بيت المدى يستذكر القاص العراقي محمود جنداري..كتب الواقعية السحرية بـ الفطرة  بموهبته الخالصة وقدراته السردية العالية

بيت المدى يستذكر القاص العراقي محمود جنداري..كتب الواقعية السحرية بـ الفطرة بموهبته الخالصة وقدراته السردية العالية

 بسام عبد الرزاق

 

اقام بيت المدى في شارع المتنبي، أمس الاول الجمعة، جلسة استذكار للقاص والاديب العراقي محمود جنداري، ساهم فيها نقاد واكاديميون من خلال شهادات واوراق نقدية حول كتابات جنداري فضلا عن العوامل التي احاطت به آنذاك.

في بدء الجلسة التي قدمها الدكتور احمد الظفيري، قال انه "في هذه الاصبوحة نسلط الضوء على اسم مهم وقامة سردية عراقية كبيرة، لربما لم تأخذ الحيز الكافي لها في الدراسات وفي المتابعة والبحث، الا وهو القاص العراقي محمود جنداري".

 

 

وذكر ان "جنداري المولود عام 1944 في قضاء الشرقاط، هذه المنطقة التي تعجن الحكايات بالاساطير واللغة، منها نشأ محمود جنداري ليبدأ مسيرة سردية وكتابية منذ عام 1969 اذ صدرت له مجموعة "اعوام الضمأ" ثم صدر له في عام 1978 "الحصار" ثم مجموعة "حالات" عام 1984 ثم رواية "الحافات" عام 1989 واخيرا اصدر مجموعته "مصاطب الالهة"، وفي عام 2018 صدرت اعماله الكاملة".

واضاف، ان "جنداري سجن لعامين ونصف بعد ان حُكم بالمؤبد، والقارئ لجنداري سيعرف ان هذا الشخص لم يكن سلسا وهينا بل كان مشاكسا في ما يكتب، وما يميزه من الناحية الفكرية انه كان يمازج بين الهم الاجتماعي والميتافيزيقي، قارئ جنداري سيتلمس تلك الهموم في بناء حبكته السردية، من ناحية الاسلوب هناك عالم من الواقعية السحرية التي يبدو ان جنداري استلهمها من حكايات الجدات في الارياف مضاف لها ثقافته المنوعة ما بين الادبي والاثاري، فهو يلتقط الاساطير من قريته ويعيد تشكيلها في واقع سحري جديد".

واوضح انه "لم تكن لغته سلسة وتقريرية كما حاول كتاب القصة ان يكونوا، بل كانت لغة مركبة بحاجة الى مساحة من التأويل والتفكر، جنداري ركن من اركان السرد العراقي في الشمال كما هو محمود خضير في البصرة".

الناقدة نادية هناوي قالت ان "الحديث عن محمود جنداري يقتضي ان نتحدث عن اهم سمة امتازت بها سردياته وبها تأكدت عبقريته الفنية والجمالية، الا وهي التأريخ، المعروف ان التاريخ كان سردية كبرى لكنها تفتّت وصارت صغرى، لكن هناك مفردة اخرى تضاهيها في الاهمية هي التأريخ، وقلما ننتبه الى الفارق المهم والكبير على الاقل فنيا ما بين "التاريخ والتأريخ" في الانكليزية يستخدمون مفردة التاريخ "history" للدلالة على السيرورة الزمانية التي تتضح فيها الازمنة الثلاثة (الماضي والحاضر والمستقبل) ولكنها على صعيد السرد تتجاوز هذه الابعاد الزمانية وتصبح عملية الربط ما بين الماضي والحاضر والمستقبل متداخلة مع بعضها الاخر، وهذا التداخل هو الذي يمنح كاتب الرواية والقاص مساحة كبيرة لان يوظف مخيلته في استحضار التاريخ وقلبه والبحث عن مضمراته ومسكوتاته".

وتابعت، "اما التأريخ – ونحن نميزها بالهمزة - يستخدمون للدلالة عليه "history Graphic" وتعني الكتابة التأريخية وهذه مرتبطة بالارشفة والحفظ ولا تسمح للكاتب ان يتجول بحرية داخل المنطقة التأريخية".

واكملت انه "على مستوى القصة القصيرة كان جنداري ذا خط تجريبي خاص منذ منتصف الستينيات، باللعب على منطقة التاريخ ومحاولة تثوير ما فيه والكشف عن مسكوتاته، وتوضحت هذه في مجموعته "اعوام الضمأ"، ونحن في العراق لم نكن نعرف الواقعية السحرية، وعرفها محمود جنداري بالفطرة بموهبته الخالصة وقدراته السردية العالية".

القاص والروائي حنون مجيد، ذكر ان "الحديث عن القاص الكبير محمود جنداري يأخذ ابعادا واسعة واهمية كبيرة نظرا لما يشكله من قيمة ادبية عالية، قدمت على مدى حياته القصيرة اعمالا جليلة واضافات فنية لا تنسى، ولعل من الطريف ان يقال، إنه ما ان يظهر اسم محمود جنداري في هذا المجال او ذاك الا وترادف معه في الظهور اسم محمد خضير وبالعكس، وبالمناسبة انهما صديقان حميمان جمعهما الادب المتفرد وان اختلفت وتباعدت بينهما المسافات".

