كلكامش هو الذي رأى....

كلكامش هو الذي رأى....

د. صالح الصحن

في المركز الثقافي الفرنسي، كان الاحتفاء باوروك، وسيدة الملاحم والاساطير الثقافية، كلكامش، ذلك الصرح الملحمي الاكثر شهرة في ثقافات الشعوب، هذه المتعة التي اتحفتنا بمعنى الخلود والبطولة ، وجذور المحبة التي جمعت كلكامش بصديقه انكيدو، وايقونة النواح الدائم “انكيدو..

خلي وصاحبي...” كمنجم لصناعة حياة مثقلة بالوفاء. كانت رحلة العرض المسرحي بقيادة الكاتب والمخرج د حسين علي هارف مع زملائه المبدعين د احمد محمد ومحمد مؤيد و علي جواد الركابي.

نسجل انطباعنا الأولي عن هذا العرض الذي اعتمد اللغة كاطار تعبيري يحمل نكهة الملحمة، وكذلك الشكل بوصفه إحدى أدوات التعبير المرئي ، وبانتقاء حاذق للأصوات المتقنة للاداء وثقافة التجسيد، والتي مثلت شخصيات كلكامش، الفنان”سامي قفطان” وانكيدو” الفنان د جبار خماط” واوتونابشتم “ الفنان د خالد أحمد مصطفى” وعشتار كاهنة الحب الفنانة”هديل سعد”، والأم ننسون،” الفنانة أميرة جواد” وسيدوري الفنانة “سولاف” وصوت الراوي الفنان “فاضل عباس” الذي ادّاه الفنان د حسين علي هارف بمهارة عالية وإتقان مطابق للحركة والاحساس والتعبير المتفاعل مع روي الأحداث ، فيما أدى حركات الدمى بتجسيد فاعل، الفنانون ، د ناجد جباري، لكلكامش، وعلي جواد الركابي لانكيدو، ومحمد مؤيد لاوتونابشتم، ود احمد محمد لخمبابا، فضلا عن المجاميع التي صممت حركاتهم التعبيرية على وفق مساحة المسرح المحدودة التي غالبا ما صممت حركة الشخصيات في جانب واحد فقط واخر للراوي، -

ومن انطباعنا الأولي ايضا، يمكن الإشادة بالمشاهد الفيلمية المصورة ونماذج من التماثيل الشاخصة على الجدران العالية، التي ساعدت في صناعة المكان وعلاقته بالسرد الدرامي للملحمة، كالبحر والزورق والقلعة والقصور، والغابات وغيرها مع خلق علاقة تفاعلية وبتوظيف أقرب ما يكون إلى فضاء المسرح في مشاهد محددة كقتل كلكامش لبعض المخلوقات والمتوحشين وثور السماء . في كلكامش كان هناك قيادة مخرج مع هيئة اخراج في رسم الحركات والافعال للشخصيات بقدر اقل من كاف، لسبب فصل الدمى كرؤوس عن جسد الممثل، وكذلك لضيق مساحة مسرح العرض، والذي حدد عدد المجاميع التي يفضل أن تكون أكثر عددا في مملكة الوركاء الفخمة، وكذلك يمكن اتساع مساحة حضور عشتار آلهة الحب وحلبة المغامرات التي رافقت الملحمة وبقدر مكتنز بالوعي التربوي وبعيدا عن الحسية والأيحاءآت الجسدية والآيروتيكية ، ورغم ذلك، كان التجسيد، محافظا على الخطاب التربوي الثقافي، بأسلوب متمسك بلياقة لغة النص، واسلوب الاداء،الذي أجاد به الممثلون بفصاحة الاداء ومخارج الحروف المشبعة بشحنات تعبيرية عالية الاحساس، وفي بعض المشاهد،حاول المخرج الاقتراب أكثر إلى ذائقة التلقي بتوظيف بعض الاغاني التراثية الشعبية المتداولة عاطفيا كومضات لحنية موغلة بالشجن. ،و من الرائع ان يكون الكاتب حسين علي هارف هو من كتب نصوص الاغاني التي لحنها ابراهيم السيد و قد لعبت دورا دراميا و تعبيريا هائلا مانحة اللوحات الكوريغرافية جمالية مضافة .

ان كلكامش الذي رأى، سجل جرأة ناطقة بالإيمان الحقيقي بأهمية المسرح كوسيط تعبيري متعدد الحدود والفضاءات رغم محدودية الامكانيات الانتاجية فقد بقي حاملا لانساق التجسيد والتعبير رغم الواقع الانتاجي، فقد عمد على بث نكهة المسرح وروح السينما والصورة والوثيقة ومسرح الفتيان والدمى وقيثارة الموسيقى وغيرها ، ونعتقد ان مثل هذا العمل، لو توفرت له الإمكانيات الإنتاجية الكبيرة لكان أكثر ثراءا وتعبيرا فائقا في العرض والابهار، سيما وانه يتناول قضية وموضوع ، يحلم به الكثيرون، كلكامش الذي رأى، كان ضيفا مسرحيا جديرا بالاعجاب والذائقة الجمالية..

تعليقات الزوار

  • د. ناجد جباري

    لقد انرتنا بحضورك حبيب قلبي دكتور صالح وامتعتنا بقلمك الذي سطر هذه الكلمات الرائعة . ربي يحفظك بحفظه ويعيننا الله لنقدم الأفضل

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top