يختلفون. إن خصوصية الإنسان هي الارتباط بما هو أقرب إلينا ، في المقام الأول ، بالإضافة إلى تنحية ما يبدو لنا على أنه الأكثر غرابة. فكلما تطور المجتمع ، كلما أصبحت قيمه أكثر بساطة للاقتراب أكثر من المثل الأعلى للعدالة المشتركة. ونتيجة لذلك ، يتزايد عدد الشعوب والدول التي تنضم إليها. وتصبح الاختلافات أقل واقعية مع مرور الوقت وتُفهم الهوية المشتركة الآن على أنها سلسلة من القيم ولم تعد مجرد تقارب مادي أو لغوي. ومع تنقيتها ، تزداد قوة ويمكن أن تمتد إلى ما وراء أسوار المدينة ، وترافق كل مسافر. إنها أخيرًا حرة في احتضان العالم كله برؤيتها المميزة ، والتي بمجرد أن يفهمها الجميع ، ستسمح بنمو التجارة وتوسيع نطاق الثقافة ، حتى بين الشعوب البعيدة.

لكن الموت المفاجئ لكبار السن يؤدي بالاطفال إلى الاضطرار إلى إعادة تعلم القيم بأنفسهم. وفي حين أن هناك فرصة جيدة للنجاح في مثل هذا المسعى ، إلا أن الكثيرين سيفشلون في المحاولة. فعندما سيصبحون آباء ، سوف يتساءلون عما إذا كان من المبرر نقل المفاهيم التي تعتبر "عفا عليها الزمن" إلى أطفالهم. ويفضل الكثيرون "ترك الخيار" ، وبالتالي يقررون الوثوق بنسلهم الجاهل لتثقيف أنفسهم بأنفسهم ، والاعتماد على الحظ والفرصة.

فقط ، ليس لدى الطفل فرص نجاح أكثر من والديه ، وعندما يحين دوره لتعليم أسرته ، سيتساءل عما إذا كان هناك ما يبرر نقل أي شيء ، معطياً نفسه ذريعة أنه إذا كان هو نفسه قادرًا على ذلك. اي يتخذ "خياراته بنفسه" ، فيمكن لوريثه أن يفعل ذلك أيضًا. ويرى الجيل الجديد أنه يحكم على نفسه على أنه "مسؤول عن قراراته" ، ولكن يجب الحرص على عدم تعليمه مفاهيم الاختيار والقرار والمسؤولية.

فاذا تمكن البعض من اتخاذ قرارات جيدة ، فماذا عن الآخرين؟ هذا هو سبب استعداد الشعوب لاتباع طريق العبودية: هناك ، في ذهن كل فرد ، رغبة ملحوظة إلى حد ما في العودة إلى الوطن وتصميم على العودة إلى بساطة الطفولة ..وإذا كان جميع الصينيين يأكلون باستخدام عيدان تناول الطعام ، فذلك لأن والديهم قاموا بتعليمهم القيام بذلك ، فبدون دعم المنزل ، سيظل الشاب حراً في تقليد الأشخاص الذين يقابلهم في طرقهم ، لكنه سيقضي سنوات في إتقان العادات الأساسية. وإذا كان موهوبًا ، فلن يتأثر مستقبله ، ولكن إذا واجه أي صعوبة في تعليمه ، فسيظل بعيدًا عن هذه الخطوة لبقية حياته.

هذه هي الثروة الموروثة من الثورة الصناعية الأولى وقد كانت كافية لخوض حربين عالميتين وإعادة بناء العالم كله بعد وقوعه ،ولا يهم إذا كانوا رابحين أو خاسرين فيها.

* محلل استراتيجي

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top