وبين ان "من الموضوعية القول، انهما ان اختلفا اختلافا كبيرا في القدرة الفنية لاعمال كل منهما الاولى وحجم الحضور الادبي إذّاك، فإذ بدأ محمد خضير حضورا لافتا ومدهشا ودافعا الى التأمل ومراجعة الذات كما في قصتيه "البطات البرية" و"الارجوحة" ومن بعدهما مجموعته "المملكة السوداء" التي حفلت بالكثير من الاهتمام والنقد".

واضاف ان "جنداري بدأ بداية متواضعة كما في مجموعته "اعوام الضمأ"، ولقد تجسدت قدرة جنداري الفنية العالية في مجموعته "الحصار" التي لم تتضمن قصة له بهذا الاسم، ويجد قارئ جنداري ان هناك ميلا واضحا في هذه المجموعة الى كتابة قصة طويلة قد تقترب وتتجاوز الثلاثين صفحة كما في "حدث في اعوام الفيل" و"الدغل" والشاحنة" و"التاريخ السري" وهكذا، ولو قسمت صفحات المجموعة على عدد القصص فيها لوجدت ان كل قصة منها استغرقت ستة وعشرين صفحة من كتاب متوسط الحجم وليس صغيرا".

واوضح ان "الغموض يتفشى في هذه القصص وتتعبك ملاحقة دلالاتها وانما قد تقودك الى احتمالات مختلفة شتى، ذلك انك كلما توغلت في سبر اغوارها اكتشفت امكانية القاص العالية في تركيب سياقات فنه المتداخلة".

القاص عبد الستار البيضاني قال انه "تعرفت على جنداري كقارئ في منتصف السبعينيات ولفت انتباهي ثلاثة قصاصين هم جليل القيسي ومحمود جنداري، ولا اعرف لماذا، ربما كان هناك حس يساري في الموضوع، وكنت اعتقد ان جنداري كاتب شيوعي، الى ان جاءت الحرب وهو من اوائل من كتب عن الحرب قصة اثارت نقدا واهتماما كبيرا".

واوضح ان "محمود جنداري شخصية هادئة ولكن في داخلها عنف كبير، حتى في كتاباته كان يقول ان القصة مطرقة اهشم بها الواقع دائما، وهو مشاكس وعكس الموجة". الاستاذ شكيب كاظم تحدث عن مقالة نشرها القاص محمود جنداري في جريدة القادسية عام 1987 وتكاد تكشف عن الكثير من المخبوء، وفي الكثير منها تنز عن تنافس وحسد مع القاص حمد صالح ابن قريته وصديقه الذي بدأ يشق دربه في دنيا الكتابة، والذي كان يوغر صدر محمود جنداري بهذا التألق وأخذ طريقه نحو جرائد العاصمة ومجلاتها وليواصل حمد صالح تألقه ويكتب في مجلة الاقلام ثم ينشر رواية عنوانها "خراب العاشق" نشرت عام 1986، وفي هذا المقال المكتوب قبل ثلاثين عاما نقف عند رأي محمود جنداري الذي مهما حاول الاسى على الرحيل السريع لصديقه، وبعد ان افاض في الحديث عن رؤى حمد صالح السوداوية التي تفيض على التقنين، وان رحلة إبداعه ابتدأت في النفور من المدرسة ثم مغادرتها الى الابد بعد انهاء السادس الابتدائي، اذن هو لا يفقه شيئا".

الناقد علي الفواز اوضح ان "تجربة جنداري تختلف عن تجربة حمد صالح على مستوى الفارق الزمني بين عمريهما وتقانات الكتابة التي اشتغل عليها جنداري، لان حمد كان اكثر انفعالا وشعرية، لكن جنداري كان يكتب بلغة رصينة فيها من التقانة الشيء الكثير".

واضاف ان "محمود جنداري ميزته هي هذا النزوع التجريبي والتجديد بقطع النظر عن ان جنداري كان مؤدلجا ويملك هما سياسيا واجتماعيا، جعله يكتب وهو يعيش قلقا وجوديا ربما هو مرض كل جيل الستينيات بحكم التحولات السياسية في بيئة السياسة العراقية، بوصفها خطابات انعكست على الكتابة القصصية".

د. عقيل مهدي تحدث عن مجموعة جنداري "مصاطب الالهة" وكيف فتحت له طريقا في المسرح العراقي لم يطرق من قبل، مبينا انه "اتذكر اننا قدمناها بامور خارج منطقة المحاكاة المتكاملة، حيث لا توجد اضاءة وديكورات ضخمة ولا ازياء ولا موسيقى".

وذكر انه "حتى القاص والروائي محمد خضير حين قدم المجموعة "مصاطب الالهة" وكأنه يتماهى معه في نفس المنطق، ايضا المقدمة كأنها قصة من قصص جنداري فيها هذا الانفلات والعدمية والخوف وكأن هناك رقيبا يريد ان يمسكه".

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top