بيدرو ألمودوفار يتحدث عن فيلمه القصير  الصوت البشري :أعددتُ مسرحية كوكتو دون أن أجعل المرأة خاضعة

بيدرو ألمودوفار يتحدث عن فيلمه القصير الصوت البشري :أعددتُ مسرحية كوكتو دون أن أجعل المرأة خاضعة

ترجمة: نجاح الجبيلي

-2-

لكن في هذه الحالة ، شعرت وكأنني ملك: حر جداً. لا أقول أنني لم أشعر بالحرية في صنع فيلم "الألم والمجد"- شعرتُ بالحرية الكاملة. لكن هذا كان نوعاً آخر من الانضباط. بالنسبة لي، كان نوعاً من التجربة. كما أنني لم أكن أعرف أن الفيلم سيظهر في دور العرض عندما كتبته. لكن الرؤية، كتجربة أيضاً، كانت تحقيقه باللغة الإنجليزية، لأن ذلك كان جديداً بالنسبة لي.

كان هذا أحد الأسباب الأخرى لجعل الفيلم على ما هو عليه، ومع تيلدا سوينتون. لطالما حلمتُ بالعمل معها. لقد عرفتها منذ زمن بعيد. (التقينا) على العديد من السجاد الأحمر ومراسم توزيع الجوائز. لطالما أحببتها. لكن بصفتي فناناً، أنا أمجدها حقاً. لذلك حين سألتها عما إذا كانت ستمثل الفيلم، على الرغم من أنّه كان غريباً بعض الشيء، كانت متحمسة للغاية. لقد جعلتْ الأمر ممكنًا أكثـر، كل ما يحدث أمام الكاميرا.

حين كنتُ أتدرب معها، كنت خائفاً بشأن اللغة. لغتي الإنجليزية، كما ترى، ليست جيدة. لكن مع تيلدا، كان الأمر مختلفاً. تقول إننا فهمنا بعضنا البعض، وكان ذلك حقيقياً، لأن كلانا يتحدث لغة السينما. بهذه اللغة، فهمنا بعضنا البعض جيداً. في هذه اللحظة، كانت تقرأ السيرة الذاتية لمايكل باول ، وهو أحد أعظم مصادر إلهامي. يعرفه مارتن سكورسيزي جيداً، لأن ثيلما شونماكر، التي تحرر أفلامه، كانت الزوجة الأخيرة لمايكل باول. تحدثنا عن الأفلام وأشياء كثيرة مشتركة. لذلك كان من السهل جداً بالنسبة لي أن أفهمها وأن تفهمني. منذ البداية، كان لديها إيمان أعمى بي. وعندما يحدث ذلك، هذا يجعلك تشعر بأنك قوي جداً وأكثر أماناً.

 في وقت مبكر من فيلم "الصوت البشري" ، تذهب تيلدا إلى متجر للأدوات إذ تشتري فأساً، وهي لقطة لا تُصدق ولا تُنسى. متى ولماذا تخيلت ذلك، وكل اللحظات ذات الطراز المذهل؟

-تأتي الفكرة الأولى من ذلك المشهد في فيلم "نساء على الحافة"، حين كانت تدمر المنصة بفأس. احتفظتُ بهذه الصورة في البداية، لذا ذهبتْ لتشتري فأساً. حين أقول أنّ كل ما أحبه كان سبباً كافياً لوجودي في الفيلم، كان الأمر كذلك حين أتخذ قرارات مع تيلدا - إنها جميلة جسدياً، يمكنها أن ترتدي كل شيء، أي لباس وزيّ. أحبّ المجموعة الأخيرة من "بلانثياغا" ، لذلك جربت العديد من ملابس "بلانثياغا" عليها. كان أحدهما أول فستان أحمر كبير - كان من المستحيل الجلوس فيه. لكنني أحببته كثيراً، وأحببته كثيراً على تيلدا، إذ أنني قررتُ عمل مشهد في البداية قبل العناوين، فقط لتقديم الشخصية في ذلك الفستان وهي تمشي ضائعة. كنت أعلمُ أن المتفرج لن يعرف ما يحدث. لكنها كانت مثل عارضة أزياء مهجورة في ثوب جميل. لذا فإن سبب ارتداء تيلدا للثوب الأحمر والزي الأسود والبدء به هو أنني أحببت كيف كانت تبدو في الملابس. لم يكن هناك مكان في النص لارتداء تلك الملابس، لذلك اخترعت هذا، مشهداً أولياً للعنوان الأولي وعرضاً تقديمياً لها في ملابس "بلانثياغا".

