حضيري أبو عزيز والغناء الريفي في العراق

حضيري أبو عزيز والغناء الريفي في العراق

ثامر العامريسمات الغناء الريفي لقد وضعت أسس الغناء الريفي منذ بدايتها على نمط اطوار كان يؤديها المطربون الريفيون من دون الولوج في ابعادها النغمية والى معرفة الفصيلة الموسيقية التي تنتهي اليها فكانت الغالبية العظمى منهم مقلدة تنقل طوراً معيناً لاتختلف فيه الا ذبذبات الصوت

 ومدى تباينها بين مطرب واخر، لذلك ظهرت قراءاتهم متقاربة في الاداء ومختلفة في الصوت، فلو كنت توجه سؤالاً الى احد المطربين الريفيين الذين عايشوا حضيري في فترات حياته الغنائية المتعددة عن النغم الذي يغني فيه لوجدتهم في الغالب يحجمون عن الاجابة علماً بأن معظمهم كانوا ينقلون الكلمات عمن سبقوهم دون اعتبار لتطوير الزمن، وهناك سمة اساسية تميز المطرب حضيري عن المطربين الاخرين الريفيين ذلك ان المطربين الريفيين القدامى لم يتفاعلوا مع معاناة الشعب واقتصرت مواضيعهم على الحب والغرام ولنعد الى المطرب حضيري الانسان الذي نشأ امياً الا انه تمكن بقوة الحافظة ان يربط اطواره بانغامها وان يحاول جاهداً التعرف على هذه الانغام حتى تمكن من احتوائها. وهذه سمة ميزت حضيري على المطربين الذين عاصروه وحتى اغلب المطربين الريفيين المعاصرين اما السمة الثانية التي ميزت حضيري عن سواه فهي سمة نظمه للشعر وبهذا يكاد يكون المطرب حضيري متميزاً بها على من سواه اذا ما استثنينا المطرب عبد الامير الطويرجاوي ، وبين ايدينا الكثير من تراث حضيري الغنائي الذي هو خير مؤشر يوضح لنا قابلية حضيري الشعرية، هذه القابلية التي ميزت كثيراً من مطربي العرب وفي مقدمتهم الموسيقار فريد الاطرش. اما السمة الثالثة: فهي حسن اختيار حضيري (ابو عزيز) للمواضيع الاجتماعية التي تعبر عن روح الجماعة وتعالج قضايا الساعة.. وتكاد تكون مترجمة للسمة الثانية وهي نظمه للشعر، مثال ذلك اغاني (يابو بشت بيش بلشت) و(شيريد مني المختار) و (عمي يابو التموين) و(فوك فوك على الرصيف) وان هذه الاغاني قد عالجت مشاكل اجتماعية كان يعانيها الشعب ترجمها المطرب حضيري ويكاد يكون منفرداً فيها ليس بين المطربين الريفيين العراقيين بل  حتى المطربين الشعبيين في الوطن العربي. اما السمة الرابعة: والتي لم يسلكها مطرب ريفي من قبله ومن بعده فهي سمة التلحين والتي تأتي مترجمة للسمة الاولى عند حضيري وهي سمة معرفة الانغام. فلو لم يكن حضيري ملماً بالانغام التي تسجل عليها الاطوار الريفية لما تمكن من تلحين اغانيه ولذلك نجده لاينشز عند قراءاته لوصلة غنائية اذ تتطابق البستة عنده مع نغم طور الابوذية. المدارس الغنائية من الصعب تحديد مدارس الغناء الريفي بشكل مطلق الا انها برأينا تنضوي تحت ثلاث مدارس رئيسية: المدرسة الاولى: مدرسة ميسان وهذه المدرسة انطبع غناؤها الريفي بالاسى والحزن ولم يتمكن مطربوها من غناء الاطوار الريفية (الابوذية) واقتصروا على غناء البستة فقط، واننا بالرغم من عدم انتقاصنا لهذا الفن فهو قائم بذاته وله انصاره.. الا ان ابتعاده عن اطوار الابوذية وضعه في موقع اقل من غناء الابوذية لأن غناء الابوذية مرتبط بالريف ارتباطاً وثيقاً ويكاد يكون تراثه الوحيد فضلاً عن ان اللهجة التي يؤدي بها مطربو ميسان غناءهم تكاد تكون بعيدة عن اللهجة الشعبية (الحسجة) والتي نظم فيها الشعراء كثيراً من قصائدهم. هذا من جهة اقتصارهم على البستة لكنهم اشتهروا بغناء طور المحمداوي  الذي ظهر في منطقتهم واخذوا يضيفون على هذا الطور لمسات كثيرة تكاد تكون مرتبطة بحياة المؤدي تختفي بعد وفاته او يبقى المغنون الاخرون يؤدونها بشكل تقليدي، واذا ما اردنا الرجوع الى غناء المطربين المميزين في منطقة ميسان امثال حريب العمارتلي ومسعود العمارتلي نشاهد ان البستة هي الشائعة في غنائهم.. وهذا يصح على فترة ما قبل الثلاثينيات من هذا القرن، لان مطربي ميسان بعد ظهور الاغنية المسجلة على الاسطوانات تفاعلوا مع المطربين في محافظتي ذي قار وواسط الذين كانوا اول المبادرين لتسجيل غناء الابوذية على الاسطوانة، هذا التفاعل جعل مطربي ميسان يترسمون خطوات مطربي ذي قار في غناء الابوذية في اواسط الاربعينيات وحتى وقتنا الحاضر.   المدرسة الثانية: مدرسة الفرات الاوسط لقد كان مطربوها يغنون الاطوار الشهيرة وامتازوا بأنهم قرأوا الابوذية مولدة عن القريض وامتازت لهجتهم بلهجة (الحسجة) المطعمة بالحضرية النجفية والحلية والسماوية فبرزت قراءاتهم ذات ثوب جميل تأثر به بعض المطربين الريفيين من المدارس الاخرى وفي مقدمتهم مطربو ذي قار وواسط ، هذه المدرسة امتازت منها شريحة بأغاني الابوذية الحزينة منسحبة على اطوار الملائي والمثكل والقزويني ظهرت فيها شريحة اخرى تغني (البستة) بشكل شعري مختلف عما هو عند المطربين في المدارس الاخرى، اذ كانت (البستة) عندهم تعتمد على الدور وتتشعب الى ابيات شعرية ترتبط جميعها بالدور الواحد وقد اشتهر من بين هؤلاء في اداء هذا النوع من المطربين القدامى الحاج زاير الدويج والسيد خضر القزويني والشيخ حميد المحتصر والملا منفي العبد العباس الذي اشتهر في قصيدته التي مطلعها: طاب الشراب الليلة         

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top