كَسر السقف الزجاجي..حوار مع هيفاء المنصور.. أول مخرجة أفلام سعودية

كَسر السقف الزجاجي..حوار مع هيفاء المنصور.. أول مخرجة أفلام سعودية

ترجمة: قحطان المعموري

هيفاء المنصور لا تحتاج إلى مقدمة كثيرة. فهي امرأة تصنع التاريخ: إنها أول مخرجة أفلام سعودية. أول أفلامها الطويلة كان فلم (وجدة) الذي أُنتج عام 2010 وتم تصويره أثناء الاختباء في مؤخرة شاحنة في شوارع الرياض،

وظهر لأول مرة في المنافسة في مهرجان البندقية السينمائي. أما أحدث أفلامها فكان (المرشح المثالي) الذي عُرض في مهرجان البندقية ، وهو دراما سياسية عن امرأة تترشح لمنصب لتجد حملتها وهي تكتسب زخماً غير متوقع.

تعيش هيفاء المنصور حالياً في الولايات المتحدة مع زوجها الأمريكي وطفليها ، لكنها ولدت في قرية صغيرة بالسعودية ، وذهبت لدراسة السينما في القاهرة بدعم من والدها. التقينا هيفاء في النسخة الأولى من مهرجان البحر الأحمر السينمائي في جدة ، وهو أول مهرجان سينمائي يقام في المملكة العربية السعودية.

 كيف أصبحتِ أول مخرجة سعودية؟

- يمكنني القول من أنني شخصياً قد صنعت فرصتي وحظي . لقد جئت من بلدة سعودية صغيرة تكاد تكون غير موجودة على الخريطة و نشأت وأنا لا أتحدث الإنجليزية على الإطلاق. ذهبت إلى المدارس العامة ، كنت محظوظةً لأن والديّ ، اللذين لا يتحدثان الإنجليزية كانا من الطبقة الوسطى و كانا ليبراليين إلى حد ما. لم يجبراني على ارتداء الحجاب ، وجلبا الموسيقى إلى العائلة ، لكنني عشت طفولتي على أنها الحياة السعودية النموذجية.

 متى أدركت أنك أصبحت أول مخرجة أفلام سعودية؟

- كنت شابة. ولم يكن لدي أي اتصال مع السينما. كنت أصنع أفلامًا من أجلي ، وكان فيلمي الأول لا يتعدى كونه تجربة هواة . حمل أخي الكاميرا، أما أختي فكانت هي النجمة ولم أكن أعرف كيف أعدّها لهذا الدور، لا بل لم أكن أعرف ما هو مفهوم الفيلم القصير. أرسلته إلى مهرجان سينمائي في أبو ظبي وتم قبوله وأرسلوا لي دعوة. ذهبت إلى هناك ولم أكن أعرف ما الذي كان يحدث. قالوا لي "أنت أول مخرجة أفلام سعودية". وقلت "نعم أنا كذلك!" أعتقد أنه إذا كانت المرأة لديها شغف لرواية قصة ، فسيكون هناك مكان لها. بإمكان الفرد اليوم ان يبحث على الإنترنيت ليجد الكثير ممن يستطيع الدعم والإسناد .دائماً ما يكون هناك شيء ما للأشخاص الذين هم على استعداد لتغيير حياتهم. لا يمكنك إجبار الأشخاص الذين لا يريدون فعل أي شيء ، لكن الأشخاص الذين يريدون خوض مغامرة في الفن سيجدون طريقًا. هناك مخرجة شابة في بلدة صغيرة مثلي بعيدًا عن أي مكان وأعتقد أن هناك مكانًا لها لأن تبدأ.