يتكون مشهد العنوان أيضاً من كل تلك العناصر التي قد تجدها في أي متجر للأدوات. إنها في غاية الخطورة، أليس كذلك؟ لكنها بلاستيكية جداً في نفس الوقت. لقد قمتُ أيضاً بوضع ذلك في النص وذهبتُ ووجدتُ لنفسي متجراً للأدوات، وقد أحببتُ كل ما رأيتُ فيه، تلك الأدوات. لذلك قررتُ استخدام الأدوات في مشهد العنوان الأولي هذا.

 هناك سطور في النص يبدو أنها كتبت خصيصًا لتيلدا، كما لو كانت تعلق مباشرة على نفسها. هل كتبتَ هذه بعد ذلك؟ هل كنتَ تفكر بها عند الكتابة؟

-كلا، هذه كتبت سابقاً. كنا في مرحلة الإنتاج قبل عام واحد فقط في فبراير-شباط، وقد بدأنا بالفعل، وتدربنا، وفجأة، حلّ الوباء، والحظر. لذلك كان عليها أن تذهب، وبقيتُ في مدريد. وحين استأنفنا كل شيء كان شهر يوليو-تموز، لأن الوضع كان آمناً بما يكفي لمواصلة العمل. لذلك كل شيء كُتب مقدماً. هذا التعليق عن نفسها [والشحوب]، كتبته منذ البداية وأنا أفكر في ممثلة مثلها. لم أكن متأكداً من أنها ستكون هناك، لكني فكرت في شخص مثل تيلدا. هذا النوع من التعليق على نفسها هو مزيج من شيء قديم - ليست سيدة عجوز، ولكن شخص ناضج، وأيضاً طريقتي الخاصة في أن أكون يائساً. لقد كان مبنيا جزئياً على أفكاري عن هذا الموقف المتمثل في أن يتخلى عنه شخص ما وفكرة شخص مثل تيلدا، التي ستنفذه.

 ماذا تقصد بالتحديد بيأسك؟ وهل هذا هو سبب عودتك إلى هذه المسرحية وهذه الأفكار؟

هذه الفكرة الكاملة عن إنسانة تخلى عنها حبيبها - يمكنك القول إنه أم كل المواقف. [يضحك] هذا هو جوهر كل شيء. يمكن أن يكون رجلاً أو امرأة، ولكن بالنسبة لي، فإن فكرة الهجر واليأس من شخص تم التخلي عنه هي فكرة أجدها ديناميكية حقاً. إنه يدفع حقاً ذلك الشخص الذي تركه حبيبه إلى التصرف بطريقة لاستعادة الشخص. في هذه الحالة بالذات ، الصورة التي كانت في ذهني، وأعتقد أنك تجد نفس الشيء في مسرحية كوكتو، هذه المرأة التي هي نوع من المغنية. إنسانة كانت ممثلة رائعة وهي الآن في الخمسينيات من عمرها. وكل هذه الخصائص التي تجدها في تيلدا: إنسان ما كان نموذجاً في حياتها الماضية، وهي تكتشف الآن، فجأة، أن مظهرها عاد إلى الموضة مرة أخرى. لكن هذه هي فكرة التخلي عنك ومواجهة اليأس التام، حين تواجه الهاوية، وهذا الفراغ. أنا على دراية بذلك، من تجربتي الخاصة. لذا نعم، هناك القليل من سيرتي الذاتية ومشاعري الخاصة، والتي يتم تقطيرها في هذه المرأة.

إذا كنت تسألني لماذا أعود إلى اليأس والتخلي، إنها فكرة أجدها غنية ومثمرة للغاية. لكن على أي حال، أعتقد أن هذه هي المرة الأخيرة التي سأستخدم فيها هذا الموقف. [يضحك] استخدمته في فيلم "زهرة سرّي" وبعض الأفلام الأخرى. أنا الآن أنتج فيلمي الجديد [Madres Paralelas] ، وعدتُ إلى العالم الأنثوي. الأبطال الثلاثة هم شخصيات نسائية، وسيكوننّ نساء في ورطة. لا أستطيع أن أرى نفسي أكتب عن امرأة سعيدة. امرأة مع عائلتها الرائعة السعيدة؟ إذا فعلت ذل ، فستكون كوميديا ساخرة للغاية. ستواجه النساء في فيلمي الجديد مشاكل كبيرة، لكن الرجال لم يتخلوا عنهن. المشاكل هي الآخرون.

 وماذا يحدث مع اقتباس لوسيا برلين؟

-هذا ليس الفيلم الذي أعمل عليه الآن. لدي المسودة الأولى لقصص لوسيا برلين القصيرة، وفكرتُ في الأمر العام الماضي، في محاولة لإنشاء مواقع واكتشاف أماكن أخرى في المكسيك والولايات المتحدة، في سان فرانسيسكو وأوكلاند. لكن بطبيعة الحال، فإن الوباء قطع إمكانية السفر. لقد أوشك الفيلم على الانتهاء، إنه مسودة أولى، قريب جداً من النص الفعلي. لكن اثناء الحظر، كتبتُ للتو شيئاً ما سأحققهُ الآن. شيء ممكن أكثر بكثير. شيء ما باللغة الإسبانية، وليس باللغة الإنجليزية. سأبدأ التصوير خلال ثلاثة أسابيع. تحتاج لوسيا إلى الانتظار حتى يصبح الوضع أسهل، للسفر إلى الولايات المتحدة والمكسيك. لا أشعر أن الكثير من الناس قد خسروا سنة كاملة. لحسن الحظ، جزء من عملي هو أن أكون أمام الكمبيوتر وأكتب وأصحح وحدي في المنزل. هكذا تمكنتُ من العمل. لقد كان مثمراً للغاية، لأنني كنت شديد التركيز. لم يكن لدي مواعيد ولم أر أحدا. كنتُ مشغولا جدا في المنزل! وبعد ذلك سأفكر في لوسيا برلين. هل قرأتها؟

*لم أقرأها بعد.

أوه، أوصي بها لك! إنها مضحكة للغاية. إنها غامضة جداً. إن قسوتها على نفسها وكتابتها تجعل القصص نابضة بالحياة. أنا حقا أوصي به لك.

 لقد قلت إنك ترى هذا الفيلم هو الوحيد الذي له نهاية سعيدة في مخزونك السينمائي. كيف تراها نهاية سعيدة، والبطلة تشعل النار بشقتها- ولماذا تنتهي سعيدة الآن؟

لأنني شعرت بتعاطف كبير مع الشخصية. إنّ كلمات كوكتو دقيقة جداً في وصف الألم الذي تشعر به. لكن ذلك الألم دورة مغلقة. لذلك كان هذا هو المفتاح في عدم جعل هذه المرأة خاضعة، كما هو الحال في مسرحية كوكتو. لقد كانت ضرورة أخلاقية بالنسبة لي لمنحها مخرجاً. كما أن شخصية كلبها أكثر أهمية في فيلمي من نسخة [روبرتو] روسيليني، حيث يظهر الكلب في إطار واحد فقط. أردت أن أؤكد أنهما كائنان حيان، الكلب والمرأة، تم التخلي عنهما. وكلاهما في نفس حالة الحداد. لقد ألهمني الكلب في اللحظة الأخيرة.

بعد أن [أشعلت النار في المنزل] ، كان على رجال الإطفاء أن يحضروا إلى موقع التصوير، وكان الكلب متوتراً. فكرة خروجها مع الكلب، جاءتني في تلك اللحظة. جلستُ في موقع التصوير وكتبت على الفور، دفعة واحدة، آخر محادثة مع تيلدا والكلب، عندما قالت، "أتعلم ، من الأفضل أن تعتاد على هذا. نحن وحدنا جميعاً، أنا عشيقتك الآن. كلانا حزين ونحزن على الخسارة التي عانينا منها ". ليس لدينا أي فكرة عما سيحدث لها بمجرد انتهاء هذا المشهد، ولكن ما أفعله هو الانفصال عن الدائرة المغلقة لمونولوج كوكتو. لأنني كاتب ومخرج، شعرتُ بالحاجة إلى تحريرها. أنا أفتح الاحتمالات لها. هناك أمل لها. لم تعد عالقة في هذا الرجل الذي تركها. كيف ستكون حياتها؟ لا نعرف. لكن يمكننا أن نتخيل أنه بسبب شخصيتها، سيكون الأمر ممتعاً للغاية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top