 الآن وأنت تغادرين الولايات المتحدة. ما هو شعورك وأنتِ تعودينَ للسعودية؟

- إنه لأمر مدهش أن أذهب إلى المطار وأن أرى النساء في الوظائف العامة، وفي مراقبة جوازات السفر وفي كل مكان. لقد ترعرعتُ هناك في زمنِ لم يُسمح للنساء على الإطلاق بالتواصل مع الجمهور. كان لابد من حمايتنا. أتذكر أنني قابلت شخصية دينية كانت محافظة جدًا، لكنه الآن تغير كثيرًا وأصبح ليبراليًا. ومن أقواله: "للمرأة ثلاثة أماكن. بيت أبيها، وبيت زوجها، وقبرها". الآن نرى النساء أكثر انفتاحا وتتواجد في الأماكن العامة دون مضايقات، إنه لأمر مدهش حقاً.ً

إن سرد القصص السعودية أمر معقد ، لأن التغيير جوهري للغاية. لدي أخت طُلقتْ لتوها وقبل أن يأخذ الأب الأطفال. لن تكون قادرة على القيام بأي عمل ورقي أو الذهاب إلى المحكمة بنفسها. كان عليها أن يكون لها وصي. لم تكن تستطع قيادة السيارة. الآن يمكنها ذلك. إنها تأخذ أطفالها. وتقوم بكل أعمالها الورقية. لقد تم تمكينها كإنسان في عملها الصغير الخاص ، وهو أمر كبير بالنسبة لها. أتذكر عندما تزوجتُ ، لم أتمكن من إجراء فحوصاتي الطبية ، وكان على زوجي الأمريكي التوقيع نيابة عني. الآن يمكن للمرأة إجراء فحوصات طبية دون إذن من زوجها.

 السينما ممنوعة في السعودية، وبدأت بمشاهدة الأفلام على ( في أج أس) مع والدك. متى أتيحت لك الفرصة لمشاهدة الأفلام على الشاشة الكبيرة؟

- عندما كنت طفلةً ، أتذكر بأنني حاولت استئجار فلم من متجر (في أج أس ) في المملكة العربية السعودية. كنت في الرابعة عشرة من عمري ، أرتدي حجابي وأذهب مغطاة بالكامل. كانت هناك لافتة خارج المتجر تقول "غير مسموح بدخول النساء". اضطررت للبقاء خارج المتجر ، وأنا أأنظرُ في كتالوج الأفلام على واجهته، بعدها اضطر والدي إلى استئجار الأفلام التي أردت مشاهدتها. اعتدنا الذهاب إلى مصر مع عائلتي ، حيث كان يمكنني مشاهدة الأفلام على الشاشة الكبيرة. أتذكر ذلك بوضوح شديد. إنه لأمر مدهش رؤية أن كل هذه الأشياء تصل إلى النساء اليوم.

 ما هي آمالك المعقودة على هذا المهرجان؟ ما نوع الحوار الذي يمكننا تأسيسه، وما الذي يجب القيام به، وما هي الحدود التالية يا ترى؟

- أتمنى أن أرى المزيد من المخرجات. أعتقد أن السينما السعودية الآن في دور التكوين لأنها لا تزال في البداية. لكن هناك مساحة كبيرة للنساء لسرد قصصهن المذهلة. أنا متحمسة كثيراً لرؤية موجة جديدة من صانعي الأفلام ، وخاصة النساء. لكني آمل أن يصبح هذا المهرجان مكانًا يطلق مسيرة صانعي الأفلام في الشرق الأوسط. نحتاج حقًا إلى رؤية المزيد من الأصوات من هذا العالم ، خصوصاً الأصوات الأكثر ليبرالية، وهي عملية تحتاج الى بعض الوقت. نحن بحاجة إلى الانفتاح ، وإلى سماع المزيد من القصص المحلية التي يمكن أن تحدث تحولًا ثقافيًا في المجتمع.

هل تحدثينا قليلاً عن فلمك (المرشح المثالي)؟

إنه يوضح الكيفية التي يضطهد فيها النظام الأبوي المرأة، ولكن بطريقة تبدو وكأنه فيلماً هزلياً أيضًا. إنها قصة مشفوعةً برسالة جادة لكنها مسلية أيضاً.

 كيف حققتِ هذا النوع من التوازن؟

- يتوقع الناس فيلمًا حزينًا عن شخص يتعرض للقمع ، لكنني دائمًا أريد أن أقدم أبطالًا ليسوا ضحايا ، ربما ولدوا في ظروف صعبة ، لكن ظروفهم لم تهزمهم. وأريد أن يحب الجمهور مشاهدة الفيلم. قوة السينما في الترفيه. أريدهم أن يذهبوا ويستمتعوا ، حتى لو كنت أحمل قصة حزينة من المملكة العربية السعودية .

 مالذي فَعلتْهُ لكِ تلك السنوات الخمسة والثلاثين التي كانت السينما خلالها ممنوعة ؟

- لقد جعلتني أقدّر السينما أكثر. السينما في كل مكان تقريبًا إضافة الى نيتفلكس ومنصات أخرى . ربما الإقبال على دور السينما اليوم ضعيف قليلاً في الكثير من دول العالم ، لكن ليس في المملكة العربية السعودية. نحن نحب الأفلام لأننا افتقدنا السينما لفترة طويلة. لدينا هذا الحنين لمشاهدة فيلم مع أشخاص آخرين في صالة كبيرة. إنها تجربة لم نمتلكها ، ونحن متشوقون لخوضها.

 يمكننا أن نرى جيلًا جديدًا من صانعات الأفلام قادمات من هذا البلد. هل أن هذا الحضور القوي للمرأة اليوم يحدث فقط في السينما، أم في جميع مجالات المجتمع؟

- المرأة السعودية اليوم تملك لحظتها التاريخية، قبل ذلك، كان هناك سقف زجاجي يسمح للمرأة بالحصول على ترقية في العمل وما إلى ذلك. أعتقد بأن السقف الزجاجي هذا لم يعد قائماً اليوم. يمكن للنساء أن يفعلن الكثير لوكُنّ يؤمنّ بأنفسهن. ومع ذلك، فالمجتمع محافظ وسيكون هناك الكثير من النضالات. إنه ليس حلماً وليست صورة وردية، لكنها صورة تستحق أن تُروى، وهي رحلة تستحق القيام بها لأنها ستؤتي ثمارها أخيرا.ً

قد يكون صعباً تقبّل الناس لهذا التغيير سريعاً، لأننا كنا محافظين ولفترة طويلة. لا يمكننا تخيّل وجود امرأة ملحّنة أو مؤلفة موسيقية ، لن يكون الأمر سهلاً لأن هذه المجالات مُسيطرْ عليها . تحتاج النساء اليوم إلى الاستفادة من هذه اللحظة التاريخية وعدم قبول "لا" للحصول على إجابة ، وإزالة الخوف لديهن من التحديات.

 هل أن فوز المخرجة الصينية (كلوي تشاو) بجائزة الأوسكار قد أحدثَ فارقًا كبيرًا؟

- إنه لأمر مدهش أن ترى نساء ملوّنات يحتلنّ المراكز الأمامية. كان حقاً حدثاً مؤثراً بالنسبة لي. أنا متحمّسة ايضاً وبقوة لـ (جين كامبيون ) وفلمها قوة الكلب، وسيكون من الرائع أن يكون الفوز بجائزة الأوسكار مرة أخرى هذا العام لامرأة. سيؤدي ذلك إلى إحداث ضجة وسيمهد الطريق للناس لفهم أننا جزء هام من التيار الرئيسي.

 ما هو شعورك كونك أول مخرجة تصنع تاريخ السينما السعودية؟

- أشعر بالفخر والاعتزاز. أتمنى أن أُلهم فتيات أُخريات ليصنعن أفلامًا وأشياء أخرى. أجل، أشعر بالفخر، لكنني لست النموذج الوحيد الذي يحتذى به. أتمنى أن يتّخذ الآخرون قرارات أفضل للوصول الى نتائج أفضل.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top